شركة "زين"... أغانٍ لرمضان في كنف المحظور

12 مايو 2019
الصورة
شيرين ونجوى كرم في أغنية "الدين تمام الأخلاق"(Getty)
+ الخط -
إعلان جديد تطرحه شركة "زين" للاتصالات كعادتها مع بداية شهر رمضان من كل عام. حمل هذه المرة عنوان "الدين تمام الأخلاق" بمشاركة كل من الفنانتين اللبنانية نجوى كرم والمصرية شيرين عبد الوهاب.

يشكل الإعلان جزءًا من حملة الشركة التي طرحتها قبل أعوام من أجل محاربة الإرهاب ومكافحته، مستعينة بثلة من نجوم الغناء العربي في كل فيديو كليب تطرحه عبر منصات البث الخاصة بها على وسائل التواصل الاجتماعي. رسائل توعوية وتربوية مختلفة الشكل والمضمون، مناهضة الإرهاب ومحاربة التطرف ونشر المفاهيم الإنسانية الخيرة وغيرها. موجز الإعلان الأخير هذا العام يتطرق إلى قضية اختلاف الأديان، لا سيما المسيحية والإسلام، ومحاولة صنّاع الفيديو من خلال سيناريو درامي نشر مفاهيم التآخي والتواؤم الديني وتقبل الآخر باختلاف عرقه أو دينه. طفلتان من عائلتين مختلفتين، الأولى مسيحية والثانية مسلمة، تكبران معًا، تواجهان خطر التطرف الفكري والديني من خلال أبيات شعرية باللغة العربية الفصحى تشير إلى قوة التعاضد وضرورة التعايش ونبذ التعصب (أنا مسلمة وكل ضربة في كنيسة تكسر ظهري، مسيحية وكل رصاصة في مسجد تحفر صدري). تكمل كل من كرم وشيرين باقي الأغنية، تخلصان إلى أن حرية الرأي والمعتقد أمران متلازمان لا يتماشيان مع الاختلافات من فتاوى واجتهادات في العالم العربي والإسلامي، وبأن الله دليل قلب المؤمن ومنتهاه مهما اختلفت أو تنوعت طرق الإيمان (فالله منتهى الطرق).

تبدو الفكرة مقبولة للوهلة الأولى، أغنية عاطفية تحمل مشاعر إنسانية عالية ورسائل اجتماعية متعددة بمشاركة نجمتين عربيتين من الصف الأول في العالم العربي، ولكن هل يكفي ذلك لنقول بأن الإعلان قد حقق نجاحاً دون عوائق أو مساءلة على صعيد الفكرة والخطاب؟ ماذا عن موجة الانتقادات والاتهامات التي دائمًا ما تطاول "زين" في كل عمل تطلقه مستغلة أسماء نجوم كبار (لهم اعتبارات أيديولوجية) لنشر أفكارها الإنسانية، ألا يجب أن تثنيها عن مواصلة عملها الدعائي الذي يمس مواضيع حساسة للغاية؟ أو يدفعها على الأقل إلى تغيير محتوى رسائلها بما يتناسب مع مزاجية الشارع العربي؟ لم هذا الإصرار إذن وهي شركة قوامها تقديم خدمات الاتصال وليس الأخلاق؟ أصبح الأمر مدعاة للتساؤل ومثار شكوك والتباس حول سياسة الشركة التي تعد من كبريات شركات الاتصالات في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتهيمن على شبكات اتصال كبرى في عدة دول عربية لها مواقفها وسياساتها وحرماتها الدينية والاجتماعية الخاصة. فإذا عدنا إلى الوراء قليلاً سنتذكر حالات الشجب والاستنكار التي طاولت إعلانها الترويجي في رمضان عام 2015، حول تكاليف الإنتاج المبذولة على الإعلان والمطربين الذين بلغ عددهم أحد عشر فناناً، واتهامها بالتسويق الباذخ لنفسها بدلًا من الاستفادة من تلك الأموال في مساعدة اللاجئين الحقيقيين، كونها كانت تحاكي قضايا اللاجئين والحدود.

في العام التالي اكتفت الشركة الكويتية بتقديم إعلان رمضاني بسيط، لم تتبن فيه أية قضية اجتماعية ذات طابع سياسي، ولكنها عادت عام 2017 كما هو متوقع منها، بنشر إعلان رمضاني جديد يتعلق بمحاربة الفكر التكفيري ومواجهة الإرهاب بقيادة الفنان الإماراتي حسين الجسمي، لتنهال على مواقع التواصل ومنصات الإعلام دعوات الساخطين إلى إيقاف بث هذا الإعلان، كما أثار حفيظة الناشطين والمعارضين السوريين بشكل مباشر ودفعهم لإطلاق حملة "زين تحرف الحقيقة" وذلك على خلفية استغلال الشركة لقضية الطفل عمران الذي نجا من الموت، بعد تعرض منزله في حي القاطرجي في حلب للقصف من قبل طائرات النظام السوري والطيران الروسي عام 2016، وتصويره (في الإعلان) على أنه ضحية اعتداءات الدولة الإسلامية داعش، في وقت تصاعدت فيه سيطرة النظام السوري وبسطه نفوذه بشكل ملحوظ منذ ذلك الوقت، ما دفع البعض إلى القول بأن زين تعمل ضمن نشاط دعائي منوط باعتبارات سياسية متناقضة وغريبة.


ومع إعلان "سيدي الرئيس" لعام 2018 في رمضان الماضي، ساءت الأمور أكثر على الرغم من أن الشركة حاولت من خلاله بشكل واضح تخفيف أضرار الإعلان الرمضاني السابق، وترويض حدة الانتقادات الموجهة إليها ولموقعها بين الجماهير العربية، فدفعت تنسب الصراعات ومسبباتها ومخاضها إلى زعماء العالم (ترامب وبوتين، أنجيلا ميركل، كيم يونغ أون، جاستن ترودو وأنطونيو غوتيريس) ضمن إسقاط درامي، عوضاً عن توجيهها إلى الزعماء العرب، واتخذت في إعلانها الغريب لهجة الاستجداء من أجل حل القضايا الإنسانية العالقة في مناطق الصراع العربي، مما زاد الطين بلة وأوقع الشركة في فخ أخطائها مرة أخرى.