شرقي الفرات السورية: ازدحام البنادق والأجندات

31 ديسمبر 2018
الصورة
تُعد "قسد" القوة الأكبر في تلك المنطقة(دليل سليمان/فرانس برس)

تزدحم منطقة شرقي الفرات السورية، التي يُتوقع أن تتصدر المشهد السوري في الفترة المقبلة، بالقوى التي تتضارب أهدافها إلى حد الإلغاء، مع تحوّل المنطقة إلى مسرح مفتوح على مختلف سيناريوهات الصراع في ظل قرار الولايات المتحدة الانسحاب العسكري منها، فيما تمنع القوات الأميركية حتى اللحظة اندلاع صراع جديد قد يغيّر مستقبل المنطقة الأهم والأغنى في سورية.

وتُعزز التحركات المستمرة حول المنطقة التوقعات بأن تكون محور الصراع المقبل، فالنظام السوري وحلفاؤه سارعوا بعد الإعلان الأميركي عن الانسحاب إلى الحشد العسكري في شرقي البلاد، تمهيداً على ما يبدو للسيطرة على ريف دير الزور الشرقي شمال نهر الفرات، وعلى الحدود السورية العراقية. كذلك أفادت وسائل إعلام روسية أمس بأن قوات النظام سيطرت ليلة السبت على سد تشرين على نهر الفرات ضمن اتفاق مع "قوات سورية الديمقراطية". في غضون ذلك، يواصل الجيش التركي إرسال تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع سورية، وكان آخرها قافلة وصلت أمس إلى منطقة خليلية في ولاية شانلي أورفة التركية جنوبي البلاد. بالتوازي مع ذلك، تستمر الاتصالات السياسية حول الملف السوري، والذي حضر أمس في رسالة بعثها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نظيره التركي رجب طيب أردوغان، اعتبر فيها أن "الجهود المشتركة لروسيا وتركيا تساهم بشكل حاسم في مسيرة الحل السياسي ومكافحة الإرهاب في سورية". كما بحث أردوغان التطورات السورية في اتصال هاتفي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

أما بالنسبة لخريطة الانتشار الميداني، فتُعد "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، التي تضم مليشيات كردية وعربية وسريانية وأرمنية وتركمانية، وتشكّل الوحدات الكردية عصبها الأساسي، القوة الأكبر لجهة العدد والتأثير في منطقة شرقي الفرات، وتلقت منذ تأسيسها في عام 2015 دعماً لوجستياً وعسكرياً كبيراً من دول التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش" في سورية. وتؤكد مصادر مقربة من هذه القوات أن عديد قواتها بين 30 ألفاً و35 ألف مسلح ينتشرون في منطقة شرقي الفرات، في مدينة عين العرب وريفها في ريف حلب الشمالي الشرقي، وفي محافظات الرقة ودير الزور والحسكة أقصى شمال شرقي سورية، التي تُعتبر "سورية المفيدة" كونها غنية بالثروات.

وخاضت هذه القوات معارك طاحنة مع تنظيم "داعش" تحت غطاء ناري من طيران التحالف الدولي منذ تأسيسها، ولا تزال تخوض معارك مع التنظيم في ريف دير الزور الشرقي شمال نهر الفرات منذ العاشر من سبتمبر/أيلول الماضي، وسقط عدد كبير من مسلحيها قتلى بهذه المعارك التي توشك على النهاية لتعلن منطقة شرقي الفرات خالية من وجود التنظيم. وانتزعت هذه القوات على مدى ثلاثة أعوام السيطرة على ريف الحسكة الجنوبي من "داعش" وأجزاء من ريف الحسكة الغربي، وصدّت التنظيم عن مدينة الحسكة في عام 2016. كما انتزعت القسم الأكبر من محافظة الرقة خلال عام 2017 بعد حملة عسكرية واسعة النطاق انتهت بتدمير أغلب مدينة الرقة بقصف طيران التحالف الدولي ومقتل الآلاف من سكانها.

كما توغّلت هذه القوات في ريف دير الزور الشرقي شمال نهر الفرات، وانتزعت السيطرة على جزء كبير منه، فوضعت يدها على أهم حقول وآبار البترول في سورية. ولكن هذه القوات تضم مليشيات غير متجانسة من حيث الهدف والغاية، ولكن التحالف الدولي أجبرها على الاتحاد تحت راية واحدة، قبل أن تهيمن الوحدات الكردية على هذه القوات المعروفة اختصاراً بـ"قسد"، وتجيّرها لمصلحة هدف غير معلن وهو إنشاء إقليم ذي صبغة كردية في الشمال السوري.

وتؤكد مصادر مطلعة أن قياديين في حزب "العمال الكردستاني" المصنف ضمن لائحة التنظيمات الإرهابية في العالم، يقودون هذه القوات، وهو ما حرفها عن مسارها، وفجّر الغضب التركي عليها. ولم تعد خافية مساعي هذه القوات لوسم منطقة شرقي الفرات ذات الغالبية العربية بطابع كردي، فانتشرت صور مؤسس "العمال الكردستاني" عبدالله أوجلان في عموم مدن وبلدات شرقي الفرات، في ظل محاولات حثيثة لنشر ثقافته التي تتناقض بالمطلق مع ثقافة منطقة لا يزال الطابع العشائري العربي يحكمها، وخرجت للتو من سيطرة تنظيم "داعش".

وأمدّت الولايات المتحدة "قسد" منذ تأسيس الأخيرة بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، ومنها قذائف هاون، وصواريخ حرارية لمواجهة مفخخات تنظيم "داعش"، ورشاشات ثقيلة وقذائف مورتر، إضافة إلى مدرعات، ودبابات. ومع القرار الأميركي بالانسحاب من سورية، تشهد واشنطن نقاشات حول إمكان السماح للمقاتلين الأكراد الذي يحاربون "داعش" بالاحتفاظ بالأسلحة التي قدّمتها لهم الولايات المتحدة. وبحسب وكالة "رويترز"، فإن قادة أميركيين أوصوا بإبقاء هذه الأسلحة مع الأكراد، من دون أن يُحسم هذا الملف نهائياً حتى اليوم.


واعتمدت "قوات سورية الديمقراطية" في مناطق سيطرتها سياسة التجنيد الإجباري مع مقابل مادي يصل إلى 150 دولاراً للمسلح، وهو ما وفر لها باستمرار مسلحين تقيم لهم دورات عسكرية على عجل وتزجّهم في المعارك مع تنظيم "داعش"، خصوصاً من المكوّن العربي في المنطقة، وهو ما أدى إلى مقتل عدد كبير منهم وتحديداً في معارك دير الزور.
وتسيطر هذه القوات على كامل الحدود السورية التركية في منطقة شرقي الفرات، وتشكّل نحو 480 كيلومتراً من حدود سورية مع تركيا والبالغة نحو 911 كيلومتراً، إضافة إلى الحدود السورية العراقية من ريف الحسكة إلى ريف دير الزور الشرقي على الضفة الشمالية من نهر الفرات. ويشكّل العرب السوريون الأغلبية في منطقة شرقي الفرات، ولكنهم بلا تنظيم عسكري يمكن أن يكون بديلاً أو نداً للوحدات الكردية التي تملك نحو 15 ألف مسلح، وفق مصادر تركية إعلامية، نالوا تدريباً عسكرياً طيلة سنوات الثورة.

وتأتي قوات النظام في المرتبة الثانية من حيث التأثير في منطقة شرقي الفرات، على الرغم من محدودية انتشارها واقتصاره على مدينتي الحسكة والقامشلي، فيما روّج النظام قبل أيام لدخوله منبج. وسمح النظام خلال أعوام الصراع، للوحدات الكردية بالسيطرة على أغلب محافظة الحسكة من أجل تطويق الحراك الثوري. وتنتشر قوات النظام في وسط مدينة القامشلي التابعة إدارياً لمحافظة الحسكة، وفي حي طي، والمربع الأمني والمطار والفوج 154 جنوب المدينة، إضافة إلى نحو 20 قرية جنوب القامشلي بمسافة 20 كيلومتراً طولاً، و8 كيلومترات عرضاً.
وأوضحت مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد" أن "كل الأفرع الأمنية التابعة للنظام لا تزال نشطة في القامشلي، ولها حواجز على مداخل القامشلي الجنوبية وتقوم باعتقالات، كما أن المطار لا يزال يعمل وتقلع منه وتحط فيه طائرات مدنية وعسكرية وشحن". وأشارت المصادر إلى أن النظام لا يزال يحتفظ بوجود له داخل مدينة الحسكة، إضافة إلى ثكنة عسكرية في جبل كوكب المطل على المدينة، لافتة إلى وجود مليشيات محلية "دفاع وطني" تتبع للنظام في مدينتي القامشلي، والحسكة.

وفي منطقة شرقي الفرات، أقامت الولايات المتحدة على مدى العامين الأخيرين، العديد من القواعد العسكرية التي تضم جنوداً أميركيين وآخرين من دول التحالف الدولي، وأكدت مصادر إعلامية أن لواشنطن نحو 20 قاعدة في شرقي الفرات. ففي محافظة الحسكة، يحتفظ الأميركيون بوجود في منطقة رميلان التي تضم أكبر آبار البترول في سورية، حيث أنشئت في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وتضم خبراء وجنوداً أميركيين. إضافة إلى قاعدة تل بيدر، بين بلدة تل تمر ومدينة الحسكة والتي تعد أكبر قاعدة، وفق مصادر مطلعة، أشارت لـ"العربي الجديد" إلى أن للأميركيين قاعدة في منطقة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي. وأقام الأميركيون قاعدة في حقل العمر النفطي في ريف دير الزور الشرقي شمال نهر الفرات تضم جنوداً أميركيين.

وفي ريف الرقة، للأميركيين قواعد عدة، منها قاعدة تل أبيض على الحدود السورية التركية، وينتشر في هذه القاعدة حوالي مئتي جندي أميركي، إضافة إلى قاعدة خراب عشق غرب بلدة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي، وقاعدة عين عيسى وتعد كبرى قواعد الجيش الأميركي مساحة. وفي ريف حلب الشمالي الشرقي لديهم قاعدة عين العرب، والتي يوجد فيها، وفق مصادر إعلامية، أكثر من ثلاثمئة جندي أميركي، بينهم خبراء يشرفون على جزء من عمليات التحالف، وتشغل هذه القاعدة حيزاً جغرافياً يقدر بـ35 هكتاراً.

ويحتفظ الأميركيون بمقار لهم داخل مدينتي الطبقة والرقة في منطقة شرقي الفرات. وهناك وجود فرنسي في هذه المنطقة، لكنه لا يصل إلى مستوى الوجود الأميركي، إذ تنشر باريس جنوداً لها داخل القواعد الأميركية، خصوصاً في منطقة عين العرب. ولا يزال تنظيم "داعش" يدافع عن قرى وبلدات في منطقة شرقي الفرات في ريف دير الزور الشرقي، ولكن لم يعد له أي تأثير عسكري، خصوصاً أنه يوشك على فقدان جيبه في المنطقة تحت ضربات قوات "قسد".
وفي ريف دير الزور في منطقة شرقي الفرات هناك "قوات النخبة" التي تضم المئات الذين يتبعون رئيس الائتلاف السوري المعارض أحمد الجربا، ولكنهم بلا تأثير عسكري نتيجة تحجيم الوحدات الكردية لهم، كونهم من الغالبية العربية.