سيناريو جديد لأزمة الدولار المستفحلة في لبنان

30 سبتمبر 2019
الصورة
المشاركة في تظاهرات الأحد كانت محدودة (حسين بيضون/العربي الجديد)


انفلات كبير عمّ الأسواق المالية والتجارية اللبنانية، منذ مدّة، نتيجة تفاقم أزمة اختفاء الدولار الأميركي، ليقترب سعر صرف الدولار في السوق السوداء، أي عند الصرّافين، من 1620 ليرة هذا الأسبوع، مع سريان أنباء عن احتمال بلوغه مستويات أعلى في حال لم تُسارع السلطات النقدية والمالية والسياسية إلى تدارك الوضع بخطوات عملية إنقاذية، علمًا أن سعر الصرف الرسمي المُعتمد لدى "مصرف لبنان" المركزي هو 1507.5 ليرات سعرًا وسطًا وأعلى هوامشه 1515 ليرة.
بيد أن الفوضى العارمة هذه ربما ستجد ابتداء من غد الثلاثاء طريقها إلى الانحسار، حيث يُنتظر أن يُصدر حاكم المصرف المركزي، رياض سلامة، تعميمًا من شأنه حماية مستوردي السلع الضرورية الحياتية وقطع الطريق على التلاعب بأسعارها، بحيث ينص على تغطية اعتمادات دولارية بسعر الصرف الرسمي لاستيراد القمح والأدوية والمحروقات، بمبلغ إجمالي يتجاوز 5 مليارات دولار سنويًا، من أصل نحو 18 مليارًا هي مجموع قيمة ما يستورده لبنان، مقابل تصديره حوالى 3 مليارات، ما يعني اتجاه الأمور إلى مسار مختلف، اعتبارًا من مطلع أكتوبر/تشرين الأول.

التعميم الذي بدأ الحديث عنه الأسبوع الماضي، أعلن عنه سلامة رسميًا قبل ظهر اليوم الإثنين، إثر عرضه الأوضاع النقدية مع رئيس الجمهورية ميشال عون في قصر بعبدا، حيث أكد أن التعميم "سيخفف، حُكمًا، الضغط على طلب الدولار لدى الصيارفة"، مشددًا في الوقت نفسه على 3 أمور:
- أولًا أن مصرف لبنان يؤمّن حاجات القطاعين العام والخاص بالعملات الأجنبية، وسوف يستمر في ذلك وفقًا للأسعار الثابتة.

- ثانيًا إصدار تعميم غدًا الثلاثاء يُنظم توفير الدولار للمصارف بالسعر الرسمي المعلن عنه من المصرف المركزي لتأمين استيراد البنزين والأدوية والطحين ضمن آلية سيرد شرحها في التعميم، مع التشديد على أن علاقة مصرف لبنان هي مع المصارف فقط وهو لا يتعاطى مع المستوردين مباشرة.

- وثالثًا أن المصرف المركزي سيتابع تحفيز التمويل للقطاعات المنتجة وللسكن بعدما كان أعلن منذ أسبوع عن تحفيزات جديدة لقطاعات الصناعة.

ولا يعني هذا مطلقًا أن المصرف المركزي الملتزم سياسة سعر الصرف منذ بداية تسعينيات القرن العشرين، كان غائبًا عن سوق العملة طوال فترة الأزمة التي بدت "مفتعلة" بنسبة كبيرة، إذ يُستنتَج من بيانات "مصرف لبنان" أنه باع المصارف 2.9 مليار دولار خلال 3 أشهر فقط، بينما اشترى منها 187 مليونًا فقط، أي أن الفاقد من احتياطي العملات الأجنبية لديه بلغ مليارين و713 مليونًا.

بتعميمه الجديد، يسعى "مصرف لبنان" إلى ضبط حركة العملة الخضراء التي كثر الحديث أخيرًا عن تهريبها إلى خارج لبنان، لا سيما إلى سورية المجاورة على طول حدود البلد المليء بالمعابر غير الشرعية، في حين أن وجه الأزمة الأكثر قوّة كان حاضرًا بوضوح عبر تخزين السيولة الدولارية خارج القطاع المصرفي، وبالتالي بعيدًا من خزينة المصرف المركزي، لواحد من سببين:
- الأول تحوّط أصحاب رؤوس الأموال المأخوذين بالكلام عن انهيار محتمل في الليرة والاحتفاظ بها تحسّبًا لأسوأ الاحتمالات.

- الثاني امتصاص الصرّافين سيولة الدولار، وأحيانًا بالتواطؤ مع بعض مديري المصارف التجارية، من أجل المضاربة بالدولار في السوق السوداء وتقاسم المكاسب "على عينك يا سلطة".

المفاعيل الميدانية ظهرت مباشرة إثر انهاء اجتماع عون بسلامة اليوم وتأكيد الأخير نيّته إصدار تعميمه يوم الثلاثاء، حيث بادر "بنك بيبلوس"، أحد أكبر البنوك اللبنانية، إلى إعلان اتخاذه إجراءات متعلقة بالسحب النقدي بالدولار من أجهزة الصرّاف الآلي بهدف الحد من إساءة استعماله وتجنّب عمليات المضاربة على العملات.

واعتبر أن هذه التدابير "تُسهّل مراقبة العمليات والتدقيق فيها"، وطمأن زبائنه بأن لهم حرية التصرّف في حساباتهم عند الاستحقاق، وأنهم يستطيعون الحضور إلى الفرع لإتمام كافة العمليات، بما فيها السحب النقدي بكافة العملات.

دوافع سياسية

ويأتي تعميم حاكم المصرف المركزي بعد إرباك شديد ساد في الأروقة السياسية إثر حراك الشارع في بيروت والعديد من المناطق، يوم الأحد، بين صرخة المواطنين الموجوعين من جهة، وخطر الاستغلال والفتن لأغراض وحسابات سياسية من جهة أُخرى، فضلًا عن دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي، مساء الأحد، بعنوان "كونوا كتار" لقطع طرق حيوية عدّة، أبرزها طريق "مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت"، اعتبارًا من السادسة من صباح اليوم الإثنين، لكنها دعوات لم تُبصر النور على أرض الواقع.

ولم يكن بإمكان سلامة العمل بصمت أكثر من ذلك، فجاء تعميمه بعدما ساد اعتقاد على نطاق واسع بأنه مُستهدف من "حزب الله" و"التيّار الوطني الحُر" باعتبار أنه، من جهة، يُجاري وزارة الخزانة الأميركية إلى أقصى الحدود في تضييقها على الحزب من خلال التدابير العقابية التي تتخذها بحقّه وكان من أحدث تجلّياتها تصفية "جمّال ترست بنك" الذي تمتلكه عائلة شيعية، ومن جهة أُخرى، لأن انفجار أزمة بهذا الحجم الآن يعني ضرب صورة "العهد" الذي يرأسه زعيم "التيّار"، الرئيس عون، فيما انبرى للدفاع عن سلامة البطريرك الماروني بشارة الراعي، رافضًا تحميله مسؤولية تدهور الأوضاع.
والتصريح الذي أدلى به سلامة بعد اجتماعه بالرئيس عون حمَل معه خبرًا مهمًّا جدًا يتعلق باستئناف القروض السكنية المدعومة، وإن لم يكن تصريحه حول هذا الأمر واضحًا بما فيه الكفاية، بعدما كان تعليق القروض السكنية قد أوصد الباب أمام أي أمل بالخروج من الركود المستحكم بالقطاع العقاري المتدهورة مؤشّراته، وفتح الباب واسعًا أمام أزمة اجتماعية استفحل معها الغضب الشعبي، خصوصًا في أوساط الشباب العاجزين عن شراء سكن، فضلًا عن شكواهم من تضاؤل فرص العمل.

الضرب على وترَين

لا تزال القراءات غير مكتملة حتى اللحظة حول أسباب أزمة الدولار، لكن يمكن الوقوف على بُعدين موضوعيّين هما من الثوابت في هذه الأزمة:

- البُعد الأول، أن فاتورة المشتقات النفطية المستوردة من الخارج إلى لبنان تضاعفت خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، من دون مُبرّر واضح سوى تهريب الوقود إلى سورية عبر الحدود غير الشرعية الحاضرة بقوّة في النقاش السياسي العام.

في هذا الصدد، يقول رئيس دائرة البحوث والتحاليل في "مجموعة بنك بيبلوس" وعضو لجنة الدراسات في "جمعية مصارف لبنان"، نسيب غبريل، إن كمية الواردات النفطية شملت 4 ملايين و800 ألف طن في أول 7 أشهر من عام 2018، بينما ارتفعت هذه الكمية إلى 8 ملايين و200 ألف طن في الأشهر السبعة الأولى من عام 2019، الأمر الذي رفع قيمة الفاتورة بمليار و700 مليون دولار.

وتسائل غبريل: أين ذهبت هذه الكمية؟ واستتبع ذلك بسؤال آخر: إذا كان الوقود الزائد يذهب إلى سورية فبماذا يدفع السوريون للبائع اللبناني وأين تذهب الأموال؟
- البُعد الثاني، علمت "العربي الجديد" من مصادر مصرفية مسؤولة مقتنعة بأن التعميم المرتقب صدوره غدًا الثلاثاء من سلامة "سيريح السوق ويخفّف وتيرة المضاربة"، أن المستورد يتعامل عادة مع أكثر من مصرف، وما حصل أن بعض المصارف دخلت في "لعبة غير نظيفة" من خلال الطلب من زبائنها الذهاب إلى المصارف التي تتمتّع بسيولة دولارية عالية، ما دفع الطلب على سيولة هذه المصارف إلى مستويات ضخمة جدًا دفعت بها إلى كشف هذه "اللعبة" واتخاذ تدابير احترازية للمحافظة على سيولة معقولة، فقرّرت أن تمنح المستورد اعتمادات بالقيمة التي اعتاد أن يطلبها بوتيرة طبيعية، مع رفضها مضاعفة المبالغ مرتين وثلاثًا، فوجد المستورد نفسه أمام مشكلة في تأمين السيولة اللازمة لعملياته الخارجية، وهذا ما يسعى المصرف المركزي إلى حله بالدرجة الأولى.

لقد بدا واضحًا أن التلاعب بسوق الصرف قد ذهب بعيدًا في الأشهر الأخيرة، ويؤمل من المتابعة السياسية المستجدة وتدبير "المركزي" الجديد أن يغيّرا المسار باتجاه ضبط إيقاع الليرة التي إن خسرت قيمتها، سيكون صعبًا على أي مرجع سياسي أن يضبط شارعه للحؤول دون انفجار اجتماعي كبير.

تمهيد لفرض رسوم وضرائب جديدة؟

يشي عدم التحرّك لحل الأزمة باكرًا بأن السلطة التي أعلن عدة مسؤولين فيها صراحة أن تدارك الانهيار الشامل يتطلب إجراءات "مؤلمة"، تستفيد من الغليان والفوضى لجعل المواطنين أكثر تقبّلًا لتدابير من هذا النوع في موازنة 2020 والورقة "الإصلاحية" التي توافق عليها رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة وغالبية الأطراف السياسية، والمعروفة باسم "ورقة بعبدا"، ومن ذلك فرض رسم إضافي على البنزين ورفع نسبة ضريبة القيمة المضافة.