سياسات إسرائيل الإقليمية وعلاقاتها الدولية بعد فوز اليمين

10 ابريل 2019
الصورة
نتنياهو يستعدّ لتولي حكومته الخامسة (Getty)

يمثل توجه اليمين إلى الفوز في الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل بنيامين نتنياهو حكومته الخامسة أخباراً سيئة للجمهورية الإسلامية في إيران، على اعتبار أن الحكومة المقبلة ستواصل نهج سابقتها القائم على تكثيف عمليات القصف التي تستهدف الوجود العسكري الإيراني.


فعلى الرغم من أنه يرجّح أن تضم الحكومة المقبلة حزب "يسرائيل بيتنا"، بقيادة وزير الحرب السابق أفيغدور ليبرمان، الذي يرى وجوب تركيز الجهد الحربي ضد حركة "حماس" في قطاع غزة وليس ضد إيران في سورية، إلا أن بقية الأحزاب الدينية واليمينية التي ستشارك في الحكومة العتيدة لا تعارض سلم الأولويات العسكري الذي أملاه نتنياهو.

ومما يغري نتنياهو بمواصلة العمل عسكرياً ضد إيران في سورية أنه يرى في الساحة السورية الساحة الوحيدة التي بإمكانه فيها استنفاد السياسات التي تعكس أهليته كقائد قادر على اتخاذ قرارات عسكرية. فنتنياهو الذي توجه له انتقادات حادة من قبل المعارضة والإعلام بسبب تردده في شن عمل عسكري ضد قطاع غزة لمنع إطلاق الصواريخ على العمق الإسرائيلي، يجد في الغارات العسكرية في سورية وسيلة لتأكيد حزمه، لا سيما وهو يدرك أن ما تملكه إيران من بنية عسكرية في سورية لا يمكنها من الرد بشكل يمثل تحدياً لإسرائيل.

في الوقت ذاته، فإن نتنياهو يتعامل على أساس أنه قد حصل على ضوء أخضر روسي لمواصلة استهداف الوجود الإيراني؛ إذ إنه كشف في مقابلة أجرتها معه قناة التلفزة اليمينية "20" أخيراً أنه عندما أبلغ الرئيس الروسي فلادمير بوتين نيته استهداف الوجود الإيراني في سورية، فإن هذا لم يؤد إلى تفجر خلاف بين تل أبيب وموسكو، بل أسهم في النهاية في تكريس صداقة شخصية بينهما، أدت إلى استنفار موسكو لمساعدة إسرائيل في تحقيق بعض مصالحها، كما عكست ذلك "الجهود الهائلة" التي بذلها الجيش الروسي في البحث والعثور على جثة الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل.

إلى جانب ذلك، فإن نتنياهو ما زال يرى في البرنامج النووي الإيراني مصدر التهديد الوجودي الوحيد على إسرائيل، وهو ما سيدفعه إلى مواصلة استثمار إمكانات استخبارية وطاقات سياسية دبلوماسية لمواجهة هذا البرنامج.

ويتضح أن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تمثل شريكاً مثالياً لنتنياهو في هذه المواجهة، إذ إن هذه الإدارة تتبنى كل السياسات الهادفة إلى محاولة إجبار إيران على قبول التفاوض على اتفاق جديد، بدل الاتفاق، الذي تم التوصل إليه عام 2015 بين طهران والقوى العظمى، والذي انسحبت منه إدارة ترامب، ومحاولة تضمين الاتفاق الجديد قيوداً على الترسانة الصاروخية الإيرانية. ويراهن نتنياهو على دور العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي فرضتها إدارة ترامب في دفع طهران للتراجع عن موقفها الحالي.

وفي ما يتعلق بالتعامل مع "حزب الله" في لبنان، فإنه على الرغم من أن إسرائيل تحت حكم نتنياهو تنظر بخطورة كبيرة إلى المعلومات الاستخبارية التي تدعي أنها حصلت عليها وتؤكد أن إيران شرعت بالفعل في بناء مصانع لإنتاج الصواريخ ذات دقة إصابة عالية لصالح "حزب الله"، إلا أن فرص أن تقدم الحكومة القادمة على شن عمل عسكري ضد بنى "حزب الله" في لبنان متدنية جداً. فهناك إجماع في إسرائيل على أن اندلاع حرب مع "حزب الله" سيؤثر بشكل غير مسبوق على الجبهة الداخلية. فبغض النظر عن مستوى الأذى الذي يمكن أن تلحقه آلة الحرب الإسرائيلية بـ"حزب الله" أو مؤسسات الدولة اللبنانية، فإن حجم الأضرار التي تتوقعها محافل التقدير الاستراتيجي في تل أبيب من جراء الصواريخ التي سيطلقها الحزب تجعل تل أبيب تتجنب بشكل واضح خيار شن عمل عسكري.

وفي المقابل، فإن حكومة نتنياهو ستواصل التركيز على آليتي عمل أساسيتين في التعامل مع حزب الله، وهما مواصلة تجنيد إدارة الرئيس دونالد ترامب في فرض مزيد من العقوبات على الحزب، إلى جانب العمل على إقناع مزيد من الدول باقتفاء أثر بريطانيا والإعلان عن حزب الله تشكيلاً إرهابياً. إلى جانب ذلك، فإن تل أبيب ستعمل على تكثيف الضغوط على الحكومة اللبنانية بواسطة نقل الرسائل التحذيرية عبر مسؤولين أميركيين وأوروبيين.

في الوقت ذاته، سيواصل نتنياهو سعيه لتعزيز العلاقات مع بعض نظم الحكم العربية، بهدف تكريس بعض مظاهر الشراكات، التي باتت تربط حكومة اليمين المتطرف وبعض هذه الأنظمة، على قاعدة مواجهة تحديات مشتركة.

فعلى سبيل المثال يبدي نتنياهو اهتماماً كبيراً باستنفار نظم الحكم الخليجية، لا سيما في السعودية، للعمل على إنجاح العقوبات الأميركية على إيران، لا سيما عبر ضبط سياسات إنتاج النفط لكي يتم تقليص حاجة دول العالم للنفط الإيراني.

ويراهن نتنياهو على دور العلاقة مع نظم الحكم العربية في توفير بيئة تسمح بنجاح سياساته تجاه القضية الفلسطينية.

لكن فرص نجاح نتنياهو في إنجاز الهدف الأخير محدودة إلى حد كبير، إذ إن السياسات التي ستتبناها حكومته المقبلة تحت ضغط شركائه في اليمين ستحرج أنظمة الحكم العربية وستقلص من قدرتها على تسويغ أي مظهر من مظاهر التطبيع مع تل أبيب.

من ناحية ثانية، فإن العلاقة مع إدارة ترامب ستظلّ المرتكز الأساس في علاقات إسرائيل الدولية في ظل حكومة نتنياهو الخامسة، على اعتبار أن الإدارة توظف حضورها في المحافل الدولية لخدمة سياسات ومواقف حكومة اليمين المتطرف.

إلى جانب ذلك، ستواصل حكومة نتنياهو المقبلة محاولة تعزيز العلاقات مع نخب اليمين المتطرف، التي صعدت للحكم في أوروبا وأميركا اللاتينية. كما أنها ستستفيد من ميل الدول العربية للتطبيع في إقناع مزيد من الدول الأفريقية بتدشين علاقات دبلوماسية معها وتسويغ التعاون الثنائي في مختلف المجالات.