شرفات مظلمة

شرفات مظلمة

05 يناير 2015
الصورة
تندر رؤية شرفة مضاءة، صيفاً أم شتاءً(باتريك باز/فرانس برس)
+ الخط -
يكفي الخروج ليلاً إلى شرفة أي شقّة في المدينة وتأمّل الأبنية المحيطة، للاستنتاج بأنّ أبناء المدن وقاطنيها يكرهون الشرفات. تندر رؤية شرفة مضاءة، صيفاً أم شتاءً. أصلاً، بات وجود الشرفات في المدن الكبرى نادراً. يرغب قاطنو المدن، وتحديداً الأحياء المتوسّطة والشعبيّة، في استغلال مساحة الشقّة بأكملها. وتسمح تقنيات الزجاج الحديثة بتحويل أي شرفة صغيرة كانت أم كبيرة، إلى غرفة زجاجيّة تتعدّد أوجه استخدامها، من مستودع للحاجيات والأغراض الزائدة إلى غرف للجلوس وصولاً إلى غرف خاصة بعاملات المنازل.

يبرّر البعض شطب الشرفة من الوجود في المدينة بأسباب عدّة: درجات الحرارة المرتفعة صيفاً وتفضيل الجلوس في غرفة مبرّدة، وانعدام الخصوصيّة نظراً للأبنية المتلاصقة والمتواجهة، وساعات العمل الطويلة نهاراً، وما ترتّبه من حاجة للراحة في غرف الجلوس أو غرف النوم أثناء مشاهدة التلفزيون...

في المدن، لا تضاء الشرفات خلال وجود السكان في منازلهم. قد يبدو ذلك لكثيرين أمراً طبيعيّاً، لا بل مطلوباً، ترشيداً لاستهلاك الكهرباء. أمّا في القرى، فللشرفة المضاءة تفسير آخر، لا بل يحدث أنّ من لا يضيء شرفته قد يُتّهم بالبخل.

في القرى، أن تضيء شرفتك وتحديداً في الشتاء حين لا تسمح ظروف الطقس والحرارة المنخفضة بالبقاء في الخارج، يعني أنّك موجود في المنزل وأنّ أبوابك مشرّعة لاستقبال الضيوف، حتّى ولو كانت الساعة متأخّرة. يرادف الضوء الاتصال الهاتفي. فإن كنت ترغب في زيارة أحد الأصدقاء أو أفراد العائلة أو الجيران، تكفي معاينة الشرفة إن كانت مضاءة أم لا. لا اتصالات هاتفيّة ولا مواعيد مسبقة ضروريّة للاتفاق على سهرة أو لقاء ما.

في الصيف، تغدو الشرفة المنزلَ بأكمله. حتّى أنّ جمال المنزل يُقاس بشرفته الرئيسيّة وحجمها والإطلالة التي تتيحها. ولا يغفل كبار السنّ توبيخ من بنى منزلاً جديداً من دون شرفة أو "سْطيحة" فسيحة. فاستخداماتها متعدّدة: ملعب للأطفال ومساحة للصبحيات ولاستقبال الزائرين ولتناول طعام الغداء، خصوصاً في أيام الإجازة الأسبوعيّة. وهي، أيضاً، مساحة للزيارات المسائيّة وللسهرات التي تمتدّ حتّى وقت متأخر من الليل.

ولا يفوت من يهتمون بالتفاصيل، تخصيص الشرفة بأكثر من كراسي بلاستيكيّة: مقاعد مريحة من الخشب أو الخيزران، وبرادي ملوّنة، وأحواض من الزهور، وتلفزيون مثبت في زاوية استراتيجيّة، ومروحة معلّقة في السقف تفاديّاً للحرّ صيفاً.

قد تبدو هذه الملاحظات مبالغاً فيها. لكن أن يقطن ابن القرية في منزل من دون شرفة، فذلك يعني من دون مبالغة أن يختنق اختناقاً بطيئاً.

دلالات

المساهمون