سيارات سورية أسدية (13)

04 أكتوبر 2019
كان الراوي الشفاهي البارع أبو الجود يقصّ علينا وقائعَ حكايته الغريبة مع دورية الأمن التي اعتقلته برفقة التاجر المقاول "الحاج أحمد الفَتلة" بالقرب من مدينة حماه. ومن جملة ما قال، أنه قَبْلَ ذلك سمعَ الكثير من الروايات المتعلقة بالاعتقالات، وعرف أنها تكون في العادة لأسباب سياسية، أو أمنية، ولكنه لو سئل، بعد إطلاق سراحه، عن سبب اعتقالهما ومصادرة السيارة، لصعب عليه إيجاد جواب سهل ودقيق، فهل يعقل أن يقول لمن يسأله: اعتقلوني لأنني أسوق سيارتي بطريقة نظامية، وأسافر على الطرقات كي أسترزق ربي بالحلال، واعتقلوا الحاج أحمد الفتلة لأنه أصرّ على شراء الحديد المبروم النظامي ورفض التعاملَ مع الحديد المهرَّب؟      

قال أبو زاهر: كلامكْ الأخيرْ يا أبو الجودْ فيه وجهة نظرْ. الثقافة اللي سادتْ بهديكه الفترة كانت قائمة على اعتبارْ الشي الصح غلطْ، والغلطْ هوي الصحيحْ. وأنا كنت إسمع "أبو عبدو" جاري في الحارة اللي بيشتغل في أعمال البناء والمقاولة يقول: أنا بقعد قدام دكاني وبلفّْ رِجِلْ على رجلْ، وبعمل اتصالاتي، وبعدها البضاعة اللي بتلزمني بتوصل لعندي معطرة وممسكة، تهريب طبعاً. صحيح أنا بدفع تمن البضاعة مصاري زيادة، لاكن ببقى كسبان شرفي وكرامتي.

قال كمال: المهم يا أبو الجود. المرة الماضية حكيت لنا إنُّه في عنصر أمن كتير بيشبه الجحش، أجا لعندكم عَ المهجع، وطلب منك تمشي معه، ومشيتوا في الممر لوقت ما وصلتوا غرفة مسكرة. 

قال أبو الجود: نعم، والغريب في الأمر إنه هادا العنصر كتير بيستخدم كلمة "جحش" لما بيخاطب المعتقلين. قبلما يفتح الباب قال لي: دير بالك ولاك جحش، ترى معلمنا ما بيحب العلاك. أيش ما قال لك بتقله "أمرك". وإذا سألك بتجاوبه على قد السؤال، وإذا بتغلط معه ترى هادا عالفور بيضربْ، وأواقيت بيقَوِّصْ. 

المهم، دخلت على هاد المعلم، ويا ريتني متت قبلما أشوفه. يا شباب وحياة أولادي العنصر الجحش اللي شحطني لعنده أفهم منه بكتير. ولما بيحكي بيقسم الحكي نصين، وآخر كلمة بيقولها بيعطيها صدى. لما شافني واقف قدامه قال لي: إنته مين؟ مين إيييين؟ شو عم تساوي هون، أون أون أون؟ إنته الشوفير.. (..)؟ أي صحيح، إنته الشوفير، إنته بتعرف تسوق، أوق أوق أوق؟ بتعرف تسوق سيارة غير سيارتك تك تك تك؟ قلت له: لا والله. جن جنونه. قال لي: ما بتعرف تسوق ولاه كر؟ لكان أنت شو بتشتغل، غل غل غل؟ ليش جابوك لهون أون أون أون؟ وشال الخرازة من ع الطاولة، وشلفها علي، أنا زحت من الطريق، الخرازة تكسرت ع الأرض وصارت شقف، قلت له: طول بالك حجي أنا بعرف سوق. كلمة "حجي" خلته ينهبلْ. قال: ريتها البلاوي الزرقا تنزل على راس العقيد ماجد مدير المرور اللي عم يعطيكم شهادات سواقة. بحضي حرام جحاش متلكن يركبوا هالسيارات اللي عم يسمح لكن السيد الرئيس تركبوها، ها ها هاااا. قلت له: خيو أنا بعرف سوق، خلص. بسوق. وإذا صار معي حادث بيكون هادا قضاء وقدر أشو بيطلع بإيدي؟ الزلمة لما قلت له هيك نفخ نفخة قوية وقال لي: بذمتي لما تخلص المهمة تبعك لفرجيك نجوم الضهر هر هر هر. شو هاد ولاه؟ مرة بتقلي حجي، ومرة بتقلي خيو، يو يو يو. ما بتعرف تقول سيدي المقدم، دم دم دم؟ اسمع شو بدي قلك؟ هلق في سيارة شاحنة محملة خشب "إن دي إف" صادرناها من الطريق العام، آم آم آم. السائق تبع السيارة لما شاف الدورية تبعنا هرب. هلق بدك تروح إنت والعنصر تبعنا توصلوها ع منطقة قريبة من جبلة، لة لة لة. شو رأيك؟ قلت له: اختياري؟ قال: لا والله إجباري عن راسك بالصرامي رامي رامي رامي. قلت له: طالما إجباري ليش عم تسألني عن رأيي؟ قال لي: يلا امشي بلا علاك. تضرب في نيعك شو إنك قليل حيا يا يا يا.

توقف أبو الجود فجأة عن رواية الحكاية وقال لـ "أبو جهاد": الضابط اللي قال لي إمشي بلا علاك الظاهر إنه في صلة قرابة بينك وبينه. لأنه هوي متلك ما بيحب العلاك.

قال أبو جهاد وقد أصبح متشوقاً لمعرفة خاتمة القصة: كمّل لنا الحكاية وبلا علاك.

قال أبو الجود: بقينا شي عشرة أيام بالفرع، وأنا كل يوم يبعتوني حتى أسوق سيارة مصادرة ووصلها لشي بلدة أو مدينة، والعنصر اللي بيشبه الجحش يكون قاعد جنبي. بالأولْ كان يبهدلني طول الطريق، وشو ما حكيت يقلي سوقْ منيح ولا جحش. بعدين خطرت لي فكرة. صرت أساوي حالي نعسان وأخلي السيارة تنخطف وأصيح "يا لطيف". لما سألني ولاك جحش إنته ليش ما بتبقى صحيان؟ قلت له: أنا كتير بحب حدا يبهدلني، وعلى قَدّ ما بنبسط ع البهدلة بترتاح أعصابي وبنعس. إذا بدك ياني إبقى صاحي ع الأربعة وعشرين قيراط يا إما إحكي معي كلام كويس، يا إما اسكوتْ. وإذا بتبقى ساكت أحسن. 

ضحك كمال وقال: ما مرّ عليّ أذكى منك يا أبو الجود. طيب وبعدين شو صار؟

قال أبو الجود: خلال هالفترة كان الحاج أحمد الفتلة يبقى قاعد بالقاووش، وكلما حدا سأله شو تهمتك يقول: والله يا إبني ما في تهمة ولا بطيخ، كلما في الأمر إنه كلفشتنا الظروف والمقادير لحتى نتعرف على هالوجوه النَيِّرَة!