شبح السيارات المفخخّة يخنق البقاع الشماليّ في لبنان

شبح السيارات المفخخّة يخنق البقاع الشماليّ في لبنان

01 ابريل 2014
الصورة
على نقطة المصنع الحدودية (أنور عمرو، getty)
+ الخط -

تمتثل سيّارة مستأجرة بنيّة اللون للحاجز الطيّار. تتوقف على جانب الطريق بصفتها مشتبهاً بها كونها مفخخّة. هنا على بعد أمتار من مفرق اللبوة ــ عرسال (شمال شرقيّ لبنان)، تبدو خيارات السائق محدودة. ليس بإمكانه إلا فتح زجاج السيارة والانتظار. يشير الشاب العشرينيّ بيده الملتفة على جهاز إرسال لاسلكيّ ناحية اليمين، حيث يقف شابان. يحمل أحدهما رشاش "كلاشينكوف" ويرتدي ثياباً عسكريّة زيتية مرقطّة، ويلبس الآخر قفازات طبيّة بيضاء. وكأن على نقطة التفتيش هذه عملية أمنية جراحية لا بد من خوضها. إنّه حاجز تفتيش لحزب الله في قرية اللبوة في البقاع اللبنانيّ. يتهم مسؤولو الحزب وأهالي المنطقة، أهالي قرية عرسال (المؤيدة للثورة السورية)، بتسهيل مرور السيارات المفخخة إلى لبنان. يشمل الاتهام كذلك تسهيل إطلاق مسلّحين سورييّن صواريخ وقذائف من جرد عرسال على بلدات البقاع الشماليّ المؤيدة للحزب. ينفي أهل عرسال الاتهام، لكن ذلك لم يمنع من قطع الطريق الوحيدة المؤدية إلى البلدة لأيام بعد أحد التفجيرات الأسبوع الماضي. يختلف أهالي اللبوة وعرسال في تحديد أسباب هذه التفجيرات، فيقول مؤيدو الحزب في اللبوة: إن حماية لبنان من خطر الإرهاب دفع الحزب الى القتال في سوريا". في المقابل يرى أهل عرسال "أن الحزب حوّل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات الداخل السوريّ". لم يتفقّ الطرفان على جواب موحّد، والنتيجة واحدة: حواجز أمنيّة للحزب عند مدخل عرسال.

تغيب الدولة وأجهزتها عن اللبوة، ولكن ليس بشكل كامل. يقيم الجيش اللبنانيّ ثلاثة حواجز من مفرق بعلبك حتى اللبوة. يحتفظ الجيش لنفسه بنقطة عسكريّة هناك، تموج في بحر من إجراءات حزب الله الأمنيّة.
يدقّق الشابّ في أوراق السيّارة المركونة على يمين الطريق. ينقل اسم السائق الثلاثيّ عبر الجهاز اللاسلكيّ ويقي عينيه تأثير أشعّة الشمس الحارقة بأوراق السيّارة. يطلب "صاحب القفازات" فتح الأبواب والصندوق الخلفيّ فيتأهبّ المسلّح. ينزلق الشاب بقفازاته إلى المقعد الخلفيّ، يرخي ثقل يديه على المقاعد ويتحسّسها. تُفاجئ أصوات القرقعة السائق غير المتوتّر أصلاً. يواصل "صاحب القفازات" القرع على أبواب السيّارة، يجيبه الصدى أن لا متفجّرات محشوّة في الأبواب. يتشجّع السائق بعد ثبوت براءته ويسأل: هل من سبب للتدقيق؟" يلتزم الجميع الصمت ويجيبه شاب واحد باقتضاب: إجراءات عاديّة قرب عرسال.

تمرّ الدقائق العشر التي استغرقها التفتيش ثقيلة على السائق، فيقرّر مغادرة اللبوة المحاطة بالهواجس الأمنيّة من دون أن ينجح في لقاء صديقه. تمر السيّارة سريعاً أمام مجموعة محال في ساحة البلدة. تبدو الحياة غير مكتملة هناك، فمشهد انتشار آليّات وعناصر الفوج المجوقل (أحد أفواج النخبة في الجيش اللبنانيّ) عند مفرق عرسال مقلق. تحمل المنطقة المدنيّة ما يكفي من المظاهر العسكريّة لقتل الحياة الاجتماعية فيها، إلى جانب الدورة الاقتصادية. تلاحق عيون المارّة السيّارة حتىّ المفرق. يغيب الزبائن عن المتاجر، ويحّل الخوف من الزوار بديلاً. يزيد السائق من السرعة ويرفع صوت "الراديو" ليقتل القلق. يأبى الأخير الموت. تلوّح يدٌ أخرى للسائق للتوقفّ على يمين الطريق.


يقيم حزب الله حاجزاً آخر على الجهة المقابلة من مفرق اللبوة ــ عرسال. يختلف عناصر هذا الحاجز عن الحاجز الأوّل: لهجتهم ألطف، ربما كونهم اكتسبوا مع العمر أو "سنوات الخدمة" في صفوف الحزب، خبرة كافية عن كيفية التواصل مع المواطنين. لا يستغرق "الحاج" (وصف المسؤولين في حزب الله) وقتاً طويلاً لإعطاء إذن المغادرة. مرّ الاسم الثلاثيّ للسائق عبر "اللاسلكيّ"، فأتى الجواب مباشرةً: دعه يمرّ، دعه يمرّ. تبدو الحواجز المنتشرة متصلّة بغرفة عمليّات واحدة، تجمع أنواع السيّارات المشتبه بها وتدقق بتلك المشابهة لها في المنطقة.
يرفض أهالي عرسال تفتيشهم من عناصر حزب الله عند مفرق بلدتهم. "نقلنا امتعاضنا المتكررّ إلى فعاليّات اللبوة، وطالبنا بتعزيز انتشار الجيش اللبنانيّ في الجرود لحمايتنا من آثار المعارك داخل سوريا" يقول أحد أبناء عرسال. يتحدّث الرجل بقلق عن مصير بلدته: "سبق أن اتهم الحزب مدينة يبرود السوريّة بتصدير السيارات المفخخة إلى لبنان وأسقطها بالتعاون مع الجيش السوريّ، واليوم تستمّر التفجيرات ونحن المتّهمون". يقع أهالي البقاع الشمالي في مأزق الخيارات المعدومة، تماماً مثل أي سائق يمرّ على حواجز حزب الله: إما البراءة أو الانفجار.

المساهمون