شبح التشرد... غلاء الإيجارات يتربّص بالبريطانيين

شبح التشرد... غلاء الإيجارات يتربّص بالبريطانيين

18 ابريل 2017
الصورة
الشارع منزله (جاك تايلور/ Getty)
+ الخط -

يعيش البريطانيون أزمة حقيقية بسبب غلاء إيجارات المساكن، خصوصاً أنّ نسبة كبيرة من السكان في المدن الرئيسية لا تملك شققها بل تنتظر المساعدات الحكومية. هذا الوضع يهددها بالطرد في أيّ لحظة.

"ترفض المكاتب العقارية تأجيري سكناً متواضعاً، على الرغم من أنّ راتبي السنوي يزيد على 30 ألف جنيه إسترليني" تقول نرمين لـ"العربي الجديد". كانت تقيم مع ابنتها (16 عاماً) وابنها (20 عاماً) في منطقة تقع ضمن بلدية هيلينغدون في العاصمة البريطانية لندن. تقضي القوانين بالإقامة في المنطقة مدة عشر سنوات حتى يحق لها بعد ذلك تقديم طلب للحصول على سكن من البلدية (سكن دائم بإيجار منخفض مقارنة بالأماكن الخاصة).

أمضت نرمين وولداها ثمانية أعوام في تلك المنطقة، وبقي أمامها عامان فقط كي يحق لها التقدم بطلب سكن للبلدية، لكنّ الظروف فرضت عليها الرحيل من منزلها. تروي أنّ المالك طلب منها إخلاء المنزل لأنّه كما زعم يريد أن يقدّمه لابنه ليقيم فيه، وهو أحد الشروط التي تطلبها المحكمة حتى تحكم بأمر خروجها من المنزل، لكنّه في الواقع كان يريد تأجيره بسعر أعلى بكثير مما تدفع. لجأت إلى البلدية لتأمين سكن لها ولولديها، لكنّ الأخيرة لم تتعاون معها إلا بعد تدخل نائب المنطقة الذي راسلته نرمين وشرحت له وضعها.

وافقت البلدية على دفع مبلغ "المقدّم" والشهر الأول من الإيجار، شريطة أن تستأجر نرمين سكناً بغرفتي نوم فقط، على أن يغادر ابنها المنزل ويقيم وحده، لأنّه لم يعد قاصراً. تعلّق: "حاولت أن أشرح لهم عن الروابط العائلية المتينة في ثقافتنا وخوفي على ابني من رفاق السوء وتعاطي المخدرات إن عاش وحده بعيداً عنّا، بيد أنّهم سخروا من أقوالي وتمسّكوا بشرطهم".

استسلمت نرمين لواقعها، وراحت تبحث عن سكن متواضع، لكنّها فوجئت برفض المكاتب العقارية طلبها كلما علموا براتبها الذي لا يضمن بالتالي دفعها الإيجار من دون اللجوء إلى المساعدات الحكومية. تلفت إلى أنّ معظم المكاتب العقارية ترفض تأجير أشخاص يتقاضون جزءاً من بدل الإيجار من البلدية، أي ما يعتبر مساعدات حكومية. تضيف: "لولا وجود عائلتي في البلاد لبتّ في الشارع، كوني غادرت منزلي منذ شهر تقريباً، وأنا في رحلة بحث يومي عن سكن". تشير إلى أنّ أحد المكاتب العقارية طلب منها كفيلاً يبلغ راتبه السنوي 50 ألف جنيه إسترليني حتى يوافق على تأجيرها شقة صغيرة. وبعد أن هرعت من شخص إلى آخر لكفالتها، وأوفت الشروط المطلوبة ووقّعت على طلب الإيجار، اتصل بها المكتب ليبلغها أنّ المالك فضّل إعطاء الشقة لأشخاص آخرين من دون ذكر أسباب ذلك.




تجميد الاستحقاقات

قصة نرمين واحدة من قصص آلاف الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع أسعار الإيجارات بشكل ملحوظ خلال العام الجاري. باتت 18 ألفاً و750 أسرة بلا مأوى بعد طرد المالكين لها من منازل كانت تؤجرها عام 2016. عدد المطرودين ازداد تدريجياً منذ عام 2011.

بذلك، تطلب جمعية المشردين الخيرية "شيلتر" من الأشخاص الذين يعتمدون على المساعدات الحكومية في دفع الإيجار، البحث عن مئات إضافية من الجنيهات شهرياً، لتجنّب طردهم، بسبب تجميد الحكومة استحقاقات السكن. كذلك، تطالب الجمعية ومنظمات إسكان أخرى الحكومة بإعادة النظر في قرارها بعدما أفادت السلطات المحلية، ومعظمها في جنوب البلاد، أنّ السكان الذين يطردون ويشردون ليسوا عاطلين من العمل، بل إنّ معظمهم موظفون في القطاع العام يعملون بدوام كامل، مثل المدرسين والمدرسات والممرضين والممرضات.

كذلك، دعت جمعيات خيرية عدة الوزراء إلى إنهاء تجميد استحقاقات السكن التي من المقرّر أن تستمر حتى عام 2020، وطالبت ببناء المزيد من المساكن بأسعار معقولة في المناطق التي تحتاج إلى ذلك، تفادياً لحدوث تضخّم آخر في أعداد المساكن الطارئة التي تتحمّل مسؤوليتها السلطات أو البلديات المحلية.

شروط مستحيلة

بدورها، تروي ريمي مأساتها لـ "العربي الجديد". هي أم مصرية - بريطانية لثلاثة أطفال دفعتها الظروف المعيشية الصعبة، بعد تخلي زوجها عنها إلى مغادرة السكن الذي تقيم فيه، عقب مطالبة المالك بزيادة الإيجار. لجأت الى بلدية المنطقة التي تقيم فيها واستمرت نحو شهرين على تواصل مستمر مع موظفي البلدية الذين أرهقوها بشروط مستحيلة بغية إبعادها عن المنطقة، وقدّموا لها سكناً خارج لندن عجزت عن الموافقة عليه لالتزام أبنائها بمدارسهم والتزامها بعملها الذي خافت من خسارته.

تقول: "أقمت في منزل أخي مع أطفالي، لكن بعد فترة، بدأت الأمور تتوتر في ظلّ وجود عائلتين في منزل صغير، فاضطررت إلى استئجار سكن متواضع بسعر يفوق إمكانياتي". تتابع: "كابوس التشرد يلاحقني يومياً، وأخشى أن أجد نفسي مع أولادي في الشارع بسبب الغلاء في كلّ الحاجات الأساسية من مياه وكهرباء ومواصلات وطعام وسكن.

في هذا الإطار، تواصلت "العربي الجديد" مع المكتب الإعلامي لبلدية هيلينغدون للتعرّف على الشروط المطلوبة لتقديم المساعدة إلى أشخاص قد يتحولون إلى مشرّدين بين ليلة وضحاها نتيجة الارتفاع السريع في الإيجارات. الردّ كان مقتضباً يتجنب الإجابة على جميع الأسئلة الموجهة، ومفاده أنّ "مجلس بلدية هيلينغدون يقدم المشورة لجميع المتقدمين بطلبات ممن يواجهون صعوبة في السكن. والمجلس يقيّم كلّ طلب على حدة وفق معايير صارمة تتعلق بالأهلية القانونية لصاحب الطلب". يتابع المكتب: "حين تواجه أسرة مشكلة التشرد، نحاول مساعدتها في منع حدوث ذلك، ونقدم النصائح والمساعدة لتأمين سكن بديل مناسب، وقد يشمل ذلك الإقامة في القطاع الخاص".

في المقابل، يقول المكتب الإعلامي لجمعية "شيلتر" لـ"العربي الجديد" إنّ الموقع الإلكتروني التابع للجمعية يوفّر كل المعلومات التي يحتاجها أيّ شخص يواجه التشرد، مشيراً إلى أنّ الجمعية تساعد سنوياً ملايين الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في السكن، عن طريق تقديم المشورة والدعم والخدمات القانونية.



حجة التحفيز

تكشف الأرقام الحكومية الجديدة حول التشرد أنّ العام الماضي 2016 شهد تصنيف 59 ألفاً و260 أسرة باعتبارها مشردة من قبل المجالس المحلية، أي بزيادة بلغت 22 في المائة عن السنوات الخمس الماضية. رداً على هذه الأرقام، يقول الرئيس التنفيذي المؤقت لجمعية "شيلتر" غرايم براون إنّ ارتفاع أعداد المشردين يظهر الآثار المدمرة التي يخلفها ارتفاع أسعار الإيجارات الخاصة على حياة الناس. يتابع أنّ الجمعية تعلم أنّ هناك آلاف المستأجرين الذين يعيشون في خوف دائم من الانزلاق إلى حالة التشرد بسبب تخفيض ساعات العمل أو الارتفاع المفاجئ لأسعار الإيجارات.

يضيف: "نسمع كلّ يوم في الجمعية عن أسر تعاني من التشرد، فعلى الرغم من بذلها جلّ ما تستطيع القيام به، تعجز عن العثور على سكن بديل حين تنتهي مدّة عقد الإيجار. وقد أدى تخفيض قيمة المساعدات الاجتماعية إلى جعل الإيجار الخاص أمراً لا يمكن تحمّله بالنسبة لعدد كبير جداً من أصحاب الدخل المنخفض. وعلى المدى الطويل يبقى الحلّ الوحيد إصلاح نظام الإسكان عن طريق بناء منازل بأسعار معقولة، فالناس في حاجة ماسّة إلى ذلك".

بدورها، تقول وزيرة الرعاية الاجتماعية كارولين نوكس إنّ سقف الاستحقاقات هدفه رفع مستوى التحدي بين الأسر التي تعمل وتلك التي تعتمد على المساعدات الحكومية. وتفسّر أنّ ما سعت الحكومة إلى القيام به هو تحفيز الأسر على العمل، لأنّها تعلم أنّ الأطفال ينشؤون بشكل أفضل إن عاشوا لدى أسر عاملة لا تتكل على المساعدات.

وكان مسح لمئات المجالس البلدية، بثّته هيئة الإذاعة البريطانية في الخامس من أبريل/ نيسان الجاري أظهر أنّ 67 ألفاً و600 أسرة، على الأقل، في بريطانيا واسكتلندا وويلز، فقدت جزءاً من مال المساعدات الحكومية بسبب هذه السياسة.

في هذا الشأن، تقول المديرة التنفيذية للمنظمة الخيرية "مجموعة العمل الخاصة بفقر الأطفال" أليسون غرانهام إنّ قطع الإعانة السكنية يعني عجز السكان عن تحمل نفقات الإيجار، وهو ما يعرّضهم لخطر التشرد: "يؤدي ذلك أيضاً إلى استخدام المال المخصص لشراء الطعام لأطفالهم وتغطية نفقاتهم المعيشية الأخرى، في سدّ الثغرة في إيجار سكنهم". وتلفت غرانهام إلى أنّ 5 في المائة فقط من المتضرّرين من قطع المساعدات عادوا إلى العمل، مقابل نحو 80 في المائة لا يمكن أن نتوقّع منهم العمل لأنّهم مرضى أو لديهم أطفال صغار جداً.


دلالات