سيريل العريس يُلاعب الموت في "المرجوحة"

13 اغسطس 2018
الصورة
أنطوان في "المرجوحة" لسيريل العريس (الملف الصحافي للفيلم)
تتكاثر الأفلام الوثائقية اللبنانية المعنيّة بالعائلة. تبدو هذه الأخيرة (العائلة) أقدر المساحات الإنسانية على تقديم عوالم متفرّقة، تتناول أحوالاً وحكايات وراهنًا وتأمّلات وذكريات ومواجع وتمنّيات ومصائب وعلاقات. تبدو أقدر على إيجاد ركائز بصرية ودرامية وفنية تصنع سينما وثائقية أمتن وأجمل في سردها ذاكرة مستمدّة من فردٍ ينفتح بمروياته على الجماعة، أو من جماعة تُروى حكاياتها عبر فردٍ واحد.

التجارب عديدة. الأعوام الفائتة شاهدةٌ على وفرة في العدد لن تحجب جماليات سينمائية في صناعة وثائقيّ معنيّ بأهلٍ وأقارب. سينمائيون شباب ـ ينتمون إلى جيل منبثق من الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990)، أو مما بعدها بقليل ـ يغوصون في ماضي أهل وأقارب، وفي حاضرهم أيضًا، كي يوثّقوا مروياتهم، محوّلين فصولاً كثيرة منها إلى نتاجٍ سينمائيّ باهر وصادم ببهاء صُوَره ولغته السردية وأدواته الفنية واشتغالاته التقنية والبصرية. الأسماء كثيرة: غسان سلهب وسيمون الهبر وإليان الراهب وزينة صفير ورامي نيحاوي ورنا عيد ورين متري وأحمد غصين وداليا فتح الله. هؤلاء وغيرهم يُفكّكون الماضي (أو بعضه) بحوار سينمائيّ مع أحد أفراد العائلة (أب، أم، عمّ)، ويُطوّرون النتاج الوثائقي اللبناني، محرّرينه من تسجيلية تقليدية وكلاسيكية باهتة تخضعان للإيديولوجيا والقضايا العامّة، وتُنجَزَان بشكلٍ تلفزيوني، علمًا أن هذا النمط ينقرض تدريجيًا، إنْ لم ينقرض كلّيًا بعد.

وإذْ تطغى الذاكرة، الفردية والجماعية، على مرويّات الأهل في أفلام أبنائهم/ بناتهم، وهي ذاكرة مفتوحة على سيرتين متداخلتين إحداهما بالأخرى (ذاتية وعامة، مع غلبة السرد الشفهي الذاتيّ ونظرة الراوي إلى أمورٍ عامة أو شعوره بها أو متابعته إياها)؛ فإن ألم الموت نواة فيلمٍ لبنانيّ جديد للمخرج سيريل العريس، الذي يمتلك رصيدًا من الأعمال القصيرة، قبل إنجازه أول وثائقي طويل له بعنوان "المرجوحة" (لبنان، 2018، 74 د.)، المُشارك في مسابقة الأفلام الوثائقية في الدورة الـ53 (29 يونيو/ حزيران ـ 7 يوليو/ تموز 2018) لـ"مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي"، في عرضٍ دولي أول.



لن يكون سهلاً التغاضي عن اللعبة التي يمارسها سيريل العريس في "المرجوحة". فهو، باختياره موت شقيقته ماري ـ تيريز نواة جوهرية للبناء الدرامي للوثائقي هذا، يسعى ـ بشكلٍ أو بآخر ـ إلى ممارسة لعبة المواجهة مع الفقدان رغم قسوته، ولعبة الحِداد مع الوالدين رغم انغماس أحدهما (الوالد أنطوان) في متاهات النسيان وثقل العمر وتعب الجسد، ورغم وقوع الآخر (الوالدة فيفيان) في جحيم الحزن وكوابيسه، وفي معجزة التوازن بين ألم عيشها في ظلّ رحيل الابنة، والمحافظة على هدوء عميق إزاء الأب/ الزوج، الذي يبدو أنه غير مُدرك مُصاب العائلة برحيل الابنة هذه.

واللعبة، إذْ تبدو مزيجًا من السينمائي والإنساني والجمالي واليومي، فاتنةٌ بقدرتها على ابتكار رحلة محفوفة بأنماطٍ شتّى من المخاطر النفسية والروحية والمعنوية، مع أن سيريل العريس متمكّنٌ، بحسب السياق السرديّ لـ"المرجوحة"، من التحكّم بتلك اللعبة ومخاطرها، وبتلك الكواليس ومتاهاتها، وبتلك الكوابيس ومصاعبها، منجزًا بهذا كلّه فيلمًا شفّافًا وقاسيًا، بقدر شفافية التفاصيل اليومية للزوجين والمحيطن بهما، وبقدر قسوة المُصاب وتأثيراته الحادّة.

لكن اللعبة غير مرتبطة بتسلية أو بتصنّع الانفصال عن الواقع ومشاغله المنبثقة من الفقدان. فهي جزءٌ من فعلٍ إنساني يدفع سيريل العريس إلى مخاطبة الموت في كلّ لحظة من لحظات السرد، وفي كلّ خطوة من خطوات المواجهة، وفي كلّ مفردة من مفردات العيش على التخوم الحادّة والواهية (في آن واحد) مع الموت وأسئلته وإفرازاته وحضوره، كمن يلعب به.

و"المرجوحة" غير معنيّ ـ فقط ـ بأسئلة الموت وماهيته، وبأسئلة الحياة وما بعدها، وبأسئلة الاغتسال/ الحِداد وضرورته ومتطلباته، لأنه منسجمٌ مع فكرة "بسيطة" لكنها عميقة، تقول بإلغاء كلّ حاجز بين الكاميرا والشخصيات، وبـ"نقل مباشر" لأحداث وتفاصيل وانفعالات ومشاغل كما هي، وبمتابعة يوميات أناسٍ يعيشون إما على حافة العمر والحزن أو في قلب الحزن والألم، أو في المسافة الوسطى بين رغبة الانعتاق المطلق من مواجع الفقدان وضغط الرفض المبطّن أو اللاواعي لقبول الموت والتصالح معه؛ فإذا بالمونتاج (سيريل العريس نفسه) يصنع جمالية اللغة السردية والنص المروي والفضاءات المفتوحة على تساؤلات والتباسات ومشاغل.

فالموت يخطف شابّة هي ابنة وزوجة وشقيقة وأم وإنسانة. والموت يخترق العائلة عبر الشابّة نفسها، فتأتي كاميرا سيريل العريس إلى تلك المنافذ التي تُتيح للموت تسلّلاً إلى داخل العائلة، كي تتمكّن (الكاميرا) من التقاط مناخٍ وشعورٍ ورغبات وانكسارات وخيبات وذكريات. وهذا كلّه لن يحول دون تورّط مباشر لسيريل العريس نفسه في اللعبة التي يريد ممارستها في تحدّي الموت، عبر انشغالٍ بما تقوله أم مُدركة رحيل ابنتها من دون قدرة على قبول الرحيل، وبما يعيشه أبٌ في صراع خفي وهادئ مع النسيان والشيخوخة والتفاصيل المملّة في يومياته المثقلة بالمرض والعجز (الجسدي) والسعي إلى جعل بعض الماضي علاجًا من سقوطٍ مدوّ في راهنٍ مضطرب. وإذْ تُدرك الأم ـ كجميع أفراد عائلتها باستثناء زوجها ـ رحيل الابنة؛ فإن الأب يبقى أسير الالتباس المُستخدَم بجمالية سينمائية: أهو عارفٌ بموت الابنة، فيستيعن بحالته للاطمئنان إلى ذاته في عيشٍ داخلي مع حزنٍ لن ينضب، بمعزل تام عن كلّ خارج حوله؛ أم أنه غير عارف وغير منتبه وغير مدرك؟

لـ"المرجوحة" سطوة الوثائقيّ الذي يصنع جمالاً سينمائيًا من موت شابّة كأنه يريد احتفالاً بشبابٍ منتهٍ في الموت، أو كأنه يرغب في شفاء عبر الكاميرا، أو كأنه يسعى إلى توثيق لحظة إنسانية مع أفرادٍ يواجهون الموت والنسيان.
تعليق: