شطرنج التماثيل التونسية

26 مايو 2016
الصورة
(من عملية نقل التمثال، تصوير: فتحي بلعيد)
+ الخط -

في تونس، يتزامن خلال الأسبوع الجاري حدثان متعلّقان بالتماثيل؛ الأول هو إعادة نُصب الحبيب بورقيبة، أول رؤساء دولة الاستقلال إلى قلب العاصمة حيث كان طوال سنوات حكمه، والثاني، هو "استعارة" تمثال حنبعل (هانيبال) النصفي من "قصر كينالي" في روما.

لا تخلو كلا العمليتين من دلالات أو توظيفات، فتمثال حنبعل الأشهر انحصر الحديث عنه في فضاءات بروتوكولية حيث قُدّم بادئ الأمر في القصر الرئاسي بقرطاج قبل أسبوعين، وسيتم غداً عرضه أول مرة للجمهور في "متحف باردو".

أما تمثال بورقيبة، فبإعادته إلى الشارع الرئيسي للعاصمة (والذي يحمل اسمه منذ الاستقلال) لا يخلو هو الآخر من تقاطعات مع أجواء قصر قرطاج، إذ لم تُطرح فكرة إعادته إلا مع وصول الباجي قائد السبسي إثر انتخابات 2014 إلى الرئاسة، وهو الذي ينتمي إلى "زمن بورقيبة"، ما يشير إلى العقلية التي تحكم المسؤولين عن خيارات المدينة المعمارية وتغيّرات توقعاتهم حسب ساكن القصر.

عودة بورقيبة إلى الشارع الرئيسي ذي البنية الاستعمارية بامتياز (تصميم فرنسي تكريماً للرئيس جول فيري)، يعيد تشكيل صورة المكان، هناك حيث توجد في بداية الشارع سفارة فرنسا بمعمارها الذي لم يتغيّر منذ عهد "المقيم العام"، تقابلها "كنيسة القدّيس لويس"، والتي سمّيت على اسم الملك الفرنسي الذي مات بالطاعون على شواطئ تونس حين أتاها غازياً في القرن الثالث عشر ضمن إحدى الحملات الصليبية.

حين وضع زين العابدين بن علي حداً لرئاسة بورقيبة "مدى الحياة"، يبدو أن مسؤولي ذلك الوقت، أرادوا أن يبادروا أيضاً بتصميم شيء على مقاس ذوق ثاني رؤساء الجمهورية، فاقتضت الضرورات الديكورية للمشهد الجديد أن يتم "إخفاء" نصب بورقيبة وتحويله إلى حلق الوادي، وتوضع محلّه ساعة أصبحت رمزاً لـ "العهد الجديد"، ثم سرعان ما انتشرت الساعات في ساحات المدن الأخرى، مستبدلِة تماثيل بورقيبة.

هذه المرة، لن يعود النصب إلى مكانه القديم بالضبط، إذ جرى الإبقاء على الساعة العملاقة (لعله خيارٌ وُضع على ضوء حسابات التكلفة)، ليكون قبالتها، وقبالة رمز آخر للسلطة؛ وزارة الداخلية، فوق قطعة من المكان الذي تجمهر فيه التونسيون في مظاهرات يناير 2011.

هكذا، في مسافة مئة متر، تتراكم رمزيات فترات الحكم التونسية، فيما تغيب لمسات الزمن الجديد في هذا الشارع أو لم تظهر ما دامت تجثم فوق صدرها رموز أخرى. لكن، ألم تكن مسارات السياسة تؤشر إلى عودة "القديم" الكاسحة، فلا غرابة أن يُسّرب رموزه في خيارات معمارية ليست سوى أحد أشكال "العنف الرمزي" الذي يمارس على المدينة وأهلها.

على ذكر مفهوم "العنف الرمزي"، يمكن أن نفكّر قليلاً مع واضعه، عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، حين يرى أنه يعتمد بالأساس على قدراته التخييلية لإخضاع الواقع وإعادة إنتاج النظام الذي يدافع عنه.

عنف رمزيّ تصاحبه عودة إلى اللغة والممارسات الخشبية إياها، ومنها عملية إخراج تمثال حنبعل ونوع الدعاية الرثّة له. حالتان تكشفان بنية الفكر الذي خطَّط لهذه البلاد وهذه المدينة منذ عقود.

المساهمون