سياسة ترامب بمواجهة أزمة كورونا: اتهام الجميع باستثناء إدارته

سياسة ترامب بمواجهة أزمة كورونا: اتهام الجميع باستثناء إدارته

12 ابريل 2020
الصورة
يعقد ترامب مؤتمراً صحافياً يومياً للحديث عن كورونا(أليكس وونغ/Getty)
+ الخط -

الصين، منظمة الصحة العالمية، وإدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وحكام الولايات، وخصوصاً الديمقراطيين، والإعلام. هذه بعض الشماعات التي يعلّق عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب فشله الذريع والمستمر في إدارة أزمة وباء كورونا الجديد، بعدما أصبحت الولايات المتحدة، في غضون أسابيع، واحدة من بؤر الوباء الأساسية، وفي الطريق ربما لتصبح البؤرة الرئيسية. وتخطت أعداد المصابين في الولايات المتحدة نصف مليون إصابة، ما يشكل نحو ثلث الإصابات المسجلة رسمياً حول العالم، فيما تقترب الوفيات من عشرين ألف شخص، ما يوازي قرابة خمس الضحايا حول العالم كذلك.

لكن الأرقام الحقيقة، كما يرجّح خبراء، أعلى بكثير مما هو معلن إلى حدّ الآن، في ظلّ استمرار النقص لناحية إجراء الفحوصات، والسماح في الغالب لأولئك الذين لديهم عوارض قوية فقط بالقيام بها. وحتى الانفراجات الصغيرة التي تُسجَّل، كتراجع عدد الأشخاص الذين يحتاجون للعناية المركزة في المستشفيات في نيويورك، بسبب الحجر المنزلي المستمرّ منذ ثلاثة أسابيع، كما يقول مختصون، يحاول ترامب أن يستغلها للحديث مجدداً عن إعادة فتح سوق العمل بنحو واسع، من دون أن يكون هناك ما يكفي من معطيات وإجراءات للقيام بخطوة من هذا القبيل.

فماذا تعني مثلاً عودة الأمور كما كانت في مدينة نيويورك التي تعدّ واحدة من بؤر الوباء في الولايات المتحدة؟ وهل هذا ممكن في الوقت الحالي؟ فالعودة إلى العمل والمكاتب والشوارع المزدحمة ومترو نيويورك والباصات والقطارات الآتية من الضواحي إلى المدينة لنقل العاملين والسيارات وغيرها، والتي تنقل الملايين، ليست آمنة، وخصوصاً أنّ نسبة من الأشخاص الذين يحملون الفيروس لا تظهر عليهم أي عوارض، ومع ذلك يمكنهم نقله، بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية.

وبإلقاء نظرة سريعة على مترو مدينة نيويورك فقط، الذي كان يسجّل قبل أزمة كورونا نحو خمسة ملايين راكب يومياً، يُلاحظ أنّ هذا العدد انخفض منذ بداية الأزمة وإعلان حالة الطوارئ والحجر المنزلي، بنسبة 90 في المائة تقريباً. كذلك إنّ العودة إلى العمل خلال الأسابيع المقبلة، مثلما يلوّح ترامب، من دون أي خطة حذرة ومدروسة، ستعني ازدحام الناس مجدداً في ساعات الذروة الصباحية والمسائية، مع ما يحمله ذلك من خطر عودة تفشي الوباء، ومن موجة جديدة، من دون أن تكون المدينة قد خرجت من الموجة الأولى بعد. وهو ما تحذّر منه منظمة الصحة العالمية عموماً والخبراء في إدارة ترامب نفسه.

بالإضافة إلى ذلك، إنّ قرار العودة لفتح المحال التجارية والعمل بشكل واسع، أمر ضمن نطاق سلطة المدن وحكام الولايات وليس الرئيس. لكن ترامب يحاول باستمرار إطلاق بالونات اختبار لأفكار تدور في رأسه، وللاستهلاك المحلي بين مؤيديه، أو إلقاء اللوم على الآخرين، كاستراتيجية لإبعاد الأنظار عن فشل إدارته المستمر في القيام بوظيفتها.

وكان قد انخفض عدد الأميركيين الذين وافقوا على كيفية تعامل ترامب مع الاقتصاد في ظلّ أزمة كورونا، إلى 48 في المائة أخيراً، بعدما كانت نسبة هؤلاء تبلغ 54 في المائة في مارس/ آذار الماضي، وفق استطلاع رأي حديث أجرته شبكة "سي أن أن".

كذلك كانت نسبة الذين استحسنوا أداء ترامب قبل أسابيع قد وصلت إلى 48 في المائة بحسب الاستطلاعات. لكنها تراجعت أخيراً، لتعود إلى مستوى ما قبل إعلان حالة الطوارئ وتفشي كورونا، أي بحدود الـ42 إلى 45 في المائة. ويقول خبراء إنّ الارتفاع في الشعبية الذي كان سجّل ببداية الأزمة طبيعي، إذ يقف الأميركيون في العادة داعمين لرؤسائهم في فترة الحروب أو الأزمات. لكن "شهر العسل" هذا لم يطل، وكان قصيراً على ما يبدو لأسباب عديدة، من بينها استمرار الأزمات التي تشهدها المستشفيات، وعدم وصول الأموال اللازمة من حزمة المساعدات التي أُقرَّت أخيراً، بالسرعة المطلوبة للمحتاجين من العاطلين من العمل الذين يصل عددهم إلى الملايين، فضلاً عن مغالطات الرئيس المتواصلة في المؤتمرات الصحافية التي يعقدها.

ولا يبدو أنّ أزمة المستشفيات ستشهد انفراجاً في المدى المنظور. فهناك نقص في أجهزة التنفس الصناعي، وإجراء الفحوصات، وأجهزة وأدوات الحماية الأساسية للكوادر الطبية والعاملين في الصفوف الأمامية، كالكمامات والقفازات. فضلاً عن بدء زحف الفيروس من ولايتي نيويورك ونيوجيرسي في الساحل الشرقي، وولايتي كاليفورنيا وواشنطن في الساحل الغربي، إلى وسط الولايات المتحدة وجنوبها، حيث تتركّز تكتلات كبيرة من مؤيدي ترامب، ما يشعره بالقلق. وبالتالي، يفسّر هذا الأمر تصعيده المفاجئ الثلاثاء الماضي، ضدّ منظمة الصحة العالمية، وتهديده بقطع المساهمات الأميركية لها، وغيرها من الإجراءات والانتقادات الخارجة عن سياقها، التي تحمّل المنظمة مسؤولية أكثر مما تحتمل.

ويأتي ذلك ضمن استراتيجية يحاول من خلالها ترامب أن يبعد الأنظار عن الفشل المستمر وعدم مقدرة إدارته على التعامل مع الأزمة، ولا سيما في ظلّ ظهور تقارير إعلامية تشير إلى أكثر من تحذير وصل من قبل مؤسسات فدرالية لحكومته، من انتشار الوباء وعدم جاهزية الولايات المتحدة ونظام الطوارئ لمجابهته، إلا أنّه تجاهلها، وآخرها كان في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي.

ويبدو أنّ هناك شخصاً آخر يقف عائقاً في الوقت الحالي أمام الرئيس الأميركي، وهو ترامب نفسه. اتخذ الأخير منذ بداية الأزمة من المؤتمر الصحافي اليومي الذي يعقده، منصةً للوصول إلى بيوت شريحة واسعة من الأميركيين. وقد امتدت هذه المؤتمرات أحياناً إلى قرابة ساعتين، وهي تبدأ في العادة بترامب، وهو يقرأ من بيان مكتوب ليسمح بعدها لنائبه مايك بنس،  ولمختصين في مجالات عدة، ضمن فريق الطوارئ، بتقديم مداخلات قصيرة. واللافت أنّ عدداً كبيراً من هؤلاء يبدأ مداخلته، بمن فيهم نائب الرئيس، بكيل المديح لعمل ترامب والخطوات التي اتخذها، ثمّ يفتح الأخير المجال للأسئلة الصحافية، التي كثيراً ما تتطور إلى مناوشات وإهانات للصحافيين. وحتى حينما يحاول بعضهم توجيه الأسئلة إلى أحد المختصين، قد يقاطع ترامب ويجيب بنفسه عن السؤال.

بدت تلك الاستراتيجية ناجحة في البداية، إذ استمر ترامب في "طمأنة" الأميركيين إلى عدد من الأمور، من بينها أنّ الفحوصات ستكون متاحة للجميع، لكن الوقائع على الأرض كذّبت هذه الادعاءات. ويبدو أنّ عدداً من مساعدي الرئيس وحلفائه داخل الحزب الجمهوري، بدأوا يشعرون بالقلق من الآثار السلبية للمؤتمرات الصحافية التي يعقدها. فقد اقترح عليه السناتور الجمهوري ليندسي غراهم، وهو من أشرس المدافعين عنه، بعدما كان من أشرس المهاجمين له قبل انتخابه، قبل أن يصبح أخيراً أحد مستشاريه غير الرسميين، أن يجري المؤتمر مرة في الأسبوع، لأنّ ذلك قد يكون أكثر فعالية. لكن ترامب يبدو متمسكاً بأداء الدور الرئيسي في المسرحية اليومية.

لا شكّ في أنّ مع تبعات فيروس كورونا الاقتصادية والاجتماعية والصحية، سيكون هذا الوباء وتداعياته الموضوع الرئيسي في حملات الانتخابات الرئاسية، في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، ولعل هذا ما يفسّر قلق ترامب وإصراره على إعادة تحريك عجلة الاقتصاد بسرعة. فازدهار الاقتصاد الأميركي وتعافيه في مرحلة ما قبل كورونا، كان يعدّ أهم إنجازات ترامب، ودليلاً على المسار الصحيح لإدارته.

المساهمون