سيناريوهات إسقاط حكومة الفخفاخ: الاحتمالات معقدة ومكلفة

09 يوليو 2020
الصورة
استقالة الفخفاخ تبقى مستبعدة (فتحي بلعيد/فرانس برس)

مع تزايد الضغط على حكومة إلياس الفخفاخ في تونس، وتوتر العلاقات بين مختلف مكوّناتها الحزبية، بدأ التفكير في السيناريوهات الدستورية والسياسية التي ستُعتمد في إدارة هذه الأزمة المعقّدة، والتي يتضح أن تداعياتها ستكون قوية على مختلف الفرقاء، خصوصاً على مستوى الاستقرار العام في البلاد، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
ويأتي الضغط الأهم من حركة "النهضة"، أهم مكونات هذه الحكومة والحزب الأول في البرلمان، إذ صعّدت من لهجة انتقادها للائتلاف الحكومي ولمّحت إلى أنها تسير في اتجاه القطع مع الحكومة. وعبّرت "النهضة" في بيان لها عن انشغالها بسبب رفض رئيس الحكومة الاستجابة لدعوات توسيع الائتلاف الحكومي بما يجعله أكثر تماسكاً وانسجاماً وقدرة على مواجهة هذه التحديات.

صعّدت "النهضة" من لهجة انتقادها للائتلاف الحكومي ولمّحت إلى أنها تسير في اتجاه القطع مع الحكومة

وانتقدت "حالة التفكك الذي يعيشه الائتلاف الحكومي وغياب التضامن المطلوب ومحاولة بعض شركائنا في أكثر من محطة استهداف الحركة والاصطفاف مع قوى التطرف السياسي لتمرير خيارات برلمانية مشبوهة، تحيد بمجلس النواب عن دوره الحقيقي في خدمة القضايا الوطنية". وختمت "النهضة" بالتأكيد أن التحقيقات في شبهة تضارب المصالح التي تلاحق الفخفاخ، أضرت بصورة الائتلاف الحكومي عموماً، بما يستوجب إعادة تقدير الموقف من الحكومة والائتلاف المكون لها، وعرضه على أنظار مجلس الشورى في دورته المقبلة لاتخاذ القرار المناسب.
وأمام تفكك الائتلاف الذي تشير إليه "النهضة"، ووقوف "بعض الشركاء إلى جانب قوى التطرّف السياسي"، وشبهة تضارب المصالح التي تلاحق الفخفاخ، يتضح أن "النهضة" قد حسمت موقفها من الحكومة، ويبقى البحث عن السيناريو الأفضل والأكثر واقعية للتعامل مع الملف، لأن كل السيناريوهات محفوفة بمخاطر مختلفة، و"النهضة" لا تملك كل الأوراق بيديها، فالذهاب إلى سحب الثقة من الحكومة في البرلمان ليس مضموناً عددياً، واستقالة الفخفاخ مستبعدة، والانسحاب من الحكومة ليس خياراً مثالياً.
انطلاقاً من هذا المأزق، الذي يفهمه معارضو "النهضة"، قال النائب عن "التيار الديمقراطي" هشام العجبوني في تدوينة له، "من لا تعجبه الحكومة يمكن أن ينسحب منها أو يسحب منها الثقة ويتحمّل مسؤولية ضرب الاستقرار"، مؤكداً أن "توسيع الحزام الحكومي بإدخال حزب نبيل القروي الذي تسعى إليه النهضة لا سبيل إليه".
وفي ظل ظروف اقتصادية صعبة واجتماعية متوترة، ستكون كلفة الفراغ الحكومي لحين تشكيل حكومة جديدة، باهظة، خصوصاً أمام تجربتيْ حكومة الحبيب الجملي وحكومة الفخفاخ، وما شابهما من خلافات، وقد تتحملها "النهضة" إذا كانت تقود حملة إسقاطها.
ولكن "التيار الديمقراطي" وبقية الأحزاب ليست في وضعية أفضل من "النهضة"، فملف تضارب المصالح لرئيس الحكومة سيطاول الجميع، وقد يدفع الفخفاخ إلى الاستقالة ويحرج كل الأحزاب سياسياً، حتى المدافعة عنه، ويدفعها إلى مطالبته بذلك.

ويشير الدستور التونسي إلى السيناريوهات الممكنة في هذه الحالات، إذ ينص على أنه يمكن التصويت على لائحة لوم ضد الحكومة، بعد طلب معلل يُقدّم لرئيس مجلس النواب من ثلث الأعضاء على الأقل. ولا يتم التصويت على لائحة اللوم إلا بعد مُضيّ 15 يوماً على إيداعها لدى رئاسة المجلس.
ويُشترط لسحب الثقة من الحكومة موافقة الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس (109)، وتقديم مرشح بديل لرئيس الحكومة يُصادَق على ترشيحه في التصويت نفسه، ويتمّ تكليفه بعد ذلك من قبل رئيس الجمهورية بتشكيل حكومة وفق أحكام الفصل 89. وفي هذه الحالة تعود المبادرة للمجلس، وهو السيناريو الذي تحبذه "النهضة"، على الرغم من أنه ليس مضموناً أيضاً بدليل فشلها في جمع الأصوات الضرورية لحكومة الحبيب الجملي، فكيف في هذه الوضعية السياسية الصعبة التي زادت فيها الخلافات.
ويتحدث الفصل 89 عن استقالة رئيس الحكومة ويعتبر أنها استقالة للحكومة بكاملها، وتقدم الاستقالة كتابةً إلى رئيس الجمهورية الذي يُعلم بها رئيس مجلس النواب.
ويمكن أيضاً للرئيس قيس سعيّد أن يطرح على مجلس النواب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها، ويتم التصويت بالأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان، فإن لم يجدد المجلس الثقة في الحكومة اعتُبرت مستقيلة.
وفي هاتين الحالتين، يؤول لرئيس الدولة اختيار الشخصية الأقدر، في أجل أقصاه 30 يوماً. ولرئيس الجمهورية أن يطلب من مجلس النواب التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة نشاطها، مرتين على الأكثر خلال كامل المدة الرئاسية، ويتم التصويت بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، فإن لم يجدد المجلس الثقة في الحكومة اعتُبرت مستقيلة، وعندئذ يكلف رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر لتشكيل حكومة في أجل أقصاه 30 يوماً طبقاً للفقرات الأولى والخامسة والسادسة من الفصل 89. وعند تجاوز الأجل المحدد من دون تشكيل الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس النواب، لرئيس الجمهورية الحق في حل المجلس والدعوة إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها في أجل أدناه 45 يوماً وأقصاه تسعون يوماً. وفي حالة تجديد المجلس الثقة في الحكومة، في المرّتين، يعتبر رئيس الجمهورية مستقيلاً.
وتشير هذه الفقرات الدستورية إلى أن هناك حالات يعود فيها قرار اختيار رئيس الحكومة إلى البرلمان وأخرى للرئيس، وهو ما سيعيد المشهد إلى المربع الأول الذي تلا الانتخابات الماضية، والخلاف حول قرب رئيس الحكومة الجديد من البرلمان والأحزاب أو من الرئيس.
ويبدو أن أمام سعيّد فرضية آمنة وحيدة، وهي إقناع الفخفاخ بالاستقالة ليحافظ على حقه في اختيار الشخصية الجديدة، لأن الفرضية الثانية، اختيار رئيس الحكومة من البرلمان، ستعيد إلى النقاش السابق حول عزل الرئيس سياسياً. ويُعتبر طلب سعيّد تجديد الثقة لحكومة الفخفاخ من البرلمان مجازفة كبيرة قد تؤدي إلى اعتباره مستقيلاً إذا خالفه البرلمان في مسعاه، وهي فرضية دستورية لم يجازف بها حتى الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي إبان أزمة حكومة يوسف الشاهد، لأنها قد تؤدي إلى استقالته هو.

يُعتبر طلب سعيّد تجديد الثقة لحكومة الفخفاخ من البرلمان مجازفة كبيرة قد تؤدي إلى اعتباره مستقيلاً


وتبدو كل هذه الفرضيات صعبة على الجميع، فلا سحب الثقة مضمون ومؤكد لأن "النهضة" و"قلب تونس" و"ائتلاف الكرامة" لا تملك حالياً مجتمعة أغلبية الـ109 أصوات المطلوبة، ولا الفخفاخ في طريقه للاستقالة، ولا سعيّد ذاهب في اتجاه طلب البرلمان بتجديد الثقة، وهو ما يعني مأزقاً للجميع. وحتى في حالة استقال الفخفاخ أو استطاعت "النهضة" إقناع نواب آخرين وجمعت الـ109 أصوات المطلوبة لإسقاطه وتشكيل حكومة جديدة، فهل ستصمد أمام جبل المعارضة الجديدة، وهل سيكون الوضع السياسي أكثر استقراراً، وهل ستتمكن من إحداث تغييرات حقيقية في الوضعين الاقتصادي والاجتماعي ما بعد أزمة كورونا الخانقة؟
مراقبون عديدون في تونس يعتبرون أن الحل الأفضل هو رضوخ الفخفاخ لشروط "النهضة" ومحاولة تخفيف حالة الاحتقان بين مكونات الائتلاف، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة بقانون انتخابي جديد يمكنه تغيير المشهد داخل البرلمان، ويقطع مع حالة التشظي التي تمنع أياً كان من ممارسة الحكم لفترة طويلة وتمرير إصلاحات مهمة في البرلمان، لأن الوضعية الحالية يعارض فيها الجميعُ الجميع.