شرعية هادي.. الخطوة التالية

30 اغسطس 2019
الصورة
حققت الحكومة اليمنية إنجازاً، باستعادتها محافظتي شبوة وأبين من أيدي الانقلابيين، ونقل المعارك إلى عدن، بغض النظر عمّا إذا كان ذلك نتيجة خطط عسكرية محكمة فقط، مكّنتها من السيطرة على مساحاتٍ واسعة في ساعات، أو ترافقت مع ضغط سعودي على المليشيات والإمارات التي تدعمها، أدى إلى انسحابها. كسر الانقلابيين أكثر من ضروري، بعدما ظنوا أن بإمكانهم التمدّد وفرض أمر واقع في الجنوب بقوة السلاح. ولكن عودة حضور الشرعية إلى عدن لا يعدو كونه بداية لمهمة شاقة، يجب خلالها الاستفادة من دروس الماضي، والأخطاء التي قادت إلى تمرّد الانقلابيين بدعم من أبوظبي. العمل العسكري مهما كان حجمه، وتضمن إحكام السيطرة على المعسكرات، ومنع تجول المسلحين، ومنح عناصر المليشيات فرصة الانخراط ضمن صفوف القوات النظامية لاحتواء خطرهم، لا بد أن يترافق مع أداء حاسم. إثبات الحكومة قدرتها على تسيير شؤون عدن وباقي المحافظات، الجنوبية تحديدا، أساسي، مع ما يتطلبه ذلك من إجراءات عاجلة لتسيير عمل الوزارات من الداخل، وتعيين محافظ في عدن قادر على ممارسة مهماته على الأرض، لا عن بعد، وتطبيع الأوضاع على نحوٍ سريع، بما في ذلك تحسين تقديم الخدمات، بما تمثله من عامل محرّك لتذمر المواطنين. 
ولكن الأهم من ذلك كله عودة الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى عدن، رفقة فريقه الحكومي. يتعدّى الأمر مجرد الحضور الرمزي. غياب هادي عن العاصمة المؤقتة معناه السماح بديمومة فراغٍ خلّفته الشرعية على مدى السنوات الماضية، وتركت الفرصة للمليشيات من أجل تعبئته. كما أن فيه رسالة باستمرار وجود فيتو إماراتي على حضوره.
على هادي الاستفادة من الظرف الراهن. الحاجة إلى ذلك لا تنطلق فقط من حقيقة أن الانقلابيين تلقّوا ضربةً قاسية، أعادت تحجيمهم وإثبات تهوّرهم، أو لأن الإمارات أدركت أن التمادي اللامحدود لا يحظى بغطاء السعودية، وأن الأخيرة قادرةٌ على قلب الطاولة على حليفتها متى ما قرّرت ذلك. الأهم ما يشهده الملف اليمني من تحولاتٍ على الصعيد الدولي، تحديداً داخل الإدارة الأميركية. ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال قبل أيام يوضح ذلك. تستعد إدارة الرئيس ترامب لإجراء محادثات مباشرة مع الحوثيين، وأوصلت رسالة واضحة إلى الرياض بضرورة مجاراتها عبر وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، خلال لقائه بنائب وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، مسؤول الملف اليمني حالياً. كما أن الأوروبيين اجتمعوا في طهران أخيراً مع الحوثيين. ما يعني أن تجاوز الجماعة أصبح من الماضي. كما أن تجاوز المجلس الانتقالي على أخطائه القاتلة المرتكبة لن يكون ممكناً.
قد تحدث المفاوضات بين الأميركيين وأنصار الله (الحوثيين) خلال فترة وجيزة، خصوصاً أن قنوات الاتصال بين الطرفين حاضرة منذ سنوات، عبر سلطنة عُمان التي ساهمت في محادثات سابقة في 2015 والإفراج عن أميركيين معتقلين لدى الحوثيين، مثلما يحتمل أن تتأخر، ولكن الرغبة بوقف الحرب، بعد القناعة بعجز التحالف عن الحل العسكري، هي الغالبة. الأهم أن المسؤولين الأميركيين الذين يجاهرون بضرورة التواصل المباشر مع الحوثيين، لإيجاد حل، بعدما أيقنوا، على ما يبدو، بفشل الأمم المتحدة، عبر مندوبيها الذين تعاقبوا على أداء دور الوسيط في الملف اليمني، وآخرهم مارتن غريفيث، ينظرون إلى هادي اليوم بوصفه عقبة، وتوجد حاجة لتجاوزه، وبشكل أدق تنحيته.
من هنا، يبدو حراك هادي لإعادة فرض نفسه طرفا رئيسيا في المشهد اليمني ضرورياً لضمان بقائه، وإلا سيجد نفسه قريباً خارج اللعبة. يفترض أنه يدرك أكثر من غيره أن مسار الأحداث قابل للتبدل وعلى نحو سريع، خصوصاً أن الظرف السياسي في عام 2012 هو ما أوصله إلى منصبه. ولكن السؤال الأساسي يبقى: هل سيتمكّن الرئيس اليمني من التحرّك وفي الاتجاه الصحيح، لتدارك المأزق الذي ساهم في صناعته، نتيجة اكتفائه سنوات بدور المتفرّج، أم أنه سيستمر في السير على النهج نفسه، وانتظار ما سيطلب منه لتنفيذه؟
joumana farhat
جمانة فرحات