سيل "الشمال 2" الروسي... رفض أوروبي لـ"الابتزاز" بدعم أميركي

12 فبراير 2019
الصورة
تمديد أنابيب المشروع في ألمانيا (Getty)


يعود إلى الواجهة مجدداً مشروع "سيل الشمال2" (نوردتسريم) لنقل الغاز الروسي لمسافة أكثر من 1250 كيلومتراً عبر البلطيق نحو ألمانيا، ولشركات دول أوروبية أخرى، ومنها فرنسية وهولندية ونمساوية، بعدما استطاعت الدنمارك تحويل طلب روسيا عام 2017 مروره في مياهها الإقليمية، في جزيرة بورنهولم، إلى شأن أمني أوروبي.

وفي ظل توتر روسي- غربي، والسير نحو حافة "الحرب الباردة"، وجّهت كوبنهاغن الدفة باتجاه أوروبا، تخلصاً من ورطة الموافقة الوطنية الفردية، بوصف خط الغاز ضمن "سياسة أمنية استراتيجية". وتعزز هذا الموقف، بحسب ما يرى الأوروبيون، بسياسة الكرملين في البلطيق وأوكرانيا.

التحول الجديد، بعد تردد ألماني عن قبول الحجج الدنماركية منذ عامين تقريباً لعدم منح "غازبروم الروسية" موافقة لتمرير خطها في مياهها الاقليمية في "بورنهولم"، ينقذ كوبنهاغن مما يطلق عليه "معضلة دبلوماسية".

وجاء ذلك بعد مفاوضات ألمانية- فرنسية حديثة، وعام ونصف العام من مفاوضات أوروبية داخلية، وتصلب موقف بعض الأوروبيين، بينهم وارسو وكوبنهاغن، منح روسيا فرصة التأثير على سياسات أوروبا عبر إمدادات الغاز، ليدخل على الخط أيضاً الجانب الأميركي المعارض لمنح روسيا تمرير خط الغاز وانتقاد سياسات برلين في السياق.

وتأتي التحولات الجديدة لتعزز فرضية وصول الأوروبيين اليوم الثلاثاء إلى "تسوية" ترضي الأطراف. فبحسب المقرر ستجري، اليوم، مفاوضات أوروبية، بمشاركة مؤسسات الاتحاد الرئيسة، البرلمان ومجلسه والمفوضية، للتوصل لاتفاق حول خط "نوردستريم2"، ومشاريع غاز مستقبلية.


واستندت المفاوضات الأوروبية على مخاوف تلتقي في أحد أوجهها مع مخاوف واشنطن، وتتمثل في ظاهرها من قلق استخدام الكرملين الغاز كنقطة ضعف للضغط على أوروبا سياسياً، وخصوصاً أن "غاز بروم"، التي أطلقت المشروع منذ 2010، مملوكة للدولة الروسية. وتزود موسكو دول الاتحاد الأوروبي بنحو 40 في المائة من احتياجاتها الغازية، ويهدف الروس، عبر الخط الجديد، زيادة التصدير بنحو 55 مليار متر مكعب سنوياً.

وخلال السنوات الماضية عبرت دول أوروبية عديدة عن خشيتها من الموقف الألماني المتساهل، بل ودفاع بعض الساسة عن مشاريع تجارية ضخمة مع موسكو. فالمستشار الألماني السابق (1998- 2005)، غيرهارد شرودر، يُتهم، حتى في ألمانيا، أنه "رجل الكرملين" في بلده وأوروبا، في سعيه للتأثير الايجابي لمصلحة "غازبروم" وشركة النفط الروسية، المشمولة بعقوبات الاتحاد الأوروبي، "روسنفت Rosneft".

وهذه الاتهامات تناولتها الصحافة الألمانية في أكثر من مناسبة باعتباره يعمل كما جماعات الضغط، "لوبي"، من خلال توظيفه في منصب رفيع، رئيس مجلس الادارة، في شركة النفط الروسية. فقبل عامين تقريباً فتحت الصحافة الألمانية النار على مستشارها السابق، كما اتهمته "بيلد" أنه يفضل مصالحه الخاصة على مصالح الوطن، واصفة تصرفاته أنها "غير وطنية".

ورغم توتر العلاقة بين برلين وموسكو على خلفية سياسات الأخيرة في أوكرانيا، بعد ضم "شبه جزيرة القرم"، ظل شرودر يدافع عن "سياسة الانفتاح التجاري" مع موسكو، ويهاجم السياسات الأميركية تجاه روسيا.

موقف المستشارة الألمانية، ميركل، بقي أيضاً، حتى وقت قريب، ينأى بخط الغاز عن العقوبات، فاعتبرت "نوردستريم2" شأناً وطنياً تجارياً؛ وخصوصاً بوعودها للألمان لجعل بلدهم غير معتمد على الفحم والطاقة النووية خلال السنوات القادمة. لكن، مع تصاعد الاحتجاجات الأوروبية، والمطالبة بوضع القضية على جدول أعمال الاتحاد الأوروبي، اضطرت برلين بالتعاون مع باريس، أخيراً، البحث عن تسوية تعتبر الغاز "سياسة أمنية" تمس مجموع الاتحاد الأوروبي.

قطع الطريق على موسكو

ولتجنب مخاطر استخدام موسكو الغاز كسلاح سياسي يبحث الأوروبيون، اليوم، التوصل لتفاهمات، تستجيب من خلالها برلين للتحديات ومخاوف الدول الحليفة، بشأن صفقة الخط الحالي، المتوقع أن ينتهي العمل به هذه السنة.

وبحسب ما يرشح فإن التسوية تشمل: توجيهات لسياسة غاز جديدة في أوروبا. ويعتبر "التوجيه" في الاتحاد الأوروبي ملزماً لدوله. وسيشمل بمفعول رجعي خط "نوردستريم2".


ويمنح التوجيه الجديد المفوضية الأوروبية صلاحيات واسعة فيما يتعلق بالموافقات على صفقات وخطوط الغاز، والكشف عن "شفافية العقود". ويعطي دول الاتحاد حق الدخول في اتفاقيات تجارية حول الغاز مع الدول غير الأعضاء، لكن بشرط موافقة الاتحاد الأوروبي، وهو غير معمول به اليوم.

وبموجب التسوية المتوقعة، تُفرض شروط على الطرف المورد للغاز. ومن بين أمور أخرى، عدا الشفافية، يبرز ما يشبه استهدافاً لمخططات الكرملين المفترضة، بالتأثير السياسي عبر خطوط الإمداد، باشتراط ألا تكون الشركات الموردة هي المالكة للخطوط والمصدرة للغاز بنفس الوقت، بحجة عدم السماح بخلق ظروف احتكار، وهذا يعني ضرباً لشركة "غازبروم".

وتضع التسوية الأوروبية شرطا إضافيا قد لا يروق للكرملين وبالأخص ما يقول إنه "لا يحق للمورد قطع الإمداد لأسباب سياسية، وبنفس الوقت يجب السماح لموردين آخرين، من دول أخرى، استخدام الخطوط".

الأوروبيون يرون أيضاً، بعد أن ثارت شبهات كثيرة في تضارب مصالح، أنه يجب أن يكون هناك "شفافية تامة" بالنسبة لأسعار الغاز وتكلفة النقل، حتى يستطيع الموردون الآخرون التماشي مع السوق.

وفي المقابل تمنح التسوية الجانب الألماني حق التفاوض مع روسيا حول آليات تشغيل "نوردستريم2"، كونه يصل إلى أراضيها، ولكن بما يتماشى مع الإطار العام للمفوضية الأوروبية بهذا الشأن، ويحق بنفس الوقت للمفوضية الأوروبية، إذا نشأت إشكالية، سحب الترخيص الممنوح للدول الوطنية في مفاوضتها تلك.


إذاً، ما يزال "نوردستريم2" ينتظر موافقة الحكومة الدنماركية، لكنها بنقل القضية إلى مستوى أوروبي، تجعل مهمة الروس "صعبة"، بحسب ما يصف مشرعون دنماركيون من البرلمان الأوروبي.

وهو ما يذهب إليه عضو البرلمان الأوروبي، مورتن هليفي بيترسن، من كتلة يسار الوسط الأوروبي، معتبراً أن "أووربا تضع اليوم خطوطاً عامة للعبة، والتي تمس الجميع، وباعتبارها قضايا تتعلق بالسياسات الأمنية، لأن (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين يستخدم الغاز كوسيلة ابتزاز في وجه دول وسط وشرق أوروبا"، وفقاً لما ينقل عنه حرفياً تلفزيون بلده "دي آر".

ويضيف هذا البرلماني "إذا لم يستطع بوتين الالتزام بقواعد اللعبة الأوروبية فأعتقد أننا لن نكون بحاجة لاستمرار هذا المشروع (نوردستريم2)". ورغم ذلك يخشى برلمانيون آخرون أن تؤدي هذه التسوية إلى "نفاذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منها للتأثير ولتقسيم المواقف الأوروبية، فهذا بالأصل ما يهدف إليه"، بحسب ما يذكر عضو البرلمان عن "الاجتماعي الديمقراطي"، ييبا كوفود.