سياوشواي والثورة الثقافية مجدّدًا: العمّال مرايا بلد واجتماع

07 اغسطس 2019
الصورة
جديد وانغ سياوشواي: مصائر شخصيات وتحوّلات بلد (فيسبوك)
ثلاثيّة الصينيّ وانغ سياوشواي، عن الثورة الثقافية في الصين، مستوحاة من سيرته، وسِيَر معارفه. بدأها بـ"أحلام شنغهاي" (2005)، الفائز بجائزة لجنة التحكيم في الدورة الـ58 (11 ـ 22 مايو/ أيار 2005) لمهرجان "كانّ" السينمائيّ الدولي، ثم ألحقها بـ"11 زهرة" (2011) و"نسيان أحمر" (2014).


بعد أعوام على ذلك، عاد سياوشواي، أحد السينمائيين الأهمّ والأبرز في السينما الصينية المعاصرة، مجدّدًا إلى الثورة الثقافية، أو إلى ما يعتبره "أعوامًا مؤلمة في تاريخ الصين، يجب أخذ العبر منها لتجنّب ثورة ثقافية أخرى مستقبلاً" (من دردشة معه، أُجريت في 16 فبراير/ شباط 2018)، وذلك في "من زمان، يا ولدي" (So Long, My Son)، الفائز بجائزتي "الدبّ الفضي" في فئتي أفضل ممثل لوانغ جينغشون وأفضل ممثلة ليونغ ماي، في الدورة الـ69 (7 ـ 17 فبراير/ شباط 2019) لـ"مهرجان برلين السينمائي الدولي"، والمعروض حاليًا في 145 صالة فرنسية.


في جديده هذا، يستوحي وانغ سياوشواي تداعيات القرار الذي فرضته الصين، في نهاية حقبة الثورة الثقافية (1966 ـ 1976)، بإلزام العائلات إنجاب طفل واحد، لتحديد النسل، بهدف عدم تجاوز بليون و200 مليون نسمة في نهاية القرن الـ20. مع إلغاء العمل بهذا القرار، عام 2015، جاءته ـ هو المهتمّ دائمًا بربط مصائر شخصياته بتحوّلات الصين المعاصرة ـ فكرة تحقيق فيلم عن تأثير هذا القرار حينها على مسيرة حيوات الأفراد، وعلى جيل الآباء، الذي ضحّى وعانى بسبب القيادات السياسية، وقراراتها.


في بناء سردي، اعتمد انتقالات مباغتة زمانيًا ومكانيًا، سرد سياوشواي مصائر متقاطعة لعائلات صينية، يمتزج فيها الاجتماعيّ بالسياسيّ والتاريخيّ، على مدى أكثر من 3 عقود. في بداية الفيلم، هناك مشهدٌ ينبئ بالكثير: لقطة بعيدة لأولاد يلهون على شاطئ، ثمّ لقطة مقرّبة لصبييّن، يحثّ أحدهما الآخر على مشاركة الباقين. ثمّ مشهد ثالثٍ، من بعيد أيضًا، لأولاد يصرخون ولكبار يركضون. انتقال مفاجئ إلى مشهد آخر، يستعدّ فيه زوجان (وانغ جينغشون ويونغ ماي) لتناول الطعام، ثم يدخل ابنهما، الذي افترض المُشاهد غرقه، فتطلب الأمّ منه غسل يديه. كأنّ المشهدين يحصلان في زمنين متوازيين. لكن، من الذي غرق إذًا؟ المشهد تمهيدٌ لحدث سيكون المركز، ولأسلوبٍ سيطغى على الفيلم حتى النهاية. فالمخرج يلعب، منذ البداية، على أسلوب الشكّ، واضعًا المُشاهد في حيرةٍ مستمرة ومتابعة مركّزة. وما إن يُحَلُّ لغزٌ في سياق الأحداث، حتى يبرز آخر.
ألغازٌ في فيلم حميميّ، عن مأساة عائلتين، تعيش إحداهما حدادًا عميقًا على ابنها بعد غرقه، وتشعر الثانية بذنبٍ حارق. أسرتان من الطبقة العاملة في الصين، بداية الثمانينيات المنصرمة، حين كان قرار السلطات بالتزام سياسة الطفل الواحد ساريًا. أسرتان تعيشان حياةً تبدو سعيدة، وبينهما علاقة صداقة تبدو متينة. لكن المصيبة توقظ الكثير. كان يمكن للعائلة المفجوعة أن يكون لها ولد ثان، لو لم تُجبَر الأمّ على الإجهاض، بمساعدة صديقتها، التي شعرت بـ"ضرورة " التبليغ عنها للجهات المسؤولة. فهل "التبليغ" نابعٌ من حُسن نية، أم بهدف الحفاظ على منصبها المهمّ في العمل؟
يهتمّ سياوشواي بما يعتبره أخطاء الماضي، وأخطاء الثورة الثقافية، ومنها سياسة الولد الواحد، والإجهاض القسري والوحشي الذي تفرضه السلطات على من لا يلتزم هذه السياسة. وأيضًا، أخطاء الأفراد في محيطٍ، تُسلَّط فيه عيون رقباء، وتنشط حالات تبليغ، تُحيل الأصدقاء جواسيس أحيانًا، يتعاونون مع السلطات.
كما في أفلام عديدة له، يبرع وانغ سياوشواي في كشف تطوّر الصين المعاصرة عبر الطبقة العاملة. يبرز المجتمع العمّالي، في "من زمان، يا ولدي"، بتفاصيله الصغيرة، خارج العمل وداخله، فالمخرج عاش تلك الفترة في طفولته وجزءٍ من شبابه. يسرد شقاءها ونعيمها، والأواصر الحميمة للعائلة والصداقة في لحظات اقتناصها البهجة، وفي تماسكها ومشاركتها المآسي، في حفلات يُقيمها أفرادها نهاية الأسبوع. وأيضًا في مؤامرات تُحاك، وثورات تنشأ حين يستدعي الأمر نشوءها، كما حين قرّرت الإدارة فصل كثيرين بسبب التطوّر التقني. كما يكشف المخرج كلّ ما يحيط به من نفاق وفروض طاعة، وتجلّى هذا بشكل بارعٍ في حفلة توزيع الأوسمة في المعمل على "الأزواج المثاليين"، الذين تخلّصوا "بكل أريحية" من الطفل الثاني قبل ولادته.

ينشغل سياوشواي أيضًا بإبراز المحيط الاجتماعي والمكاني لشخصيات أفلامه، فيعيد بناء حقبة بكاملها، عائدًا إلى أمكنتها وما تبقى منها، فتلتقط العدسة بمهارة وسلاسة تفاصيل تلك الأمكنة، وتحوّلاتها من مساكن قرميدية للعمّال إلى أبنية عالية، وتمرّ على أخرى نجت من الهدم وباتت مهملة، تنتظر ما سيُمْحي حقبةً من حياة الصينيين. وإنْ لم تكن كلّها جنة، فهي حافلة بماضيهم الشاقّ، وذكرياتهم المحفورة على الجدران.
هذا كلّه في قصّة بسيطة وعميقة ومثيرة للمشاعر، تسرد حزنًا دفينًا لفقدان طفل، لكنها تموضعه في إطار تاريخي وسياسي. لا مبالغة في الأداء، أو في إظهار العواطف، ولا سردًا مستقيمًا بل متفرّدًا، يتطلّب من المُشاهد انتباهًا مضاعفًا، وإنْ يكن مُتْعِبًا أحيانًا بتنقّله المستمر والمفاجئ بين فترات زمنية متفاوتة، فيحاول المُشاهد تلمّس أيّ دليل يساعده على إدراك الزمن الذي يدور فيه المشهد، عبر الديكور أو الملابس أو تجاعيد الوجه. يبحث عن علامات وضعها المخرج خصيصًا للمساعدة على عدم إفلات الخيط، لهذا يمدّ له باستمرار خيطًا ما، ويتابع تشويقه للتخلّص من ملل نابع فقط من تعبٍ، جراء اختلاط الأمور عليه.
لامعٌ هو اعتماد المخرج القفز المستمر بين فترات زمنية عديدة، بدلاً من سرد تقليدي لقصّة بعد الثورة الثقافية في بيئة عمالية، عن عائلة تفقد طفلها الوحيد، وأخرى مسؤولة، على نحو ما، عن هذا الفَقَد. يفرّق الزمن بين العائلتين، فهذا كلّه ناتج من تأثير سياسة الطفل الواحد في الصين، وهو موضوع تناولته السينما الصينية سابقًا، واشتغل وانغ سياوشواي نفسه عليه أيضًا، لا سيما مسألة الندم وأخطاء الماضي. ولهذا أثر كبير في تمتّع تلك السينما بالتشويق، ما يمنحها أبعادًا إضافية، وعمقًا أكيدًا.
إنْ ينفد صبر المُشاهد من لعبة المخرج أحيانًا، فهو كوفئ في النهاية بفهم كلّ شيء. وإنْ يكن الفيلم تحفة سينمائية، فإنّه لم يرتقِ تمامًا إلى مستوى ثلاثية وانغ سياوشواي.

دلالات

تعليق: