شعبوية ترامب تُنذر بحرب حتمية لدى الجمهوريين

شعبوية ترامب تُنذر بحرب حتمية لدى الجمهوريين

14 ديسمبر 2015
الصورة
قد يترشح ترامب كمستقلّ (شون رايفورد/Getty)
+ الخط -
أبعد من ضجيج تصريحاته الاستفزازية، بدأت تعكس حالة المرشح الرئاسي دونالد ترامب، ثلاثة اتجاهات رئيسية في السياسة الأميركية: صعود النظرة المعادية للمهاجرين بين الطبقة العاملة، وتبلور مناخ قلق في الرأي العام من عودة موجة الإرهاب، وبروز مسار حتمي سيؤدي لمواجهة صاخبة داخل المعسكر الجمهوري العام المقبل.

يُدمن ترامب استطلاعات الرأي، ويعتمد عليها ليحدد من يستهدف بين أقرب منافسيه، ومتى يرى ضرورة لإحداث ضجة إعلامية تعزز صدارته ومتى يقرر استثمار قلق الناخبين، مثلما حصل بعد الاعتداءات الأخيرة في العاصمة الفرنسية باريس وولاية كاليفورنيا الأميركية. لا يهم إذا كان ضحية ترامب بلد مجاور أو ديانة بأكملها، المهم أن التوقيت مناسب لسرقة الأضواء عبر قول أمور تخرج عن المألوف وتحاكي هواجس الناس الدفينة. النتيجة مرضية بالنسبة لترامب، حديث الولايات المتحدة هذه الأيام يقتصر عليه، هو الذي يتقدم بشكل حاسم على منافسيه الجمهوريين بـ15 في المائة على الأقلّ في الاستطلاعات الوطنية.

لأشهر طويلة مضت، كانت هناك تكهّنات في واشنطن حول متى يسقط الرجل عن برجه، لكنه تحدّى كل قوانين الجاذبية في السياسة. طرح أفكاراً غريبة، كاقتراح فكرة عبثية لبناء جدار على طول الحدود مع المكسيك، والسخرية الجارحة التي طالت كل من اعترضه، وازداد مناعة بعد كل طرح ليخرج أقوى بعد كل حفرة يقع فيها.

في هذا الصدد، لا شيء يُعزّز شعبية ترامب بين منافسيه أكثر من انتقادات الإعلام الليبرالي له، أو استنكارات القيادة التقليدية في الحزب الجمهوري أو دعوات البيت الأبيض له للانسحاب من السباق الرئاسي. مشكلة القيادة التقليدية هي مع قاعدتها الشعبية أكثر ممّا هي مع ترامب، فالناخب الجمهوري بكل بساطة، لا يثق بقيادة حزبه منذ نهاية ولاية الرئيس الأسبق جورج بوش الابن عام 2008. كما يرى البعض أن من الأسباب الرئيسية لرضى الناخب الجمهوري على ترامب، هو أنه من خارج النادي السياسي في واشنطن، وأنه يموّل حملته بنفسه، ويقول ما يفكر من دون رقابة ذاتية أو حسابات.

اقرأ أيضاً: دونالد ترامب في كل مكان: نُسَخ أوروبية للعنصرية الصاعدة

قاعدة ترامب الشعبية مكوّنة إلى حدّ كبير من الرجال البيض المحافظين الذين لا يحملون شهادة جامعية، وأرقامه ليست مشجعة بين النساء وحاملي الشهادة الجامعية من الجمهوريين. وفي حال نال ترشيح حزبه، سيكون من الصعب عليه الفوز بالانتخابات في ظلّ ضعف شعبيته بين الأقليات والمستقلين، ليزداد الارتباك عند الجمهوريين.
في حسابات القيادة التقليدية الجمهورية، ساد اعتقاد مطلع العام الحالي، بحتمية فوز حاكم ولاية فلوريدا السابق جيب بوش، قبل أن تبدأ بإدراك حدود نفوذها في السباق الرئاسي. كما أن التيار المحافظ، الذي كان يحتكر الحركة الاعتراضية ضد المؤسسة الحزبية، بدأ يكتشف أن ترامب يسرق كل الوهج لنفسه من دون منح أي شيء بالمقابل.
ومع دخول حملة بوش في "موت سريري"، لا يبدو أن هناك مرشحاً جدياً للقيادة التقليدية، لكنها تراقب السيناتور الشاب عن فلوريدا ماركو روبيو، الذي يتمتع بقدرات خطابية، ويصعد بخطوات بطيئة وثابتة في استطلاعات الرأي. كما أن مرشح التيار المحافظ الفعلي، السيناتور عن تكساس تيد كروز، يحتلّ الآن المركز الثاني في الاستطلاعات، مدشناً حرب الانتقادات الناعمة بينه وبين ترامب، باعتبار أن هناك تقاطعاً بين قواعدهما الانتخابية.

ويشير استطلاع أخير مشترك لصحيفة "دي موين" ومحطة "بلومبرغ"، إلى تقدم كروز على ترامب بعشر نقاط في ولاية أيوا، ما يعطي مؤشراً آخر على أن المعركة طويلة وشرسة عند الجمهوريين. وباشرت المؤسسة الحزبية في هذا الصدد، بتسريب هواجسها من تحوّل مؤتمرها الحزبي في كليفلاند ـ أوهايو في يوليو/ تموز المقبل، إلى نزاع داخلي. في المؤتمر المذكور سيجتمع كل المندوبين الفائزين في الانتخابات التمهيدية الجمهورية لحسم اختيار الحزب مرشحه الرئاسي في مواجهة مرشح الديمقراطيين. ويستبدّ القلق بالجمهوريين، في حال لم تكن نتائج الانتخابات التمهيدية حاسمة، ليدخل الحزب في مأزق أو طريق مسدود في ظلّ المقاربة الاستفزازية لترامب، ما قد ينعكس سلباً على عمل المؤسسات الحزبية.

في هذا السياق، هدّد السيناتور من التيار التحرري، المرشح الرئاسي راند بول، القيادة التقليدية بتصريح قوي، معتبراً أنه "إذا حاولت القيادة الحزبية خلال المؤتمر الانتخابي، عرقلة مرشح تتحفّظ عليه، فستكون هناك حرب داخل الحزب وستُدمّر الحزب".

ويبدو أن لترامب ورقة احتياطية، بعد تزايد الضغوط عليه، إذ لوّح بورقة ترشّحه كمستقل، على الرغم من أنها خطوة مكلفة سياسياً ومادياً وتحتاج إلى قدرات لوجستية هائلة، لمنافسة الحزبين الجمهوري والديمقراطي في كل الولايات المتحدة. لكن في حال لم يكن لترامب خيار آخر، فإن ترشحه كمستقلّ سيضرّ بالحزب الجمهوري من دون شك، لا سيما بعد أن ذكر استطلاع مشترك لصحيفة "يو أس أي توداي" وجامعة "سوفولك"، أن "68 في المائة من مؤيدي ترامب سيصوّتون له في حال ترشح كمستقل".

مع ذلك، يتوقع بعض الليبراليين أفول حملة ترامب، ويستحضرون مثالاً على ذلك بأنه "في مثل هذا الوقت من عام 2011، كان المحافظ نيوت غينغريتش، يتقدم على ميت رومني بحوالي 12 نقطة في السباق الرئاسي عند الجمهوريين، قبل أن يخسر". كما أن البعض يقول إن "الناخب الأميركي سيبدأ فعلياً بالتركيز على الانتخابات الرئاسية مطلع العام المقبل، بالتالي ستبدأ شعبية ترامب بالتراجع". غير أنه من المؤكد أنه مهما كان مصيره الانتخابي، إلا أن الأزمة العميقة التي سيتركها ترامب داخل الحزب الجمهوري، لن يكون من السهل مداواتها.

اقرأ أيضاً: هؤلاء نجوم هوليوود الذين سيدعمون دونالد ترامب... وهؤلاء ضده

المساهمون