شرق أوسط جديد جبان
الأحداث العاصفة التي تهيمن على المنطقة العربية، تحديداً في سورية والعراق، وغزة أيضاً، تدفع إلى الحيرة والتساؤل بقلق: هل بدأت ملامح الشرق الأوسط الجديد بالتجلي؟ وهل هذه هي النتائج التي كان ينتظرها الغرب من فوضاه الخلاقة؟ ما الذي سينجم عن صواريخ غزة وهجوم إسرائيل؟ أين سيتجه الوضع في سورية بعد تقدم داعش، وسيطرة هذا التنظيم المتطرف على نحو ثلث مساحة سورية؟ ماذا عن العراق المكلوم بالجراح الداعشية نفسها، وما مصيره بين يدي الداعشي البغدادي؟ أين نظام الممانعة، وأين حزب السيد حسن نصر الله مما يحدث في فلسطين؟ هذه الأسئلة وغيرها لا تغادر ذهن المواطن العربي، المفجوع في بلاده وبلدان أشقائه. والرد عليها، قد لا يكون بالصعوبة التي يتصورها كثيرون، إذ إننا، وعند النظر إلى ما يحدث في المنطقة العربية ككل متكامل، مبتعدين عن النظر إلى حال كل دولة بمفردها، نتمكن من تلمس تشخيص أولي، ينطبق على كل هذه الجراح التي تم شق بعضها أول مرة، بينما نكأت أخرى لم تندمل بعد.
ما يجري تجسيد فاضح وواضح للحلم اﻷميركي الغربي ببناء شرق أوسط جديد، يناسب المرحلة التي يمر بها العالم من أزمات مالية، ويكون سوقاً لتصريف أسلحتهم، ملبياً، في الوقت نفسه، النداءات اﻹسرائيلية المطالبة بتوسعها، لكون ما اغتصبته من فلسطين ما عاد يكفيها. هذا الشرق اﻷوسط الجديد جاء جباناً. وتجلى جبنه واضحاً في موقف مصر السيسي من جيرانها المضطهدين في غزة، ووقوفها الوقح والخالي من أية ملامح للخجل مع إسرائيل، ودعم عمليتها العدوانية الجوية والبرية، متقدمة بمبادرة تصب في مصلحة العدو الصهيوني، ولا تلبي أي طموح، فلسطينياً، كان، أو إنسانيّاً.
هذا الشرق اﻷوسط الجبان، وعلى الرغم من عيوبه التي لا تحصى، وتطرفه وداعشيته، إلا أنه فضح لنا دجالين، كانوا مستترين بغطاءات المقاومة والممانعة، موظفين قضية إخوانهم الفلسطينيين، لتحقيق مآربهم الدنيئة، من قمع شعوبهم ونهب ثرواتها. أهم هؤلاء الدجالين اثنان، هما وجهان للعملة المزورة نفسها، نظام الأسد وحزب الله. حيث طال خداع خطابهما الرنان للشعوب، وكان يدور حول فلسطين، ويعتبر القضية الفلسطينية مرتكزاً في خداعه للناس.
هذان الدجالان ظهر وجههما القبيح، بعد سقوط قناعهما المزخرف والمزيف، والذي أتقنوا حرفته، فسارعوا إلى قتل الشعب السوري الثائر، وتخاذلوا في نصرة غزة. فالطائرات ترمي البراميل على حلب وحماة و دمشق، لكن بوصلتها تتعطل، فلا تهتدي إلى تل أبيب، وعناصر حزب الله يتسابقون لحماية مقدسات شيعية في سورية، بينما لا تجد من يقلها إلى المستوطنات اليهودية، أو يذكرها بالمسجد الأقصى. وإذا كنا سنذكر الدجالين، فإننا لا نستطيع إغفال عبد الفتاح السيسي، الممثل اﻷحدث على الساحة العربية، والذي بادر إلى إغلاق معبر رفح وتدمير الأنفاق، باعثاً رسالة واضحة إلى أهل غزة: موتوا وأنا أتفرج.
أما عن باقي الدول العربية، فقد اعتاد الشعب الفلسطيني على خذلانها وتوجهها إلى التنديد والاستنكار، فلا سيف يرفع ولا صحن يوضع. ما يحصل في غزة، اليوم، هو المولود الموعود لهذه الفوضى الخلاقة، والتي يحاول، من خلالها، الغرب السطو على ثورات الشعوب المقهورة. لذلك، من واجب المثقفين، وأصحاب الرأي المسموع عربياً، أن يفضحوا ارتباط أنظمة الاستبداد مع الغرب الهمجي والداعم لإسرائيل والتنظيمات المتطرفة. وليس من المصادفة أن تصول داعش وتجول في سورية، من دون أن تتعارك قواتها مع قوات اﻷسد، إلا أخيراً، و بعد أن أشار معظم المراقبين إلى وجود ارتباط بينهما. وما حدث في العراق من انسحاب الجيش العراقي من دون قتال، أمام داعش، لا يمكن لعاقل أن يقبل به من دون ربطه مع إرادة غربية صهيونية، أرادت لداعش أن تتوسع، مضعفة من حولها، ومعطية الذرائع للأنظمة العربية بالانشغال عن الحرب الجائرة الإسرائيلية، بحجة تدهور أوضاعها الداخلية.
تقع على عاتق الشعوب العربية مسؤولية دحر أنظمتها المستبدة، تمهيداً للحرب الكبرى التي لا بد قادمة، لاجتثاث هذا الكيان الغاشم، والذي لن توقفه قرارات مجلس اﻷمن، إن صدرت، فهو كالسرطان في خبثه، لا يطيق إلا تمدداً، ولا يعرف لذلك سبيلاً إلا نشر الموت، وهو سيستمر في ذلك، إذا لم نستأصله.