شاتوبريان... الرومانطيقي في "رحلة من باريس إلى بيت المقدس"

19 يناير 2019
الصورة
المسيح يدخل القدس، لـ نيكولا بوسان
+ الخط -

في سنة 1803، سيقوم الكاتب الفرنسي فرانسوا دو شاتوبريان برحلته إلى المشرق العربي، وإلى فلسطين تحديدا، حيث سيزور القدس. لقد سعى في السابق أن يقوم برحلته انطلاقا من باريس، وهذا ما تحقق له، حيث سيغادرها في 13 يوليو/تموز من السنة نفسها، مرورا عبر اليونان والقسطنطينية، ومن هناك وصل إلى فلسطين بحرا، مع حجاج آخرين.

وصل شاتوبريان إلى ميناء حيفا في الأول من أكتوبر، وزار خلال 13 يوما بيت لحم والبحر الميت والقدس، ثم قفل عائدا عبر البحر إلى الإسكندرية، ومنها عبر النهر إلى القاهرة، ثم عرج على تونس، ومنها إلى إسبانيا، وعاد في بداية يونيو/ حزيران من السنة نفسها إلى باريس. هذا هو زمن ومسار الرحلة، التي ستصبح بعد ذلك مثل دليل سياحي بالنسبة لمن يريد زيارة الأراضي المقدسة من الكتاب والأدباء.

وبالنظر إلى المدة القصيرة التي استغرقتها، لا يمكن إلا تسجيل عدد من الملاحظات بصددها، ولعل أهمها، هل يمكن لهذه المدة القصيرة أن تمنح لكاتب مثل شاتوبريان كل التفاصيل التي يحتاجها؟ ثم ما دقة الانطباعات والوقائع التي يحكي عنها؟ وهل المدة الزمنية تلك (13 يوما) كافية لكي تجعله يتحصل على المادة الكافية لـ "صناعة رحلة "، أم أنه ربما وقع في التزيد، أو أن الرحلة في عمقها لم تكن رحلة تغرف من الواقع المباشر، بقدر ما كانت رحلة "روحية" أكثر من أي شيء آخر؟

ولعل هذا ما تشير إليه مترجمة كتاب "رحالة رومانطيقيون، يوميات ومشاهدات" مي عبد الكريم محمود ـ تكتب: "لقد كانت رحلة شاتوبريان جد شاعرية، إلا أنها لم تكن تنفلت من الطابع المفكك الذي وسم جميع الرحلات التي تلته، والتي حاولت الحفاظ على الطابع المعاش للرحلة، وحاولت أن توهم بشكل كبير بالصدق الواقعي، وكان البعد السيري يظهر من خلال تفككها، وعفويتها، وطلاقتها. فقد كان الرحالة يحرص على تقديم المادة الكتابية دون عناية، لكي يستطيع الحصول على أكبر قدر ممكن من إيهام القارئ، وإقناعه بأن ما كتبه كان مرتجلا، حتى أصبح الكاتب يكتب من خياله أكثر مما يشاهده حقيقة".


مفتتح الرحلة

مثل مشهد سينمائي يرسم شاتوبريان لحظة وصوله إلى ميناء يافا، بكثير من الاحتفالية التي لا تخفى على القارئ. وهذا المقطع الاحتفالي يؤسس للرحلة الطقوسية إلى الأمكنة المقدسة التي ستأتي تباعا. علما أن الرحلة نفسها التي انطلقت بحرا من القسطنطينية، تضم في معظمها رهبانا من جنسيات مختلفة وحجيجاً آخرين، تجرفهم الرغبة في الوصول إلى القدس بأسرع وقت ممكن.

يكتب "كان الجو في غاية الجمال، وكان الهواء في غاية العذوبة مما دفع الرحالة إلى تمضية الليل على ظهر المركب، وأنا من جهتي كنت نازعت راهبين يونانيين ضخمين على مكان صغير في المؤخرة، ولم يتخليا لي عنه، إلا بعد أن أبديا تذمرهما.

في ذلك المكان كنت نائما، كان ذلك فجر الثلاثين من أيلول، عند الساعة السادسة، وعندما أفقت على ضجة غامضة، فتحت عيني كلتيهما، رأيت الحجيج ينظرون صوب مقدمة المركب، سألتهم عن السبب، فصاح بي أحدهم قائلا: "يا سيدي إنه الكرمل، الكرمل".

كانت الريح قد اشتدت في الليلة الماضية عند الساعة الثامنة مساء أو في الليل، وكنا قد وصلنا عند مشارق سورية، ولأني رقدت بملابسي كاملة فإني سرعان ما نهضت واقفا لأستفسر عن الجبل المقدس، فنهض الجميع مسرعين ليشيروا إليه بأيديهم، بيد أني لم أكن أتبينه بسبب شعاع الشمس التي بدأت تشرق أمامنا".

يتحول شاتوبريان، في رحلته هذه، إلى مؤمن حقيقي، لا يقل إيمانا عن الرهبان الذين معه على ظهر المركب. إن المكان، هنا، الأرض المقدسة، له هيبة وجلال، وهو حافل بالحكايات، فكما يقول شاتوبريان "فقد حدث في هذه الأماكن من الناحية الإنسانية الحدث الذي غير وجه العالم إلى الأبد، وأقصد به مجيء المسيح".

الأرض المقدسة أشعرت شاتوبريان شعورا غير الذي أحسه وهو يرى جبال اليونان، فرؤية جبل الكرمل تكاد تكون عجائبية، يقول "عاد جبل الكرمل إلى الظهور، ورأيت أخيرا هذا الجبل كما لو كان بقعة دائرية تحت أشعة الشمس، فسجدت على الطريقة اللاتينية، ولم أشعر مطلقا بذلك النوع من الاضطراب الذي ساورني عندما اكتشفت سواحل اليونان، بيد أن رؤية الأرض المقدسة وموطن المسيح غمرتني بالخشية والإجلال".


في ضيافة الآباء

سيصل المركب إلى ميناء يافا، وهناك سيُحمل الحجيج على متن قوارب إلى اليابسة، كان المشهد مسليا نوعا ما، كما يصف شاتوبريان ذلك، على الأقل بالنسبة إليه، عندما حمله أحد الرجال العرب على ظهره، إلى الساحل من القارب، حتى لا تبتل ملابسه، يكتب "نزلت معهم إلى الزورق وولجنا المرفأ من خلال فتحة بين الصخور، كانت خطرة حتى بالنسبة إلى زورق صغير، وتقدم نحونا العرب الواقفون على الضفة داخل الماء وقد بلغ أحزمتهم، وذلك كي يحملونا على أكتافهم، فحدث آنذاك مشهد مسل، إذ إن خادمي جون، كان يرتدي معطفا يميل إلى البياض، وكان اللون الأبيض من الألوان ذات الحظوة لدى العرب، فظنوا أن خادمي هو الشيخ فأمسكوا به وحملوه بانتصار رغم معارضته، في حين أني وبسبب لباسي الأزرق حُملت بلا اهتمام على ظهر متسول رث الثياب".

سيحظى شاتوبريان بعد هذه الرحلة البحرية المضنية باستضافة إلى مكان ضيافة الآباء، وهو منزل، كما يقول عنه، متواضع من الخشب مشيد على المرفأ، وله إطلالة جميلة على البحر.
كان في المكان اثنان من الآباء متوجهان إلى إسطنبول، وكما تقتضي الطقوس، كان لا بد من قراءة صلاة المائدة، مع استذكار الموت.


المائدة الأولى

يصف مشهد طعامه الأول في فلسطين كالتالي "قدموا لي على طاولة صغيرة نظيفة ومنعزلة الدجاج والسمك وفاكهة رائعة مثل الرمان والرقي والعنب والتمر، وكلها في باكورتها. وقدموا لي قنينة نبيذ قبرصي وقهوة مشرقية، وفي الوقت الذي غمروني فيه بأطايب الطعام، كان الآباء يأكلون القليل من السمك الخالي من الملح والزيت. كانوا مرحين باعتدال، غير متكلفين ولكن بأدب، ولم يطرحوا الأسئلة بلا جدوى، أو أسئلة متطفلة أو عابثة".

لعل هذا الاستقبال يكون قد أثر بعمق في نفسية شاتوبريان، وبالأخص في ذلك المكان المقدس، وقد تذكر أنه قد خُص بنفس الاستقبال لما كان في صحراء أميركا، وهو يعترف أن لرجال الدين في الأرض المقدسة فضل خاص، لأنهم يمنحون المعنى الحقيقي للزوار حول المسيحية التي كان يبشر بها المسيح.


عربيات بالحجاب

وجهة شاتوبريان لم تكن إلا القدس، فالمسافة الطويلة التي قطعها والمصاعب التي لاقاها، رغم أن مكانته الاجتماعية كانت محفوظة تماما، لن تهون إلا بهذه الزيارة. سيقطع الطريق إلى القدس على جياد صغيرة، برفقة خادمه ومضيفه ودليل طريق عربي، وعربي آخر "يسوس حمارا محملا بالحقائب".

وهو في الطريق إلى هناك، يمر بالقرى الفلسطينية، التي تحتوي كل منها ذاكرة مقدسة أو حدثا جللا عيسويا، ثم يأتي موعد الوصول إلى رام الله، ثم مرورا على قرية اللطرون.

وفي أرميا استطاع أن يشاهد " قطعانا من الماعز بآذان متدلية، وخرافا بذيول عريضة، وحميرا يذكر جمالها بالحمير الوحشية المذكورة في الكتب السماوية، وهي تخرج من القرية عند الفجر، وثمة نساء عربيات يجففن العنب في العرائش، وبعضهن يغطين وجوههن بالحجاب، ويحملن على رؤوسهن جرارا مملوءة بالماء مثل فتيات (مدين). كان دخان القصبة يتصاعد بخارا أبيض عند أول إشعاعات النهار، وكان هذا المشهد يشكل تعارضا ممتعا مع حزن المكان وذكريات الليل".

وعلى طول هذه الرحلة يمعن شاتوبريان في تسجيل مثل هذه الملاحظات، وبالخصوص على العرب المرافقين له أو الذين يلتقيهم أو يصادفهم أو تقع عليهم عيناه، بينما كل الأمكنة الأخرى من قرى ووديان وأحجار وغابات وطيور ومزارات وأديرة، هي أماكن مقدسة، تذكره بصفاء روح المسيح.


خيبة أمل في القدس

لم يكن يتوقع شاتوبريان أن يجد القدس، المكان الذي كانت تهفو نفسه إليه، على هذه الحال. لقد كانت مدينة فوضوية، تعيش غليانا اجتماعيا وتسيبا أمنيا بسبب جشع الحاكم التركي، الذي كان يبتز المدينة والتجار، ويسحب جنوده في الأوقات التي تحتاج إلى استتباب الأمن، لتعم الفوضى وتطفو الأحقاد من جديد بين القبائل المجاورة على السطح، ويكثر اللصوص وقطاع الطرق، ويصبح الوصول إلى قبر المسيح بمثابة عمل بطولي، لا بد للقيام به من دفع المال في كل مكان تعبر منه قوافل الحجيج.

سجل شاتوبريان كل هذا، بأسف شديد، وكأنه بوصوله إلى القدس، كان يستعجل المغادرة بأقصى سرعة وهذا ما فعله تحديدا. فقد نجا من الموت المحقق في أكثر من مناسبة بسبب غارات قطاع الطرق الذين يطلبون مقابلا من أجل المرور، كما لاقى في نفس الوقت الترحاب والمحبة من القبائل العربية التي استضافت قافلته في أكثر من مكان كذلك.

وهو هنا لا يخفي مشاعره المتضاربة نحو العرب، يقول مثلا "لقد بدا لي العرب حينما رأيتهم في جبال يهودا وفي مصر وحتى في البربرية طوال القامات أكثر من قصار القامات، وأنهم يسيرون بشكل متفاخر، وهم حسنو الخلقة، وممشوقو القوام، لهم بشرة بيضاء، وجبين عال مقوس، وأنف أقنى، وعيون واسعة لوزية، ونظراتهم ندية وعذبة إلى حد كبير. ولو أنهم أبقوا أفواههم مغلقة دوما لما دل شيء لديهم على الوحشية، بيد أنهم ما أن يبدؤوا الكلام حتى تسمع لغة صاخبة وملفوظة بملء النفس، وتلحظ أسنانا طويلة فاتنة ببياضها كأسنان ابن آوى، أو النمر الأبيض، ولذا فهم يختلفون في هذا عن المتوحشين الأميركيين الذين تتجلى ضراوتهم في النظرة وتعبيرهم البشري في فمهم".

وبخصوص النساء العربيات يقول "وللنساء العربيات قامة طويلة نسبة إلى قامات الرجال، ولهن هيئة مهيبة، ويذكر اتساق ملامحهن وجمال أشكالهن وطريقة وضعهن للحجاب بتماثيل الكاهنات وربات الفن، ولكن ينبغي أن يفهم هذا على نحو مطلق، فهذه التماثيل الجميلة تكون في الغالب مكسوة بالأسمال، إذ إن هيئة البؤس والوساخة والمعاناة أتلفت هذه الأشكال النقية للغاية، وأخفت بشرتهن النحاسية اتساق ملامحهن، وبعبارة واحدة فإن أنت شئت رؤية هؤلاء النسوة كما وصفتهن لتوي، فعليك أن تتأملهن من بعيد، والاكتفاء بالمظهر العام، وعدم الدخول في التفاصيل".

وليس بعيداً عن هذا الوصف، تلك الصورة النمطية عن العرب، حتى أنه هنا يقارنهم بالهنود الحمر في أميركا، وهي نظرة لا تخفى حمولتها الغربية، التي تنظر إلى الشرق باعتباره مكانا بدائيا تماما خارج الحضارة. وشاتوبريان يعلن ذلك صراحة عندما يقول "إن ما أراه تحت ناظري هم أسلاف العرق البدائي للرجال، وإني أراهم بالعادات ذاتها الموروثة من أيام هاجر وإسماعيل، وإني لأراهم في الصحراء ذاتها التي أورثها لهم الله".

المساهمون