سيلين سياما تُنجز "فيلم حبّ"... أداء مبهر

03 ديسمبر 2019
الصورة
أديل هانيل ونعومي ميرلان في الفيلم (IMDb)
+ الخط -
يندر راهناً أن يروي فيلم قصّة حب. هذا غريب للغاية. لكن الضغوط الاجتماعية والسياسية، والجدل الحاصل حول الحقوق والحريات، في الأعوام الأخيرة، تدفع الأفلام، بشكل منطقي ومفهوم، إلى هموم محدّدة. وإذا لم تتناول أبطالاً خارقين، يُحاربون لحماية العالم، في قلب الصناعة الهوليوودية، فإنّ أبطال اليوم مهاجرون وفقراء وضعفاء، في عالمٍ وحشي.

وسط هذا كلّه، لم تعد قصص الحب مادة رائجة في السينما. مع هذا، ولأسباب عدة، فإنّ "بورتريه للشابّة المشتعلة" (ترجمة غير حرفية للعنوان الفرنسي Portrait De La Jeune Fille En Feu)، للفرنسية سيلين سياما، مختلف وبديع، أولاً وأساساً لجرأته في أن تكون "قصّة الحب" فيه محوراً وحيداً. بعد ذلك، تظهر نقاط مختلفة لتميّزه.
تدور أحداثه في فرنسا القرن الـ18، في جزيرة معزولة في الغرب، تصل إليها الرسّامة مَريان (نعومي ميرلان) لتنفيذ مهمة واضحة: رسم بورتريه للفتاة الثرية إلويز (أديل هانيل)، لإرسالها إلى زوجها المستقبلي في ميلان، الذي لم يرها قبلاً. لكن المشكلة كامنة في أنّ إلويز ترفض أن تُرسَم، تعبيراً عن رفضها هذا الزواج، فيترتّب على مَريان مراقبتها عن بُعد، لإنجاز اللوحة. المراقبة البطيئة في جزيرة منعزلة تخلق بينهما، تدريجياً، تآلفاً من نوعٍ خاص، وتمنحهما الحكاية الأهمّ في حياتهما.

في المؤتمر الصحافي اللاحق لعرضه في الدورة الـ72 (14 ـ 25 مايو/ أيار 2019) لمهرجان "كانّ" السينمائي، قالت سياما إنّ "همها الرئيسي، الذي ظلّ يراودها أعواماً عديدة، يكمن في كيفية توثيق الوقوع في الحبّ". ومع آلاف القصص الرومانسية المروية في الأدب والسينما، يبدو هذا "الهمّ" غير مثير للاهتمام. لكن سياما استطاعت أن تحكي عن الحبّ بشكل فريد، من دون أنْ تُشغلها الأحداث أو الوقائع، إذ لا يوجد تشتيت أو قصص فرعية.
كما أنّه ليس صعباً إدراك لماذا اختارت "جزيرة معزولة" منذ ثلاثة قرون لسرد قصتها. فهي تصنع بيئة مثالية، توجد فيها أربع نساء فقط، ولا شيء تتابعه بشكل حقيقي غير نمو المشاعر بين مَريان وإلويز، من فضول إلى اهتمام إلى رغبة إلى حبّ إلى اتّقاد.
في النصف الأول من الفيلم، تأخذ كلّ كلمة من الكلمات السابقة فترة زمنية لاستيعاب المشاعر المكتومة، من دون أي حديث، بل عبر مساحة مُدهشة من الحسيّة والنظرات والمَشاهد الطويلة، المكتوبة بذكاء. ومع بلوغ العلاقة لحظة المكاشفة، تبدأ رحلة بطيئة أخرى، إذ إنّ العلاقة ستصبح ذكرى لا محالة. ذكرى مؤلمة، لن تبارح البطلتين، اللتين، رغم هذا، لن تتوقّفا عن عيش الحاضر.
إلى جانب النضج العاطفي والإنساني ـ الذي يزخر به الفيلم، بفضل سيناريو (سيلين سياما، جائزة أفضل سيناريو في الدورة نفسها لمهرجان "كانّ" أيضا) ينساب برقّة كالماء ـ هناك نضج فني يجعل سياما تعتمد على جماليات بصرية عالية، غير منفصلة عن الحكاية. فمَشاهد كثيرة هي "بورتريهات"، من دون أن يكون الحسّ الجمالي (المستلهم من رسومات تلك الفترة من الفن الفرنسي) دخيلا في أية لحظة، بل مُساهما في خلق الإيقاع والمشاعر المناسبة للحكاية.
عنصر قوّة آخر ومهم في الفيلم، يظهر في إدارة المخرجة ممثلتيها أديل هانيل ونعومي ميرلان، اللتين قدّمتا أداء استثنائيا لا يُنسى. فالأولى متمرّدة وغاضبة، تتفتّح حرفيا مع تقدّم الأحداث، تماما كما تتغير رسمتها في لوحات مَريان، من وجه شاحب إلى ابتسامة حقيقية. والثانية تعبّر، بشكل أخّاذ، عن اتّقاد، تحاول دائما أن تُبقيه مكتوما. عيناها، الملهوفتان والمراقبتان، ترويان كلّ شيء عن الحب والعاطفة. 
شراكتهما معا بإدارة مخرجة وكاتبة تمتلك درجة رفيعة من الحساسية والنضج، جعلت الفيلم أحد أفضل أفلام 2019 من دون شكّ.

دلالات

المساهمون