شرقي سورية: صندوق بريد في المواجهة الإسرائيلية الإيرانية

28 يونيو 2020
الصورة
فتى سوري حامل العلم الإيراني بدير الزور(لؤي بشارة/فرانس برس)
لم تمضِ سوى ساعات قليلة على إعلان الإيرانيين زيارة قام بها قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني للشرق السوري، الذي تحوّل في جانب منه إلى منطقة نفوذٍ إيرانية، حتى ضرب طيران يُعتقد أنه إسرائيلي مواقع لمليشيات إيرانية في ريف دير الزور الشرقي، في تبادل واضح للرسائل بين طهران وتل أبيب على الجغرافيا السورية. وأفاد "المرصد السوري لحقوق الإنسان" عن شنّ طائرات "يُرجّح أنها إسرائيلية" ضربتين خلال 24 ساعة يومي أول من أمس السبت وأمس الأحد، قرب قرية العباس وفي بادية بلدة صبيخان التابعة لمدينة البوكمال، في ريف دير الزور الشرقي، القريبة من الحدود السورية العراقية. وذكر أنه قُتل 15 شخصاً على الأقلّ، بينهم 4 سوريين. وأكد المرصد أن المليشيات الإيرانية استنفرت عقب الضربتين، وبدأت عمليات إعادة انتشار وتحصين، مشيراً إلى أنها اعتقلت عناصر منها بتهمة التخابر والتعامل مع إسرائيل.

وجاء القصف الإسرائيلي بعد ساعات من إعلان زيارة قاآني المنطقة، في استمرار للغارات الإسرائيلية على مواقع المليشيات الإيرانية في ريف دير الزور منذ عام 2018. وكشفت وكالة "تسنيم" الإيرانية المقرّبة من "الحرس الثوري" الإيراني عن أن قاآني زار "مناطق القتال ضد داعش في البوكمال قبل أيام"، ونقلت عنه قوله إن "وجود داعش كان بإدارة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني (إسرائيل)، فلذلك من المؤكد أن مؤامرات الكيانين المجرمين لم تنتهِ بعد". ونشرت الوكالة صورة لقاآني بصحبة شخصين من هذه المليشيات، لم تظهر ملامح وجهيهما، في مؤشر على أنهما قياديان بارزان لا تريد إيران أن يُعرفا إعلامياً. في السياق، يرى الباحث السياسي أحمد أبا زيد، في حديث لـ"العربي الجديد" أن "النشاط الإيراني في دير الزور هو الأكثف في سورية، ويعمد إلى تشكيل واقع اجتماعي وثقافي جديد في المنطقة"، مضيفاً: غالباً ما تكون الغارات رسائل سياسية لتذكير الإيرانيين بمراقبة نشاطهم هناك، أو لاستهداف نشاط معين، مثل نقل شحنات أسلحة أو اجتماع شخصيات مهمة.

وهذه المرة الثانية التي تُعلَن فيها زيارة قاآني لسورية منذ توليه قيادة "فيلق القدس"، بعد مقتل قائده قاسم سليماني بقصف أميركي في العاصمة العراقية بغداد في 3 يناير/ كانون الثاني الماضي. وكانت الزيارة الأولى في مارس/ آذار الماضي. ومن الواضح أن قاآني يتابع ما كان قد بدأه سليماني في ترسيخ الوجود الإيراني في مناطق مختارة داخل سورية، تحديداً في شرقها، حيث يعمل الإيرانيون على فتح ممرّ بري يبدأ من الأراضي الإيرانية ويمرّ بالعراق وسورية، وينتهي في لبنان على السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، وهو ما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل تعطيله. بالتالي تتعرّض قواعد التمركز الإيراني ونقاطه في شرق سورية لهجمات دائمة من طيران إسرائيلي ومن طيران التحالف الدولي، ولكن من الواضح أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على خلق واقع عسكري لا يمكن تخطيه في ريف دير الزور الشرقي وجزء من البادية السورية. فيوضح الكاتب السوري سعد الشارع في حديث لـ"العربي الجديد" أن إيران تولي منطقة البوكمال أهمية خاصة، لغايات عدة، منها الممر البري من إيران إلى لبنان، إضافة إلى كونها صلة وصل مهمة بين العراق وسورية. ويضيف أن رئيس الأركان في الجيش الإيراني، اللواء محمد باقري، زار المنطقة التي زارها سليماني مرتين قبل مقتله، مشدّداً على أن زيارة قاآني تؤكد أهمية البوكمال للإيرانيين.

مع العلم أن الحرس الثوري الإيراني وضع جانباً من ثقله العسكري في سورية، منذ عام 2017، في ريف دير الشرقي جنوبي نهر الفرات على بعد نحو 70 كيلومتراً من مدينة الميادين غرباً وحتى البوكمال شرقاً. ونشر الحرس مليشيات عدة في المنطقة، منها: "فاطميون"، و"زينبيون"، و"حيدريون"، وقوات تابعة لحزب الله اللبناني، إضافة إلى مليشيات عراقية تابعة لـ"الحشد الشعبي". وأقام الإيرانيون قواعد عسكرية مهمة، أبرزها قاعدة "الإمام علي"، وهي أهم قاعدة عسكرية إيرانية في سورية، التي تعرّضت لقصف من طيران التحالف الدولي في سبتمبر/ أيلول الماضي دمّر جانباً كبيراً منها، إلا أن الإيرانيين أعادوا بناءها. ولا يقتصر الوجود الإيراني في شرق سورية على الجانب العسكري، مع محاولة طهران تغيير هوية المنطقة من خلال افتتاح مراكز دعوية دينية، مع افتتاحها العام الماضي مدرستين في البوكمال لتعليم الأطفال اللغة الفارسية.

وتجبر المليشيات الإيرانية شبان المنطقة على الانتساب إليها، فذكرت شبكة "فرات بوست" الإخبارية المحلية، أول من أمس السبت، أن قيادة الحرس الثوري الإيراني افتتحت معسكراً للمنتسبين الجدد من أبناء المنطقة في البوكمال، وخصّصته للعائدين إلى المنطقة في الآونة الأخيرة. وأوضحت أن الحرس الثوري سمح للنازحين في المحافظات السورية الأخرى من أبناء البوكمال وريفها، بالعودة إلى منازلهم، بهدف تنسيب أبنائهم، وضمّهم للقتال في صفوفها. مع العلم أن المنطقة باتت شبه خالية من السكان الذين نزحوا من قراهم وبلداتهم على دفعات منذ عام 2014، الذي شهد النزوح الأكبر بسبب سيطرة تنظيم "داعش" على المنطقة. وفي نهاية عام 2017، شهدت المنطقة نزوحاً باتجاه مناطق "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) شمال نهر الفرات، مع تقدم المليشيات الإيرانية على حساب "داعش".

وتضع إيران يدها على معبر البوكمال الحدودي الذي يربط بين سورية والعراق، والذي افتتح في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعد أكثر من 7 سنوات على إغلاقه. من جانبه، أكد موقع "دير الزور 24" الإخباري أخيراً، أن المليشيات الإيرانية أجبرت الفرقة الـ11 التابعة لقوات النظام يوم الخميس الماضي، على إزالة حواجز لها على مدخل البوكمال، مشيراً إلى أن هذه المليشيات منعت مليشيا "لواء القدس" المدعوم من روسيا من إقامة مقرات له داخل المدينة. وأكد أن المليشيات الإيرانية "تسلمت إدارة مدينة البوكمال بشكل كامل"، وفق الموقع المذكور.