شرق الفرات: تركيا تصد ضغط الوفد الأميركي

18 أكتوبر 2019
الصورة
استمر لقاء بنس وأردوغان ساعة و40 دقيقة (Getty)
+ الخط -
في وقت كانت فيه تركيا تواصل عمليتها العسكرية في شمال سورية، كانت الولايات المتحدة تكثّف مساعيها لدفع أنقرة إلى وقف الهجوم، وهو ما برز من خلال زيارة وفد أميركي ترأسه نائب الرئيس مايك بنس إلى أنقرة ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي ترافقت مع تهديدات إضافية من واشنطن بفرض عقوبات إضافية "لكبح تركيا". وبدا أن هذه الضغوط تدفع إلى تقارب أكبر بين أنقرة وموسكو حول ملف شرقي الفرات، مع حديث المسؤولين الروس المتصاعد عن استعداد لدفع حوار بين النظام السوري وأنقرة، ليبقى حسم هذا الملف رهن اللقاء الذي سيجمع أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي في 22 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي.

وبعد أيام من الضغوط الأميركية لوقف الهجوم التركي، زار وفد أميركي رفيع ترأسه بنس، أنقرة، أمس، والتقى أردوغان في المجمع الرئاسي بأنقرة لساعة و40 دقيقة. وكان مكتب بنس قد أعلن قبل وصوله أن الولايات المتحدة ستسعى إلى فرض "عقوبات اقتصادية قاسية" على تركيا في حال لم يتم التوصل إلى "وقف فوري لإطلاق النار".
وبالتوازي مع الاجتماع، كان المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض لاري كادلو يقول، أمس، إن بلاده مستعدة لفرض عقوبات إضافية على تركيا إذا اقتضت الضرورة. وأضاف في مقابلة مع قناة أميركية: "سنستخدم العقوبات وقد نستخدم المزيد من العقوبات لكبح تركيا". كذلك أعلن زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأميركي ميتش مكونيل، أمس، أنه يود من المجلس الموافقة على قرار بشأن سورية أقوى من الذي صادق عليه مجلس النواب الأربعاء. وكان مجلس النواب الأميركي قد دان بغالبية كبيرة الهجوم التركي، ودعا أردوغان إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية.

وجاء ذلك فيما كشفت وسائل إعلام عن رسالة كان قد وجّهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنظيره التركي قال له فيها "لا تكن أحمقاً". وكتب الرئيس الأميركي في الرسالة المؤرخة في 9 أكتوبر/ تشرين الأول، والتي أكد البيت الأبيض لوكالة "فرانس برس" صحتها: "دعنا نتوصل إلى اتفاق جيد". وأضاف "أنت لا تريد أن تكون مسؤولاً عن ذبح الآلاف من الناس، وأنا لا أريد أن أكون مسؤولاً عن تدمير الاقتصاد التركي... وسأفعل ذلك". وتابع "سوف ينظر إليك التاريخ بشكل إيجابي إذا قمت بذلك بطريقة صحيحة وإنسانية... وسوف ينظر إليك إلى الأبد كشيطان إذا لم تحدث الأمور الجيدة". وتعليقاً على ذلك، أشار المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إلى الطبيعة "غير العادية" للرسالة، وقال "ليس من المعتاد استخدام هذه اللغة في المراسلات بين القادة".

فيما نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول تركي قوله "الرسالة التي بعث بها ترامب لم تحدث التأثير الذي كان يتوقعه في تركيا لأنها لم تحوِ ما يمكن أخذه على محمل الجد". وأضاف "الأمر الواضح هو أن تركيا لا تريد منظمة إرهابية على حدودها والعملية لن تتوقف بسبب رد الفعل عليها". وتابع قوله "التفاوض مع منظمة إرهابية أو العدول عن العملية الجارية ليسا على جدول أعمالنا".


في المقابل، كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف، يعلنان استعداد بلديهما للمساهمة في الحوار بين النظام السوري وتركيا على خلفية عمليتها في شمال شرق سورية. وأفادت الخارجية الروسية، في بيان، بأن لافروف وظريف أجريا، أمس، اتصالاً هاتفياً بمبادرة من الجانب الإيراني، بحثا خلاله "القضايا المتعلقة بتطورات الأوضاع في شمال شرق سورية، وأعربا عن رأي مشترك يؤكد ضرورة تحقيق استقرار صارم وطويل الأمد للأوضاع في منطقة شرق الفرات، على أساس احترام سيادة سورية ووحدة أراضيها عبر ترتيب الحوار بين أنقرة ودمشق وكذلك بين السلطات السورية وممثلي أكراد سورية".

وفي السياق، كان الطرفان التركي والروسي قد اتفقا على "منع المنظمات الإرهابية من تهديد سلامة ووحدة الأراضي السورية". وبحسب بيان صادر عن مكتب المتحدث باسم الرئاسة التركية، فإن المتحدث إبراهيم قالن التقى المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية ألكسندر لافرينتييف، والوفد المرافق له في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، أمس الخميس. وبحث الجانبان آخر التطورات في سورية، وجرى التأكيد خلال اللقاء أن العملية تهدف لضمان تبديد المخاوف الأمنية التركية، وعودة اللاجئين السوريين بشكل آمن. واتفق الطرفان على منع المنظمات الإرهابية بما فيها الوحدات الكردية و"داعش" من أن تشكل تهديداً لسلامة ووحدة الأراضي السورية، ومواصلة التعاون بين البلدين في هذا الصدد.

وفي السياق، قال وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، أمس، إن موسكو وعدت أنقرة بإبعاد الوحدات الكردية عن الحدود من الجانب السوري. وأضاف في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي)، أن روسيا "وعدت بألا يكون هناك وجود لحزب العمال الكردستاني أو وحدات حماية الشعب الكردية على الجانب الآخر من الحدود". ومضى قائلاً "إذا أخرجت روسيا يرافقها الجيش السوري عناصر وحدات حماية الشعب من المنطقة فإننا لن نعارض ذلك".
في المقابل، نقلت وكالة إنترفاكس للأنباء عن متحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية قولها إنه ينبغي أن يسيطر النظام السوري على حدوده مع تركيا في إطار أي تسوية للصراع هناك. فيما أعرب الكرملين، أمس، عن قلقه من الوضع الإنساني في شمال سورية. وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن روسيا قلقة بشكل خاص من وضع النازحين.

في هذا الوقت، كان رئيس النظام السوري بشار الأسد يستقبل مستشار الأمن الوطني العراقي فالح الفياض ويتعهد بالرد على الهجوم التركي "بكل الوسائل المشروعة"، وفق ما نقلت وكالة "سانا". وقال الأسد إن الهجوم التركي "هو غزو سافر وعدوان واضح"، مضيفاً أن نظامه سيرد عليه ويواجهه "بكل أشكاله".

عالمياً، اعتبر وزير الدولة الفرنسي للشؤون الخارجية جان باتيست لوموان أن أردوغان "سيتحمل مسؤولية هائلة أمام التاريخ". وتابع الوزير في تصريح تلفزيوني، أن "ما يحدث في شمال شرق سورية غير مقبول... علينا ألا نستسلم أمام العجز، وسنواصل الدفع لكي يتدخّل مجلس الأمن" في هذه الأزمة. فيما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أمس، إن بلادها لن تسلم أي أسلحة لتركيا في ظل الأوضاع الحالية، مضيفة أنها حثت أنقرة مرات عديدة على إنهاء عمليتها العسكرية. بينما كان مجلس الأمن الدولي قد حذر، في بيان تم تبنيه بالإجماع ليل الأربعاء، من مخاطر "تفرّق" السجناء الإرهابيين في سورية، من دون أن يدعو إلى وقف الهجوم التركي.

ميدانياً، فرض "الجيش الوطني" والقوات التركية، أمس، حصاراً تاماً على مدينة رأس العين وعلى مجموعات "قسد" المتبقية داخل المدينة. وقالت مصادر محلية إن القتال العنيف تواصل داخل المدينة. كما تواصلت الاشتباكات العنيفة في ريف مدينة تل أبيض. فيما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن أكثر من 300 ألف مدني نزحوا منذ بدء الهجوم.

المساهمون