شركات الموت

04 أكتوبر 2019
الصورة
تكثر الانتهاكات ونهب الموارد (عصام الحاج/ فرانس برس)

في ظلّ تصاعد الاحتقان الأمني في مواقع التعدين عن الذهب، وارتفاع الوعي لدى المواطنين حول المخاطرالمحدقة بهم في مقابل تجاهل الشركات للمطالب وقرارات المسؤولين بوقف نشاطها، كان لا بد من أن تقوم اللجنة الوطنية لمناصرة البيئة في السودان بدورها في الكشف عن الانتهاكات، ورصد عمليات المقاومة الشعبية، وإعلان اتهامها الصريح لهذه الشركات بالمماطلة والتسويف، وأنها تمثل العمق الاقتصادي لدولة النظام البائد. ويشكو المواطنون في أكثر من موقع من زيادة وتيرة الإنتاج في ما يشبه السباق مع الزمن، ما يزيد نسبة السموم المستخدمة، والتي يؤكد الخبراء بقاء أثرها في التربة لعشرات السنوات.

وأورد بيان صادر مؤخراً عن اللجنة ملاحظاته المستقاة من تقارير الرصد والمتابعة وتنامي الشكاوى. ففي صواردة والفريق ومناطق أخرى مجاورة في أقصى الشمال، واصلت الشركات تحديها للمواطنين في نهب الموارد، ما دعا إلى تسيير المواطنين للمواكب السلمية، وتنظيم احتجاجات لإجبار الشركات على الرحيل.

وفي جنوب كردفان (محلية تلودي)، وبعد رفض الشركات الالتزام بقرار الوالي (ممثل الحكومة في الولاية)، لجأ المواطنون للاعتصام منذ أسابيع في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد من جراء تكرار حالات الإجهاض، وتشوهات الأجنة، والإصابة بمختلف الأمراض، وازدياد التوتر والقلق. كما رصد حالات نفوق للحيوانات والطيور بأعداد كبيرة، ما يزيد من تهديد بعض الأنواع المهددة (أصلاً) بالانقراض.

وفي محلية قدير، اجتمعت كلمة الشباب الثائر مع القيادات الأهلية في المنطقة لمقاضاة الشركات والانتهازيين من المستثمرين، وأبناء المنطقة المستقطبين من قبل الشركات بغرض تشويه الوعي والدفاع عنها. أما في محلية رشاد، فقد رُصدت مواد عالية السميّة في العراء عُرضة للشمس، أو في الأحواض المكشوفة، مع تسجيل يومي لحالات الإصابة بالأمراض بين البشر، وحالات نفوق الحيوانات والطيور. كذلك الحال في محلية التضامن، حيث أكملت فرعية لجنة مناصرة البيئة ملفها العلمي والقانوني استعداداً لمنازلة الشركات في ساحات القضاء، من أجل وقف الانتهاكات.




يشير الخبير البيئي عيسى عبد اللطيف إلى أن هدف حماية النُظُم البيئية لصالح مجتمع الحاضر والمستقبل هو من بين أهداف التنمية المستدامة الواجب "على الحكومة الانتقالية العمل عليها". يضيف أنه على رأس الأهداف السبعة عشر (محاربة الفقر لتحقيق العيش بكرامة)، مؤكداً أن "تنمية أي بلد يعتمد على موارده الطبيعية كالسودان، يجب أن تبدأ من الريف، وليس من المركز، وأن عماد التنمية هو الإنسان الصحيح العقل والبدن والنفس، والمسلّح بالمعرفة والثقافة". لكن ها هي الموارد تُسرق، وإنسان الريف يهمّش، ولا يسمع له صوت، فكيف يستقيم أن يعلو صوت الاستثمار (الأعمى) هذا على صوت المواطن، ومن ورائه قرارات المسؤولين، ورأي الخبراء في حقل استدامة البيئة؟

*متخصص في شؤون البيئة