شبح الزلزال يرعب طهران

27 ديسمبر 2017
الصورة
هربوا من منازلهم (عطا كيناري/ فرانس برس)
+ الخط -
منذ أن ضربت هزة أرضية بقوة 5.2 درجات على مقياس ريختر، العاصمة الإيرانية، الأسبوع الماضي، وسكان طهران يشعرون بتوتر كبير، ويتخوفون من وقوع زلزال حقيقي مدمر

تحذيرات كثيرة يكررها المتخصصون منذ سنوات، من دون أن تؤخذ بعين الاعتبار. لكنّ الخوف من زلزال قد يضرب العاصمة الإيرانية طهران تحوّل إلى واقع ملموس، فالسكان يقطنون في مبانٍ تقع على تصدعات زلزالية، وهو ما قد يحوّل أيّ هزة ضخمة مقبلة إلى كارثة.

كبرت المخاوف مع الهزة الأخيرة، الأسبوع الماضي، التي سجلت 5.2 درجات على مقياس ريختر. ترافق ذلك مع تقارير تؤكد عدم مراعاة مواصفات السلامة في عدد كبير من مباني العاصمة، والأهم عدم جهوزية الدوائر المعنية أو المواطنين للتعامل مع الأزمة إن وقعت.

استغل المعنيون، اليوم الوطني للسلامة من الزلازل، أمس الثلاثاء 26 ديسمبر/كانون الأول، لنشر المزيد من التحذيرات وإرشادات السلامة وكيفية التصرف خلال وقوع الهزات. كلّ هذا ترافق مع تطمينات، فالزلازل والهزات الأخيرة في البلاد فتحت المجال لنشر الشائعات التي بثت الرعب في قلوب الإيرانيين.

يوم أمس، كان ذكرى زلزال ضرب مدينة بم الواقعة في محافظة كرمان جنوب شرقي إيران، بشدة 6.6 درجات عام 2003، وترك خلفه ضحايا زاد عددهم عن 40 ألفاً، وجرحى بعشرات الآلاف، فتحوّل إلى يوم للتوعية الضرورية من الزلازل التي تضرب أجزاء مختلفة من إيران بين الحين والآخر وتتفاوت شدتها. ويأتي كلّ هذا في وقت ما زال سكان قرى من كرمانشاه الإيرانية يبيتون في العراء، بعد زلزال بقوة 7.3 درجات ضرب الحدود مع العراق، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وأدى إلى مقتل أكثر من 600 شخص، وأعقبته هزات كثيرة في المنطقة نفسها، وفي أماكن أخرى واقعة جنوب شرقي البلاد.

بعيداً عن الشائعات والمبالغات، تعرضت كلّ من طهران والبرز القريبة منها لهزات ارتدادية خفيفة للغاية، كان آخرها صباح أمس الثلاثاء. وأكد رئيس مركز الدراسات والتحقيقات التابع لوزارة الطرق والمواصلات، محمد شكرجي زاده، أنّ انكسار ملاردشت الزلزالي ما زال نشطاً إثر هزة الأسبوع الماضي، وهو ما يستدعي الحذر والجهوزية، مضيفاً أنّ أيّ زلزال مقبل مدته أطول قد يؤدي إلى دمار كبير.


وزّعت إدارة الطوارئ المسؤولة عن التعامل مع هذا النوع من الكوارث خرائط بينت فيها نقاطاً آمنة ليلجأ إليها السكان في حال وقوع زلزال كبير، ومنها حدائق عامة وملاعب مفتوحة، فضلاً عن ساحات المدارس، لكنّ وقوع تسعين إصابة إثر هزة وصفت بالخفيفة، كونها لم تدم لأكثر من أربع ثوان، يجعل المعنيين يقفون عند هذا الوضع قليلاً، فهذه الإصابات برمتها حصلت خلال فرار المواطنين من المكان الذي كانوا فيه، وهو ما يؤكد أنهم لا يتقنون التعامل مع الهزات.

يعلق الأستاذ الجامعي المعروف في إيران بـ"أبي علم الزلازل"، بهرام عكاشه، أنّه لا يمكن في الحقيقة التنبؤ بوقوع أيّ زلزال ولا يمكن تحديد موعد لذلك، لكنّ إجراءات السلامة والوقاية ضرورية بالفعل في مدينة كطهران.

وفي تقييمه لكيفية تصرّف سكان طهران مع الهزة الأخيرة، أبدى عكاشه تشاؤمه مما حصل: "لا مؤسسة الطوارئ كانت جاهزة، ولا حتى المواطنون، فالكوارث الطبيعية تحضر من دون إنذار مسبق، وهو ما يتطلب جهوزية تامة. وما حدث أثبت أنه لا يوجد لدى الجميع أي خبرة في التعاطي مع تهديد حقيقي يتربص بالمدينة، فكان من الأولى أن يبقى كل من شعر بالهزة في منزله والاختباء في مكان آمن أثناء وقوعها والخروج بعد انتهائها، لا الهرولة إلى الشارع مباشرة باستخدام السلالم أو حتى المصاعد، وهو ما يعرّض حياتهم للخطر، فلكل مكان قواعد سلامة خاصة به".

وحول نقطة ثانية، يضيف عكاشه لـ"العربي الجديد": "خزانات وقود السيارات يجب أن تكون ممتلئة دائماً في مدينة كطهران، فذهاب معظم السكان إلى المحطات للتزود بالبنزين بعد وقوع الهزة مباشرة سبّب ازدحاماً هائلاً وزاد من حجم التلوث الذي تعانيه المدينة، إلى حدّ أنّ التنفس بات صعباً لمن اضطروا إلى النوم في العراء، فماذا لو وقع زلزال حقيقي؟ هذه التصرفات ستعطل الحركة وعمل فرق الإنقاذ".

مأساة زلزال كرمانشاه ما زالت حاضرة (عطا كيناري/ فرانس برس)


وفي إشارته إلى الحلول المقترحة، يعتبر أنّ "مناورات وتدريبات التعامل مع الزلازل التي يجريها تلاميذ المدارس بين الحين والآخر، ليست كافية، وهو ما أثبتته التجربة العملية، فهزة طهران كانت بمثابة اختبار، ويجب تعليم الأطفال والكبار كيفية التصرف، وعلى الحكومة أن تشدد رقابتها على العمليات العمرانية، ففي طهران مبانٍ لا تراعي مواصفات البناء المطلوبة، وهو ما سيتسبب في ضرر كبير".

بدوره، أشار المدير العام لمؤسسة الإطفاء، مهدي داوري، إلى نحو 300 مبنى شديد الخطورة في العاصمة، وهي على غرار برج "بلاسكو" الذي انهار قبل فترة بسبب نشوب حريق ضخم في طوابقه العليا، فضلاً عن 3 آلاف مبنى مصنفة ضمن الخطرة، و7 آلاف أخرى أقل خطورة، لكنّها لا تراعي كلّ المعايير.

أضاف داوري أنّ طواقم الإطفاء تجري جولات تفقدية على كلّ مباني طهران بشكل دوري، وتقاريرها تؤكد أنّ 90 في المائة منها لا تمتلك تجهيزات السلامة، من قبيل كبسولات إطفاء الحريق، ناهيك عن انتهاكات أخرى للمعايير، ومنها مدّ أسلاك الكهرباء على أبواب المباني لتزيينها بالأضواء، أو حتى زراعة أشجار على البوابات قد تعيق عمليات الإنقاذ، وهو ما قد يزيد من عدد الضحايا.

أما الأبراج العالية في طهران فلها قصة أخرى، إذ من المفترض أن تكون ذات طراز معماري آمن بالكامل لعلوها، لكنّ بعض التقارير تفيد بأنّ 18 في المائة من هذه الأبراج إسمنتية، وما يبقى استخدمت فيه مواد أخرى للبناء، وهو ما يجعل مقاومتها للزلازل أقل. من المباني الأخرى ما يراعي هندسة خاصة بالزلازل، لكنّ تقارير المعنيين أنفسهم تؤكد وجود مخالفات عديدة.

من جهته، رأى رئيس مجلس مدينة طهران، محسن هاشمي، أنّ الكلّ مسؤول من ناحيته عن كيفية التعامل مع أيّ زلزال، مشيراً إلى عدم جهوزية أجهزة الطوارئ بشكل مثالي. وذكر كذلك أنّه يجب تفعيل أبواق تحذير صوتية موصولة بأجهزة استشعارية، تستطيع الانطلاق قبيل وقوع الهزة بعشر إلى خمس عشرة ثانية: "صحيح أنّها فترة وجيزة، لكنها قد تقلل من حجم الخسائر إلى الربع".

وفي تصريحات له مؤخراً، أضاف هاشمي أنّ أنابيب الغاز والمياه قد تتسبب في مشكلات أكثر تعقيداً، فانفجارها قد يؤدي إلى وقوع حرائق وسيول، وهو ما يعني ضرورة التأكد من جهوزية نظام يقطعهما فور وقوع أي هزة كبيرة. كذلك، أكد أنّ مدينة طهران واسعة في مساحتها، والأضرار فيها ستتوزع وستكثر في الأزقة الضيقة الواقعة جنوبها، ما يستدعي تجهيز مدن ثانية لمساعدة السكان وإيوائهم، وحتى إرسال طواقم الإنقاذ إليها، مشيراً إلى أنّ أصفهان عينت كمدينة مساندة للعاصمة.

المساهمون