سيارات سورية أسدية (6)

16 سبتمبر 2019
في سهرة "الإمتاع والمؤانسة"، واستكمالاً لسيرة السيارات، حكى الأستاذ كمال عن أنواع السيارات التي يحب المواطن السوري أن يشتريها ويستعملها، أو يتاجر بها، وهي التي يُقال عنها "اقتصادية"، بمعنى أنها في المقام الأول رخيصة الثمن، فالمواطن السوري على العموم ليس ثرياً، بل إنه متوسط الحال، أو يعيش فوق خط الفقر بقليل، وعندما يقرر شراء سيارة لا بد أن يبيع بعضاً من ممتلكاته، أو أساور زوجته، (هذا إذا كانت زوجته تحب ركوب السيارات النزهات وارتياد أماكن التسلية، وإلا فإنها سترفض التنازل عن أساورها).. ويجب أن يكون معدل استهلاك السيارة للوقود قليلاً.. وهنا يميز الناس بين السيارة الأميركية الفخمة التي يقولون عنها أثناء الحديث عن استهلاك الوقود: بالوعة! وهي في الأساس مصنوعة للأغنياء المليارديرية الذين يهتمون بالمنظرة والفخفخة، ولا يبالون فيما لو تكسرت السيارة التي اشتروها بالملايين أو احترقت فهل من المعقول أن يهتموا لسعر البنزين؟

وأما السيارة اليابانية، والكورية الجنوبية، والتشيكية، وإلى حد ما الفرنسية والألمانية، فمصروفها من المحروقات قليل، والتنكة (التي تحتوي على 20 ليتراً) تَقطع ثلاثمئة كيلومتراً، والتجار يقولون في معرض مديحها: ما شاء الله عليها شو اقتصادية، بتعمل تلاتمية كيلومتر في التنكة.. وعن الأميركية التي تمشي مئة وعشرين كيلومتر في التنكة يقولون للزبون: إذا بدك تحوي سيارة أميركية لازم تفتح محطة محروقات عَ حسابك، لحتى تلحّق لها بنزين!..


بعد هذا حكى كمال النكتة المعروفة عن الأديب الكبير الساخر محمد الماغوط عندما استأجر سيارة تكسي في مدينة دمشق، وكان سائقُها من النوع الأحمق الأرعن، يسير بها على طريقة الزيك زاك، ويشفِّط، ويستخدم المكابح بطريقة فجائية مما يجعل وجه الراكب يصطدم بالحافة التي أمامه بفعل القوة النابذة، ويتجاوز السيارات التي تمشي أمامه من اليسار أو من اليمين، ويده تضغط بشكل دائم ومتواصل على الزمور، وإذا اعترضته عرقلةُ سير فإنه يُصعد عجلات السيارة فوق الرصيف وينتقل إلى الطرف الآخر ويتابع طريقه، تاركاً خلفه سحابة من الغبار والدخان والرعب، ولا يبالي عندما تصطدم حافةُ سيارته بسيارة أخرى أو بحجر في الطريق.. عندما وصل إلى العنوان المطلوب نزل محمد الماغوط من السيارة، وأعطاه أجرته وسأله قائلاً: إنته كم حادث بتعمل بالتنكة؟!

قلت: تعابيرْ أستاذنا الماغوط لا يمكن الإتيان بمثلها، وأنا ما بنسى تعليقه على طعن الأديب الكبير نجيب محفوظ بسكين، وبوقتها قال: مستحيل أن تمر موهبة كبيرة دون عقاب! لاكن على علمي إنه الناسْ بيستخدموا تعبيرْ (تنكة البنزين) في مجالاتْ كتيرة غير الحوادث. يعني إذا شافوا واحد ثرثار بيقولوا له: كويس إنه الحكي ما بيحتاج لبنزين، لو كان هيك كنت إنته يا دوبْ تقطع تسعين كيلومتر في التنكة!

قال أبو الجود: يا أستاذ كمال، لما إنته وأبو المراديس بتحكوا في الأدب والشعر أنا وعمي أبو محمد وصديقي أبو جهاد وأمثالنا من الدراويش مو قادرين نْفِتّْ معكم خبزْ، ولا قادرين نِفْتِلْ معكم خيطانْ سْلُوك (هذه اصطلاحات محلية تعني أننا لا نستطيع أن نجاريكم). أما بالقصصْ والحكاياتْ اللي إلها علاقة بالسيارات فإنتوا لازم تصفوا ع اليمينْ، وتعطوني فرصة للحديث، لأني اشتغلت شوفير سيارة أكتر من عشرين سنة.

قال أبو جهاد: كَذَّابْ أَشِرْ. إنته شوفير فاشلْ، وبعمرك ما استلمت سيارة أكتر من سنة متواصلة.

قال أبو الجود: صح. لاكن مجموع السنين اللي كنت أقول للناس إني بشتغل شوفير سيارة مو أقل من عشرين. بعدين أنا..

قاطعه كمال قائلاً: استنى يا أبو الجود.. قبلما تكمل حديثك. أنا شامم ريحة قصة طريفة، وحابب إستفهمْ منك عنها. ممكن تحكي لنا ليش ما كنت تستمر في الشغل على سيارة واحدة أكتر من سنة؟

قال أبو الجود بجدية تامة: لأني كنتْ إسْرُقْ من الغَلّة!

انفلت الحاضرون بالضحك لاعتقادهم أن أبا الجود يمزح. ولكنه أكد لنا أنه، بعدما حصل على رخصة قيادة السيارة، كانت نيته صافية مثل دمع العين، وأنه كان ينوي أن يعمل بجد ونشاط وبشرف وإخلاص، ويعتبر سرقة الغلة عملاً ينطبق عليه وصفان أساسيان هما (عيب) و(حرام).. وخلال أيام قليلة استطاع أن ينشر خبراً (إعلاناً) بين الناس بأنه يريد أن يعمل سائقاً، فمَنْ كانت لديه سيارة ويريد أن يوظف سائقاً عليها، فليتصل به.. ولكن الناس الأوادم الذين يمتلكون سيارات عمومية طَنَّشُوهُ، ولم يتصل به أحد.. وفي يوم من الأيام قرع الباب، فوجد ثلاثة عناصر من الأمن العسكري، ما إن رآهم حتى تعوذ بالله من الشياطين الرجيم، وصار يحاولُ بلعَ ريقه، دون جدوى، فأشار لهم بيده أن ينتظروا لحظة، ومد يده إلى الحنفية التي وراء الباب، فتحها وصار يأخذ الماء ويفرك به شفتيه، ويحاول البلع، إلى أن أصبح فمُه سالكاً، فقال لهم: خير شباب؟ بس ما تكونوا غلطانين فيني متل المرة الماضية لما أخدتوني بسبب تشابه الأسماء؟

لاحظنا أن لسان أبي الجود علق بحلقه، ولم يكن قادراً على إتمام الحكاية.. فطلبنا منه أن يهدأ، وأوصينا له على شاي وعلبة سجائر.