شعبوية ضد مركز تكافؤ الفرص البلجيكي

25 يونيو 2018
الصورة
أنشئ المركز عام 1993 (العربي الجديد)
+ الخط -
المركز الفيدرالي لتكافؤ الفرص في بلجيكا، المختص بمكافحة العنصرية والتمييز، يحتفل بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتأسيسه في بيئة سياسية معادية لأفكار المساواة بشكل متزايد وانتشار الشعبوية.

يرتبط إنشاء المركز البلجيكي لتكافؤ الفرص تاريخياً بالصدمة الناجمة عن نجاح حزب "فلامز بلوك"، اليميني المتطرف، في مدينة أنتويرب، شمال البلاد، خلال الانتخابات البلدية في عام 1989. في ذلك الحين، حصل الحزب، الذي لم يكن يتردد في التعبير عن أفكاره العنصرية ضد المهاجرين، على حوالي 18 في المائة من الأصوات في المدينة. وقد دفعت الحاجة إلى مؤسسة رسمية لمكافحة العنصرية وتعزيز تكافؤ الفرص والاندماج إلى توافق في الآراء بين المكونات السياسية الديمقراطية على اختلاف مشاربها. وجرى إنشاء المركز عام 1993، ليبدأ عمله منذ عام 1994، بالضغط على الأجندة السياسية لبلجيكا. فبعدما لعب دوراً بارزاً في تأسيس الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا، اقترح المركز، عام 1999، خطة تسوية وضعية المهاجرين غير النظاميين وساهم في تنفيذها. وهو ما أدى إلى موجة تسوية ضخمة لأوضاع حوالي 70 ألف مهاجر. وفي عام 2004، تمكن الحزب من توجيه ضربة قوية لحزب "فلامز بلوك" عندما رفع دعوى ضده بسبب العنصرية، وحكمت المحكمة لصالح المركز. وقد كانت الرسالة مهمة وإن كانت رمزية، فهي كانت تعني أن حرية التعبير ليست بلا حدود. يفسر جان كورنيل، الذي شارك في إدارة المركز منذ إنشائه من عام 1993 حتى عام 2001، لـ"العربي الجديد"، أنّ "ميزة المؤسسة آنذاك أنّها كانت جديدة وليس لها مثيل في بلدان أوروبية أخرى". يضيف: "بطريقة ما، جربنا وحاولنا القيام بكل ما في وسعنا لمكافحة العنصرية. وضعنا نصب أعيننا ما إذا كانت النخبة السياسية تقبل بذلك أم لا. فتنظيم انتخابات لانتخاب أعضاء الهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا، كما عملنا عام 1998، أمر لا يمكن حتى تخيله اليوم".




يتفق الرئيسان السابقان للمركز، جان كورنيل ويوهان ليمان، على أنّه كان دائماً يواجه معارضة سياسية في ما يتعلق بتسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين، وعداء من قبل جزء من المواطنين بسبب قضايا العنصرية والهجرة. لكنّهما يؤكدان على أنّه خلال سنوات التسعينيات، لم تكن مسألة استقلالية المركز محل طعن من قبل أي حزب ديمقراطي. بل كان المركز آنذاك تحت الحماية المباشرة لرئيس الوزراء في ذلك الوقت، جان لوك ديهان، من الحزب المسيحي الديمقراطي. وكان المركز مسؤولاً عن إعداد جدول أعمال المؤتمرات المشتركة بين الوزارات المكرسة لسياسات المهاجرين. يقول ليمان: "كنا نواجه الانتقادات والتهديدات، لكنّنا نعلم أنّنا محميون من قبل الوزير الأول". ليمان، الذي شارك في إدارة المركز في الفترة من 1993 إلى 2003، يضيف لـ"العربي الجديد": "لا أتذكر أنّ حزباً ديمقراطياً طالب بإغلاق المركز. ومن المؤكد أنّه مع وجود الحزب القومي، والتحالف الفلاماني في الحكومة، فإنّ ذلك يشكل صعوبة إضافية للمركز".

ظهور التحالف الفلاماني في العقد الأول من الألفية الجديدة مثّل بداية عملية إضعاف المؤسسة. وأصبح بالتالي هناك حزب ديمقراطي قوي يتساءل علناً عن ضرورة وجود هذا المركز. يقول إدوارد ديلرويل، الذي شارك في قيادة المركز في الفترة من 2007 إلى 2013، لـ"العربي الجديد": "نقطة التحول هي سنوات 2008 - 2010. إذ أصبح وضع العمل أكثر صعوبة. لكن أعتقد أنّه كان أقل وطأة بالمقارنة مع اليوم". يشدد على أنّ "هذا جزء من حركة واسعة النطاق تطعن في التشريعات الخاصة بمكافحة التمييز على أساس أنّ الناس الآن متساوون رسمياً في الحقوق، وبالتالي فإضافة مثل هذه التشريعات غير منطقية. ونرى هذا في أماكن أخرى في أوروبا مع صعود الشعبوية".

شهد العقد الأول من الألفية انقسام جبهة مكافحة العنصرية في بلجيكا، إذ أنشئت مجموعة من المنظمات على أساس عرقي أو للدفاع عما تعتبره تمييزاً في حقها والتركيز على نضالها الخاص. ألقي اللوم على المركز البلجيكي لتكافؤ الفرص لعدم القيام بما يكفي من عمل لمكافحة العنصرية والتمييز. فكما يقول سعيد زايو، من التجمع ضد الإسلاموفوبيا في بلجيكا، لـ"العربي الجديد": "لدينا تعاون جيد مع المركز، لكن نعتبر أنّه لا يفعل ما يكفي في بعض الأحيان".

عام 2013 جرى فرض ضرورة قيام مثل هذه المراكز على مستوى كلّ الدول الأوروبية، كما أضيفت صفة "الفيدرالي" للمركز اعتماداً على قوانين بلجيكية. لكنّ حزب التحالف الفلاماني، تمكن بدعم من الحزب الليبرالي الفلاماني، من تقسيم المركز إلى هيئتين: "أونيا" للقضايا المتعلقة بالتمييز، و"ميريا" لملفات الهجرة. يقول ديلرويل: "لقد كان الأمر ببساطة يعني تطبيق سياسة فرّق تسد قبل تحويل المركز، على المدى الطويل، إلى مؤسسة جهوية". يتابع: "ما يقلقني كثيراً هو عدم إعطاء الأهمية الضرورية للمؤسسة ولعملها. هناك اتجاه قوي في بلجيكا، وأيضاً في أماكن أخرى من أوروبا، إلى تطبيق موقف أكثر استبداداً من جانب الحكومات. عملية تقوم من خلالها هذه الحكومات باستصغار عمل مؤسسة ما أو السيطرة عليها. وعدم الاعتراف بعمل مؤسسة ما يعني تلقائياً أنّ القوانين التي تحدد عملها غير ضرورية أيضاً".

معظم الأحزاب الفرنكوفونية باختلاف توجهاتها، كما هي حال أغلب الأحزاب الفلامانية، تعتبر أنّ المركز الفيدرالي لتكافؤ الفرص مهم لتطبيق خطة مكافحة التمييز. لكنّ ذلك لا يمنع أنّه إلى جانب أعضاء حزب التحالف الفلاماني، بدأت انتقادات المركز تنتقل إلى أعضاء الحزب الليبرالي الفلاماني، إذ لم يتردد وزير الدولة، فيليب دو باكر، في القول، في 29 مارس/ آذار الماضي، لصحيفة فلامانية، إنّه "إذا لم يتغير المركز الفيدرالي لتكافؤ الفرص، فإنّه لن يكون له الحق في الوجود"، متهماً المركز بأنّه لا يهتم بما فيه الكفاية بملف معاداة السامية. تصريحات لم تواجه أي انتقادات من مسؤولي الحزب الليبرالي الفلاماني.




يعتبر المركز الفيدرالي لتكافؤ الفرص مؤسسة عمومية مستقلة وخبيرة في سياسة المساواة وعدم التمييز. وتتمثل مهمتها في تعزيز تكافؤ الفرص والحقوق لجميع المواطنين، استناداً إلى تشريعات مناهضة التمييز ومكافحة العنصرية. ويمكنه أيضاً رفع دعاوى أمام المحاكم في قضايا تتعلق بوضع حد للتمييز أو إدانة التصريحات العنصرية. وقد مكّن وجود المركز المواطنين من اللجوء، في حال التعرض للتمييز، إلى مؤسسة واحدة، بغض النظر عن مستوى السلطة المعنية.