سيرة مجهولة للملك الحسين.. الخمسينيات ودعاية عبد الناصر ومحاولة اغتيال

17 يناير 2020
الصورة

الملك حسين خلال مؤتمر صحفي في عمان (25/8/1958/Getty)

+ الخط -
السيرة الذاتية وعيٌ بالذات والزمان، وإدراك للتحوّلات، إن كانت تتجاوز الفردانية، واللحظة التاريخية بلغة هيغل. ولكن التاريخ لا يكتبه المؤرخّون وحسب، بل يسهم به الفاعلون الذين يشاركون الأحداث التحكّم بمصائرها أو التاثير بها. والسيرة والمذكرات، أيُّ سيرةٍ، تعدّ نثراً أدبياً، يتعدّى صاحبها إلى زمانه وعصره الذي عاش، كما الذي تكشفه سيرة ملك الأردن الراحل، الحسين بن طلال (1935 - 1999)، الأولى التي كتبها ونشرت أوائل السبعينيات من القرن العشرين، حلقات في صحيفة ديلي ميل اللندنية، في إحدى عشرة حلقة. وقد اختار فيها أن تكون بداية قصة حياته بمدخل بسيط عن جدّه الملك المؤسس، عبدالله، وتطلعات الجد للحفيد بالحكم: "أرجو الله، يا بني، أن تدرك أنك ستتولى المسؤولية في يوم آت" (ص 7).
وبذلك تجاوز الملك حديث الطفولة، ليضع القارئ أمام أزمات الشاب التي كان عليه أن يواجهها، لكنه يختمها بحدثٍ سعيد أخذ عنوان "وأخيراً لقيت السعادة" (ص: 83 - 88) وهو زواجه من الأميرة منى، والدة الملك عبدالله الثاني. وبين الحدثين، تولي الحكم والزواج الثاني، جاءت موضوعاتٌ سياسيةٌ بحتة هي: قصة حلف بغداد وتسريح قائد الجيش الأردني، الجنرال كلوب، وتشكيل حكومة سليمان النابلسي، وفتنة الزرقاء ومنع البترول عن الأردن 1958، و"وطائرات الميراج تهاجم طائرتي" ومؤامرة جديدة و"ومحاولة قتلي بالأسيد".
وهذه هي السيرة الأولى للملك الراحل الحسين، وكشفت عنها أخيرا دائرة التوثيق في الديوان الملكي، وأعادت طباعتها، وأصلها موجود ومطبوع على الآلة الكاتبة. ولاحقاً صدر للحسين أكثر من كتاب في صيغة حوار وسيرة، منها: "مهنتي كملك"، و"ليس سهلاً أن تكون ملكاً"، و"حربنا مع إسرائيل". ولكن ما يُميز هذه السيرة الموجزة أنها بنيت على أساس الإشارة إلى الأزمات الأولى في الخمسينيات، وكتبت منظمةً وبعناية مختارة للأحداث والمعاني. وكان على الملك أن يواجه قيادات الإقليم الطامحة عربيا، وتداعيات ما بعد النكبة والصراع الغربي الرأسمالي السوفييتي، وصعود القومية التقدمية العربية.
بعد تسلم العرش
أولى أزمات الحسين في هذه السيرة كانت في القدس العام 1951، والتي جعلته يواجه أزمةً 
وجودية، ذات رحلة برفقة جدّه عبدالله الأول التي فقد الشاب الصغير فيها جده أمام عينيه صباح يوم الجمعة 20 يوليو/ تموز 1951، وتناله رصاصة طائشة كادت أن تصيبه، لولا أن الوسام الذي ألبسه إياه جدّه تلقاها فحال دونها، بقوله: "وكانت لحظةً تراءى لي أنه لا نهاية لها، وقف القاتل ساكناً وكأنه قد فقد جميع طاقته على الحركة، وكانت ترقد قربي جثّة جدي، ولم أدرك حقيقة ما وقع .. وتبيّن لي أن أكثر أولئك الذين يدّعون صداقة جدّي أخذوا يمعنون بالفرار في كل اتجاه، وأني لا أستطيع أن أتصوّرهم الآن، إنهم رجالٌ مرموقون ومن رجال الدولة. هؤلاء كانوا، في تلك اللحظات، يركضون كمن أصابهم مسّ من الذعر.." (ص 11). وهكذا كان الحسين يرى دعاة الإخلاص والولاء يفرّون مُدبرين تاركين إياه وحيداً أمام جثّة جدّه، فأيّ درسٍ تلقاه الشاب الذي لم يكد ينهي السادسة عشرة من عمره آنئذٍ.
الحسين بن طلال (14/11/1959/Getty)
يتولّى الحسين العرش بعد عزل والده بصورة مفاجئة، ويصبح ملكاً وهو في إنكلترا: "وعندما حلّت العطلة الصيفية، أسرعت بالسفر إلى فندق "بوريفاج" على شاطئ بحيرة جنيف.. وفي صباح اليوم الثاني عشر من شهر آب عام 1952، ذهبت ووالدتي وأشقائي لشراء بعض الحاجيات، وبقيت وحدي في غرفة النوم، أمتّع نظري برؤية أسراب البط وهي تعوم في البحيرة، وبعد برهةٍ قرع الباب، ودخل واحد من نُدل الفندق، وهو يحمل صينية فضية فوقها رسالة. ولم تكن بحاجة إلى فتح غلافها، كي أعلم أن أيام دراستي قد انتهت، فقد كان العنوان (جلالة الملك حسين) كافياً.. وفضضت الغلاف، وأنا أتنهّد، وكانت الرسالة من رئيس الوزراء، وفيها يعبر عن أسفه لتنازل والدي عن العرش، ثم ينبئني أني أصبحت ملك الأردن.." (ص 15).
يغادر الحسين لندن متوجها إلى الأردن، ويستقبل في مطار المفرق "كانت أرض المطار غاصّة بالمستقبلين .. لقد كان ترحيب الشعب بمقدمي بالغاً أقصى الحدود، كانت الجماهير تبعث بمشاعر التشجيع والتعاطف إلى نفس فتى في السابعة عشرة من عمره، أفَلَى نفسه فجأة يتسلم منصب الملوك. وقمت بسلسلة الزيارات، زرت خلالها المدن والقرى... وانتهت الزيارات، وتساءلت وماذا بعد؟" (ص 16-17).
رجال للملك في ملاهي دمشق وبيروت
محور مهم ذهب إليه الحسين في مذكّراته، وهو تقييمه رجاله، ورصد مواقفهم، وحسرة على مآلات بعضهم، أو تفهم أو عتبة أو حزن لمصائر الرجال الذين تركوا قائدهم ذات لحظة صعبة وحيداً يواجه خصومه، لا بل كانت تصل إليه أخبار سهراتهم ومجونهم في نوادي دمشق الليلية. كانت القلاقل مُقبلة على البلاد في صيف 1957، ففي الأسبوع الأول من ذلك العام، يخبر الحسين أن ضابطاً لبنانياً جاء إليه "وبينما كنتُ وحيدا في تلك الليلة، وفدَ ضابط من بيروت ملتمساً مقابلتي، وأخبرني هذا الضابط أنه شاهد عدداً من ضباطنا ينفقون الأموال بسخاء في ملاهي بيوت ودمشق، أموال أكثر بكثير مما يَدر عملهم.. وأخذنا نتتبع بعض كبار ضباطنا وساستنا وهم ينفقون المبالغ الطائلة خارج البلاد".
كانت جاذبية المدّ القومي والشيوعي هي السبب في ذلك المجون والتمادي على الوظيفة. يقول 
الحسين في هذا السياق: "استهدف التسلل الشيوعي والناصري عديدا من رجالنا المرموقين في الجيش والإدارة، وكان من بين من استهدفوا اللواء أبو نوار رئيس أركان القوات المسلحة الذي كان من أصدقائي المقرّبين. كان أبو نوار يقابل بصورة منتظمة الملحق العسكري السوفييتي بدمشق. وممن وقع تحت النفوذ الناصري والشيوعي عبدالله الريماوي وزير الدولة للشؤون الخارجية..". ويمضي الحسين بوصف تلك الحقبة بقوله "كان الريماوي ووزراء آخرون يسافرون بانتظام بعد جلسات مجلس الوزراء المهمة إلى دمشق، ويعودون في الصباح، وقد أبلغ رجال المخابرات السورية رئيس الديوان الملكي بذلك" (ص 40).
يزيد على ذلك بالقول، موضحاً ارتهان الساسة والوزراء إلى عواصم الجوار "وبما أن أفراداً معينين من رجالات حكومتي باعوا أنفسهم لدمشق أو لعملاء السوفييت في سورية، فقد كان هدفهم الرئيسي أن ينشئ الأردن علاقاتٍ دبلوماسيةً مع الصين الحمراء وروسيا، غير أنني رفضت هذا الاتجاه بكل صداقة وإباء..". (ص 41).
لم تغادر الأزمات حياته ولا مصائر بلده، بعد حادثة استشهاد جدّه الملك المؤسّس، فما كاد يتسمل العرش حتى كان عليه أن يواجه بدايةً صعود الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، إثر ثورة يوليو 1952 في مصر حتى أطلت أزمة حلف بغداد 1955 جديدةً واجهها الملك الشاب، وكان عليه أن يتعامل معها بحذر ورويّة، فيقول: "وزرت القاهرة وسألنا عبد الناصر عن موقفه .. فأجابني بقوله إن التسرّع البالغ الذي تألف به الحلف ليضم دولة عربية واحدة .. لم يكن من الحكمة في شيء .. ووافقت عبد الناصر على رأيه .. ومع أن عبد الناصر كان في منتهى الأدب معي، غير أن ذلك لم يخل دون تهجم راديو القاهرة عليّ، فسألت عبد الناصر مستغرباً إصراره على الحملة الإذاعية ضد الأردن، فارتسمت على ثغره ابتسامةٌ خلابة، وأجابني قائلاً: هذه هي المرة الأولى التي أسمع بها الأمر (ص 23 - 24).
لم يكن عبد الناصر زعيماً عادياً آنذاك في نظر الحسين، وعندما أعلن في 25 سبتمبر/ أيلول الصفقة التاريخية للأسلحة (التشيكية) بين مصر والاتحاد السوفييتي في 1955، حتى وجد الحسين جلّ الأردنيين كما يقول: "يستمعون بشغف إلى إذاعة القاهرة ويرون عبد الناصر المنقذ المنتظر". وهنا يؤكد الملك أنه وقع بالإعجاب بالرئيس المصري قائلاً: "كان هذا شأن الكثيرين، وفيهم أنا نفسي فقد خيل لنا لأول وهلة أن تلك الصفقة هي أفضل ضمان لنا في المستقبل ضد إسرائيل .. وكل ما كنا نراه إذ ذاك هو أن عبد الناصر هو أول سياسي عربي أزاح فعلاً أغلال الغرب، وعلي أن أعترف الآن أنني تحمّست لوجهة النظر تلك إلى حدّ بعيد (ص 24). ولا يخفي تأثره بموقف عبد الناصر من الغرب، ولم يكن بمقدوره إخفاء إعجاب شعبه أيضاً "لقد ابتهج بذلك سواد الشعب الأردني" (ص 24).
طرد كلوب باشا بتأثير عبد الناصر
من المهم في هذه السيرة أن الحسين لأول مرة يضع التفكير بطرد قائد الجيش الأردني، الجنرال كلوب باشا، وتعريب الجيش، تحت تأثير ذلك الإعجاب بالرئيس عبد الناصر، بقوله: "وفي غمرة تفكيري بخطوة لا بدّ لي أن آخذها أخذت على نفسي أن أضع حدّاً للتذمر المتزايد من بقاء كلوب وضباط بريطانيين آخرين يقودون جيشي" (ص 24). ولاحقاً يزور الرئيس التركي، جلال 
بايار، عمّان في يوم 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1955، ويدور الحديث عن انضمام الأردن لحلف بغداد، ويتحدّث الحسين معه عن الأردن وخسائره في حرب 1948، وعبء اللجوء الفلسطيني، فينصحه الرئيس التركي بالكتابة إلى بريطانيا بذلك، ويسلم مذكرة للسفير البريطاني. ثم يزور رئيس أركان القوات البريطانية، المارشال جيرالد تمبلر، عمّان، لبحث قضايا الدفاع، ويدور الحديث عن الانضمام لحلف بغداد وإغراءاته. ويقرّر الملك إحاطة عبد الناصر علماً بما جرى. "وقرّرت أن لا أفعل شيئاً خفية عن عبد الناصر، وأرسلت رسالة شخصية تتضمن تفاصيل المحادثات مع قائد اللواء عبد الحكيم عامر الذي كان يزور الأردن، ليوفد عبد الناصر أحد كبار موظفيه لبحث الأمر مع الملك، ثم يرسل رسالة يبارك بها الانضمام (ص 25).
ولم يكن الحسين يعلم أن ما قصده عبد الناصر يعني إدخال الحسين في أزمة داخلية "كانت الرسالة تبعث على التفاؤل، فقمنا بكتابة مذكرة مسيرية لا تلزمنا بالانضمام إلى الحلف، ولكنها تخوض في بحث التفاصيل. وفجأة وبغير إنذار، شن المصريون على الأردن حملات دعائية معادية .. وفي بعض ساعات، مزّق هدوء عمّان شغب صاخب، فدعاية عبد الناصر كانت سلبت الناس رشدهم، وجذبتهم إليه (ص 26).
الملك حسين مع جمال عبد الناصر في القاهرة (2/1/1967/Getty)

هنا من المهم التثبت وقراءة مصدر معاصر غير شهادة الحسين، فهذا التصعيد ضد حلف بغداد لم ينته في يوم وليلة، فقد أصرّت القيادة القطرية لحزب البعث على الاجتماعات المتكرّرة لرفض الحلف، وانتهى الأمر بإسقاط حكومة هزّاع المجالي، بعد ستة أيام على تشكيلها في 21 /12 /1955. وعُهد إلى إبراهيم هاشم بتشكيل الحكومة، لكنها حكومة لم يطل مقامها، فاستقالت في 7 /1 /1956. وفي اليوم التالي عهد إلى سمير الرفاعي بتشكيل الحكومة، وهو الذي يصفه بهجت أبو غربية في مذكراته: "وكان معروفا باستبداد ومرفوضا من الحركة الوطنية الأردنية" (بهجت أبو غربية، المذكّرات، ص 116). وتحت الضغط الشعبي العنيف، أعلنت حكومة الرفاعي بيانها الوزاري أمام النواب العودة عن سياسة حلف بغداد، كما كتب بهجت أبو غربية في مذكّراته ( ص117).
فتنة الزرقاء ومصير قائد الجيش
تأخذ حكومة سليمان النابلسي (أكتوبر/ تشرين الأول 1956 – إبريل/ نيسان 1957)، وهي الحكومة الحزبية الوحيدة في تاريخ الأردن، حيزاً جيداً من المذكّرات، بيد أنها لم تستمر طويلاً، فانتهت مبكّراً، وكان مصدر التوتر أن الحكومة أرادت تمتين علاقات الأردن مع المعسكر الشيوعي: "لقد أرسل صلاح البيطار وزير الخارجية السوري فعلاً رسالة إلى الحكومة الأردنية يقترح فيها أن توثق صداقتها مع الشيوعيين، وعندما عرض النابلسي رسالة البيطار على الحكومة، كدت أتميّز من الغيظ، إذ لم أًطق محتويات الرسالة وما يترتب بسببها من التزامات على الأردن.." (ص 41).
وجه الحسين إلى حكومة النابلسي كتاباً مبيّناً فيه مخاطر الشيوعية "بأشدّ نبرة ممكنة". وفي اليوم التالي، طلب النابلسي مقابلة الملك "ومعه أبو نوار والريماوي وغيرهما من الوزراء اليساريين، وطلبوا مني تعديل نبرة كتابي، فأجبتهم بالرفض". ولم يكن الحسين واثقاً من التزام الحكومة، وهو يعترف بأن في يد النابلسي ورقة رابحة واحدة "حين كان يخطّط لاتخاذ خطوة الاعتراف بالصين الحمراء وإنشاء علاقات دبلوماسية مع السوفييت...".
وفي إثر ذلك الرفض، يقول الحسين: "أعقبت الإجراءات حوادث شغب، قادها سياسيون
وعسكريون غير موالين للقصر، ورفضت قوات الأمن أن توقفهم عند حدّهم، وألقى سليمان النابلسي رئيس الحكومة خطاباً نارياً على حشد كبير في ساحة عمّان الرئيسية، وكان إلى جانبه آنذاك عيسى المدانات أحد المهيجين الشيوعيين البارزين..." (ص41).
في صباح نيساني من 1957، يُخبَر الملك أن ضابطا من الكتيبة المدرّعة الأولى، اسمه عبد الرحمن السبيلة، يرغب بمقابلته منفرداً، وكان مفوّضا من أفراد كتيبته وضباطها ويدور الحديث. الملك: "وسألت الضابط إلى أي مدى بلغت الأمور، يا ترى؟ فأجابني بصوت عميق وعيناه تلمعان ببريق العزم والتصميم: يا صاحب الجلالة، لقد انتشر الخونة في كل مكان، خلا كتيبة المدرعات الأولى، فهلّا وضعتم ثقتكم فينا سيدي...". ويستمر الحسين برواية تفاصيل التمرّد: "وقد أعلمني الضابط أن قائد الكتيبة أسرّ لبعض الضباط الذين يأتمرون بأمره أن خطّة ما أعدّت للتنفيذ عند أول إشارة".
استقل الحسين سيارته بعد ذلك وذهب إلى الزرقاء. وكان عليه أن يغامر، ومعه قائد الجيش علي أبو نوار (1924 - 1991) الذي انسحب فجأة، قائلا: "أرجو أن تسمح لي سيدي بالعودة لعمان، فأجبته ولماذا؟ فقال لقد سمعتهم يهدّدوني بالفعل، وأنا امرؤ ذو عائلة وأطفال..". يقول الملك: "فأمرت سائقي بالوقوف وأنا أشعر بالاشمئزاز، وقلت لأبو نوار اخرج وعد وانتظرني بالقصر. وهكذا رأيتني أركض إلى المجهول من دون قائد جيش لأواجه تمرّدا في القوات المسلحة (ص 44).

الملك حسين والملك سعود وجمال عبد الناصر وشكري القوتلي في القاهرة (7/2/1957/Getty)
ينتهي الأمر بلقاء الحسين بالجند ومخاطبتهم، بيد أن النهاية الدرامية كانت صعبةً على قائد الجيش، علي أبو نوار، المنتمي للمخطط الانقلابي وفق المذكّرات، بعد أن صارحه الملك بحقيقة نواياه الانقلابية، وبعد أن ترك الملك وحيداً، تتوالى القصة بالتصعيد "ولمّا وصلت إلى القصر وثبت درجات السلم وثباً لأواجه أبو نوار، وكان البهو الأمامي مزدحما بالجند الموالين من الكتيبة المدرّعة... إلا أن نقيباً من الكتيبة أوقف أبو نوار وهو على الدرج، بعد منعه من الاقتراب منهم، وكان النقيب يحمل رشّاشاً ويحدق برئيس أركانه بنظراته: ثم خاطبه بقوله: "لو لم تكن في قصر الملك، لألهبت رأسك بالرصاص، ومزقتك شرّ ممزّق.. ". وكان أبو نوار حين وصلت إلى القصر في حالة انهيار تام، وأخذت أفكّر ما عساي أن أفعل بهذا الرجل الذي كان يوما ما صديقا مقرّباً.. وهو ذا يذرف الدموع أمامي الآن، طالباً مني أن أصون حياته..." وما كان من الحسين إلا أن ينحاز لإنسانيته "وسأله الحسين ماذ تريدني أن أفعل؟ فقال: هل أستطيع أن أنال إجازة لأسبوعين، أقضيها في إيطاليا... فقلت: حسناً فاذهب.. وفي اليوم التالي رحل أبو نوار وعائلته إلى دمشق ولم يعودوا منذ رحيلهم.. (ص51).
في المحصلة، انتصر الملك لإنسانيته، بيد أن المفارقة تكمن بأن قائد الجيش المنقلب يطلب إجازة لحظة إحباط مخططه. والأغرب أن الحسين يمنحه فرصة الخروج بنيّة العودة بعد أسبوعين. وحين كتبت المذكرات ونشرت، كان قد مرّ على تلك المحادثة سنوات، ولم يعد أبو نوار.
محاولة اغتيال بالأسيد
يُسمي الحسين صيف العام 1958 بالصيف المشؤوم "كان مصرع ابن عمي فيصل، ملك العراق، في يوم الاثنين الرابع عشر من تموز، مصيبةً من أشد المصائب التي كان علي أن أواجهها حتى ذلك الوقت بنفسي، وكانت محنة سياسية من أفدح المحن للأردن" (ص 55). ويبدو أن زوال الحكم الهاشمي من العراق بانقلاب دموي جعل الجوار العربي يفكر بأن في الوسع إجراء التمرين نفسه في الأردن. لذلك جربوا محاصرة الأردن وخنقه ومنع وصول البترول إليه. وكانت جميع الطرق التي توصل إلى الأردن قد أغلقت، ما جعل الحسين يدعو المستر توماس، القائم بالأعمال الأميركي "أوضحت له أن الموقف يدعو إلى اليأس.. وعندما كان يتراءى لنا أن كل شيءٍ قد أخذ يسير مسيرة المرجو، فوجئنا بضربةٍ ثانية، ذلك أن أزيز الطائرات المقاتلة توقف فجأة، وما وصل منها سوى 12 طائرة. تساءلت عن السبب الذي حال 
دون هبوط الطائرات في عمّان، وتبين لي خلاف ذلك، وفكّرت أن واشنطن غيّرت فكرها.. وكان السبب الخفي في امتناع السعودية وجود بعض ذوي النفوذ هناك ممن ظنّوا ظنونهم في الأردن، وجعل لهم أن ما جرى كان تدبراً بنهاية البلد" (ص 57). بعد فترة قصيرة، عادت الطائرت تنقل الوقود إلى عمّان، لكنها كانت أياما عصيبة، يصفها الحسين بأنها "كانت أشد مظاهر تلك الحقبة ذلاً وهواناً جاء الوقود آخر الأمر من لبنان، ونقل عبر أجواء الوطن السليب" (ص 58).
لم يكن ذاك الصيف عاديا. يقول الملك :"في ليلة الأربعاء 16 تموز، أتينا على حفنةٍ من المتآمرين الذين كانوا يأملون القيام بانقلاب عسكري، إذ باغتناهم في الوقت المناسب، بعد أن كنا وضعناهم تحت المراقبة، منذ شعرنا بالمؤامرة، فسحقناهم وصادرنا كتب الأوامر التي كان على المتآمرين تنفيذها.. كان موعد الخطة الرئيسة للانقلاب يوم 14 تموز، لكنه تأجل، وبعد أن اطمأننت إلى أن المتآمرين قد احتجزوا في السجن، أويت إلى مخدعي في الساعة الثالثة والنصف صباحا، وهذه أول مرة أنام منذ مصرع ابن عمي الملك فيصل قبل ذلك بيومين.." (ص 61).
وتتوالى المؤامرات على الحسين. في 29 أغسطس/ آب 1960، يقول بلغت حداً من الدهاء والتنوع جعلني أشعر في بعض الأحيان وكأني بطل إحدى القصص البوليسية "وكانت هذه المرة الأكثر حرجاً في آخر لحظة محاولة قتلي بالأسيد". اتصل خالي الشريف ناصر، وقال أتحدث اليك بحضور الفريق حابس المجالي ورئيس الاستخبارات السياسية. وقعنا على أدلة لمحاولة الاعتداء عليكم، من خلال بعض الخدم العاملين في معيتكم.. "وكان يقف وراء تلك المحاولة الجمهورية العربية المتحدة" (ص 75).
خاتمة
... هذه السيرة للملك الحسين مبنية على ضمير المتكلم، فأول ما استخدم بقوله: "وكان ذلك في إحدى الخيام، حين جلست بجانبه (ص 70) يقصد جدّه عبد الله المؤسس، وبعدها يقول "وسمعت جدي"، (ص 90) ثم وتساءلت في نفسي (ص 11). وبعدها اتكأ على الحوار بالضمير نفسه "وسألته بدوري، ثم أجابني متسائلاً" (ص 170)، و"شعرت وأنا في بريطانيا ..." (ص 43، ص 83). فظلّ يردد هذا الضمير الذي ملأ به رواية السيرة. وبهذا، لم يستخدم الملك ضمير الجماعة أو يروي الكلام عن غيره، ربما لحساسيته والرغبة بالحفاظ على رجاله.
ختاماً: تحتاج الحوادث لرواية الآخرين، وتثبيتات معيّنة، فالملك رجل وإنسان يصيب ويخطئ، والحاشية المحافظة حوله قد تكون هوّلت بعض الأمور، لكن الحسين كان يافعاً آنذاك، ويسبح في بحر متلاطم الموج، عبد الناصر والعربية السعودية جنوباً منه، والعراق شاهد نهايته ابن عمّه المأساوية فيه، وفلسطين سليبه، وسورية مرتع ساسته وقادته للقاء بالروس ثم لحقت بمصر ضده، بيد أن الملك تمكن من عبور أشد عقود الأردن حرجاً.