شرق لبنان وغربه

11 يوليو 2020
الصورة

دائماً ما تكون رحلة البحث عن الهوية الفردية أو المجتمعية خاصة، فلا تستقيم هويةٌ لأحد ما لم يكن مقتنعاً بها، ومجرّباً كل ما هو ممكن. قد تستغرق هذه الرحلة مدىً زمنياً متفاوتاً بين فردٍ وآخر، أو بين مجموعة وأخرى، إلا في لبنان، فإن الصراع الهوياتي تحوّل، بحدّ ذاته، إلى هويةٍ للبلد، لا مساراً متعرّجاً يهدف إلى الوصول إلى خاتمةٍ يُبنى عليها عقد اجتماعي حقيقي وغير كاذب. وبمعزل عن مدى أولوية هذا النقاش حالياً، إلا أن استحضار لغة "الشرق والغرب" في الأدبيات اللبنانية، في إطار نمطية طوائفية ـ ثقافية، وبطريقةٍ أقرب إلى الابتذال أو النقص المعرفي، لا يُظهر خلافاً لبنانوياً عميقاً، بقدر ما يُظهر عدم إلمام المتناقشين بأبسط مفاهيم الشرق والغرب.

بداية، قد تكون الحقيقة المجرّدة والكاملة وغير النسبية إلى حدّ ما، بين هذه الثنائية، هي أن الشمس تشرق من الشرق وتغيب في الغرب، انطلاقاً من خصائص الكرة الأرضية. بعد ذلك، باقي الحقائق نسبية ومتغيّرة، فرؤية الشرق والغرب في العام الحالي من منظور عام 1943؛ تاريخ استقلال لبنان، هي جريمة بحق التاريخ والشرق والغرب معاً، وإعادة تعريف هذين العنصرين بشكل دائم أساسي في سياق عولمةٍ غير مكتوبة، وبعيدة عن إطارها السياسي والاقتصادي. لم يعد الشرق والغرب "نقيين"، لا بالمعنى الثقافي ولا الاجتماعي، على أن تمازجهما النسبي لم يأتِ عبر سياسة قمعية، بل بفعل توسع حجم المعلومات عن "الآخر"، ما سهّل معرفته وعدم بقائه "مجهولاً"، فالشرق اكتشف الكثير مما ينقصه في الغرب، والغرب استأنس بخياراتٍ مشرقيةٍ مناسبة للتقدم. ومع أنه من المبكر التفكير في ذلك، إلا أن المسار الحالي بين الشرق والغرب قد يؤدّي، يوماً ما، إلى تفاهم عالمي، تنتفي معه الانقسامات التي سادت في القرون الماضية، بفعل الجهل المتبادل.

أما في لبنان، فإن كثيرين يرون في الشرق والغرب عنصرين متصارعين. أحدهما فاعل خير والآخر صاعد من الجحيم. لا يريد المتجادلون الإقرار بحقيقة التحوّلات التي أصابت الشرق والغرب، بل إرضاءً لطائفية ـ مصلحية ما، يريدون المحافظة على صورة محدّدة للشرق والغرب، بغية "كسب أنصار" أو "نكاية بالآخر". لا يريد هؤلاء فهم أن شرقي لبنان الممتد من سورية إلى الصين، وبينهما روسيا والهند وإيران، مرتبط بمصالح مع الغرب أكبر من أن يهدرها على لبنان. لا يرغب هؤلاء في إدراك أن غربي لبنان، من قبرص وحتى الولايات المتحدة، وما بينهما من دول الاتحاد الأوروبي، مرتبط بالشرق، ولا يريد تضييع وقته في الدفاع عن اللبنانيين. حين تكون معلّقاً بين الشرق والغرب لا تتوقع من أحدٍ جذبك نحوه، ولن تستطيع الارتماء في أحضان طرف دون آخر. كل ما تقدر على فعله هو الثبات في موقعك، حتى تستولد هوية فعلية لك، نابعة من فهم حقيقي لجوهرك الاجتماعي المتعدّد، لا في استنساخ هوية أخرى لا تشبهك، ولو كانت مثالية، فلا المفهوم الإيراني مناسب للبنان، ولا المفهوم الأميركي كذلك. أما فرض الخيارات بقوة السلاح أو الدين، فلن يُفضي سوى إلى خسارةٍ حتمية لها، لأنها عملياً جزء من الصراع الهوياتي، لا حد فاصل بين أزمةٍ بنيويةٍ وخيار مجتمعي. وكل من يفكّر في مفهوم "الحسم" العسكري في لبنان لا يريد أن يفهم حقيقة هذا البلد، انطلاقاً من كونه ملاذاً للاجئين عبر التاريخ، أو منبعاً لهم. 

"الحسم" الوحيد الممكن أن يحصل في هذه البلاد هو الاتفاق على عقدٍ اجتماعي جديد، مبنيٍ على أسس مدنية صلبة، لا تلغي المتدينين ولا تُبعد غير المتدينين. لا يكون أساسها عقيدة دينية، ولا عقيدة "ضد دينية"، بل تصنع تمازجاً منبثقاً من الاقتناع بهوية محدّدة، على طريقة "هذا نحن، اقبلنا أو ارفض". وحتى ذلك الحين، العبثية في النقاش حول الشرق والغرب مُتعبة للعقل.