شكوك حول قدرة البنوك المركزية على احتواء الأزمة المالية

02 سبتمبر 2019
الصورة
قلق في في أسواق المال من الحرب التجارية (Getty)
+ الخط -
حتى الآن، لم تندلع أزمة مالية عالمية جديدة، رغم الاضطراب الكبير الذي شهدته أسواق المال في شهر أغسطس/آب الماضي، لكن لا يزال احتمال اندلاع أزمة قائما لأسباب عدة، من أبرزها شراسة الحرب التجارية القائمة بين أكبر اقتصادين في العالم وعدم وجود مؤشرات على حلها في القريب العاجل، وتراجع مؤشرات أسواق المال، وزيادة المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية حول العالم. 

لذا يبقى السؤال: ماذا لو حدثت أزمة مالية شبيهة بتلك التي حدثت في عام 2008، كيف ستكون تداعياتها هذه المرة، وهل ستتمكن المصارف المركزية من التصدي لها هذه المرة مثلما فعلت في السابق؟

منذ أكثر من عام، يواصل خبراء المال ومراكز الأبحاث التنبؤ بحدوث أزمة مالية واقتصادية وشيكة، وسط تداعيات الحرب التجارية الشرسة بين الولايات المتحدة والصين وتداعياتها السالبة على النمو الاقتصادي وأسواق المال التي بدت مؤشراتها شديدة الاضطراب.

كما انتشرت العوائد السالبة على السندات السيادية في الأسواق، وبدأ الحديث يدور حول الأزمة المرتقبة وكأنها شيء عادي، كما باتت سوق "وول ستريت" التي تقود توجهات أسواق المال العالمية تقتات على تغريدات الرئيس دونالد ترامب اليومية المتناقضة بشأن الرسوم والمحادثات التجارية مع بكين، والهجوم الشرس على البنوك المركزية وتلاعبها بالعملات.

وبالتالي، فإن حدوث أزمة مال من عدمه يعتمد بدرجة كبيرة على ما إذا كانت هناك إمكانية لحل الصراع التجاري بين واشنطن وبكين، الذي بدأ بالرسوم وامتد إلى حروب التقنية والعملات والصراع على النفوذ السياسي، ولم يعد صراعاً تجارياً، كما يتم توصيفه في الإعلام.

ويرى العديد من الخبراء أن ما يحدث بين بكين وواشنطن، صراع كسر عظم بين الصين الدولة الصاعدة التي ترغب في تشكيل النظام العالمي وأميركا التي ترغب في الحفاظ على مكانتها كقوة عالمية وحيدة مهيمنة.

وحسب خبراء، تقوم استراتيجية ترامب على تفكيك النظام المالي والاقتصادي الحالي والقضاء على العولمة التي أفادت الصين والاقتصادات الناشئة على حساب الاقتصاد والصناعة الأميركيين. وبالتالي، فإن ما يرغب فيه ترامب هو تفكيك المؤسسات المالية والاقتصادية التي أسست بعد الحرب العالمية الثانية، وإعادة تركيبها من جديد بشكل يكرس هيمنة الولايات المتحدة كقوة جديدة.

في المقابل، فإن الصين ومعها كل من الدول الأوروبية واليابان وروسيا ترغب في الحفاظ على هذا النظام ومؤسساته. وقد ظهر ذلك جلياً في الاجتماعات الفاشلة التي عقدتها قمة مجموعة السبع في فرنسا قبل أيام.

في هذا الصدد، يقول الاقتصادي الأميركي بول جورج كريج روبرتس، وهو من المناصرين للقضاء على نظام العولمة والنظام المالي والاقتصادي الحالي، في تحليل بمعهد دراسات الاقتصاد السياسي الأميركي، إن العولمة دمرت الاقتصاد الأميركي وأفادت دول العالم، خصوصاً الصين التي استفادت كثيراً من التقنية والخبرات الأميركية، وذلك عبر الهجرات المكثفة لكبرى الشركات الأميركية إليها.

ويرى روبرتس أن هذه الهجرة أدت إلى انتقال الوظائف والخبرات الأميركية، كما خفضت من القدرات الأميركية في الصناعة والاختراع والبحث العلمي. ويشير، في مقال نشره موقع المعهد، إلى أن "النمو الذي تشهده أرباح الشركات الأميركية حالياً، يعود إلى تطور القوة الشرائية الأميركية وخفض الضرائب، ولكنه نمو على المدى القصير، ويتم على حساب النمو الاقتصادي على المدى الطويل. وهذا الرأي يلخص استراتيجية ترامب في القضاء على الاقتصاد الصيني الذي يراه عقبة في طريق بناء "أميركا العظيمة".

وفي ذات الصدد، تتخوف الأكاديمية الأميركية في جامعة برينستون الأميركية، جين غروسمان، من أن تقود الحرب التجارية إلى حرب عالمية بسبب جذرية الصراع في بناء النظام العالمي الجديد. من هذا المنطلق، فإن حتمية الصراع بين بكين وواشنطن ربما تؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي.

وبالتالي إلى أزمة اقتصادية عالمية، إذ إن حجم الاقتصاد الأميركي يقدر بنحو 21 تريليون دولار، فيما يقدر حجم الاقتصاد الصيني بأكثر من 11.5 تريليون دولار، وهو ما يمثل نسبة تقارب 35% من إجمالي حجم الاقتصاد العالمي المقدر بنحو 80 تريليون دولار.

وبالتالي، فإن التباطؤ الذي يعيشه الاقتصادان، ربما يقود تلقائياً إلى الركود التجاري وتدني أسعار السلع والقوة الشرائية العالمية. وهذا الركود المتوقع في الاقتصادات الكبرى سيطلق معالجات قد تكون نتيجتها انهيار أسواق المال، في وقت لا تبدو فيه البنوك المركزية قادرة على إنقاذ العالم.

على صعيد قدرة البنوك المركزية على احتواء الأزمة الجديدة، يرى كل من خبير الأسواق في مصرف "بانك أوف أميركا ـ ميريل لينش"، ستيفانو باسكال وبنجامين باولر، في مذكرة لعملاء البنك، أن ثقة أسواق المال في المصارف المركزية في التعامل مع أزمة مالية جديدة قد ضعفت، وأن هذه البنوك لم تعد قادرة على التنسيق في ما بينها مثلما كان الحال حينما حدثت الأزمة المالية في عام 2008.

ويضيف الخبيران أن "البنوك المركزية الغربية لم تعد تثق في بعضها البعض"، وسط اتهامات ترامب لها بالتلاعب بالعملة، وضغوطه المستمرة على مصرف الاحتياط الفدرالي "البنك المركزي الأميركي" الذي يصفه بأنه يعمل ضد مصلحة بلاده ويخدم الاقتصادات الأخرى.

وما يعضد رأي الخبيرين في مصرف "ميريل لينش"، فشل اجتماعات قادة البنوك المركزية في جاكسون فيل بولاية وايومينغ في الخروج بأية اقتراحات جديدة تقود إلى استقرار سوق الصرف العالمي، مثلما حدث في اجتماعات فندق بلازا، نيويورك، في عام 1995. كما فشلت كذلك قمة السبع التي عقدت الأسبوع الماضي بفرنسا في الخروج بأية حلول لأزمة أسواق المال أو الحرب التجارية.

وسط هذا المناخ المضطرب، تتواصل المؤشرات المقلقة التي تدل على أن أسواق المال قد تدخل في أزمة، وسط هروب المستثمرين الكبير من الأسهم نحو الذهب وانخفاض أسعار المعادن والسلع الأولية، وعلى رأسها النفط. جميعها مؤشرات تدل على أن الاقتصاد العالمي دخل غرفة الإنعاش وأن حياته باتت تعتمد على الجرعات النقدية التي تضخّها البنوك المركزية في شرايين أسواق المال عبر سعر الفائدة المنخفضة.

المساهمون