سوق العطارين... سحر تونس العتيقة في روائحها

سوق العطارين... سحر تونس العتيقة في روائحها

01 سبتمبر 2019
الصورة
يبيع العطورات في السوق (العربي الجديد)
+ الخط -


ما أن تزور أحد أسواق المدينة العتيقة في العاصمة تونس، حتى تنتعش بروائح لا تجد مثلها في العديد من الأسواق التونسية الأخرى.

وتنتشر في أحد الأسواق القديمة روائح الياسمين والفل والعنبر والقرنفل وغيرها من روائح العطور التي تملأ المكان قرب جامع الزيتونة، وسط المدينة العتيقة، وقد حوّله صناع وتجار العطور هناك إلى أحد أشهر الأسواق في البلاد. وسمي بسوق العطارين نظراً لانتشار أشهر محال بيع العطور فيه منذ سبعة قرون.

وتعود نشأة سوق العطارين إلى القرن الثالث عشر. وعلى الرغم من السنوات الطويلة وغزو العطور العالمية الشهيرة للأسواق، إلا أن عشرات المتاجر ما زالت في المكان تبيع الزيوت العطرية ومختلف أنواع العطور التقليدية. قربه من جامع الزيتونة أضفى حركة كبيرة عليه، نظراً إلى مرور المصلّين في ذلك السوق، حتى يتعطروا قبل دخول المسجد، إضافة إلى وجود السوق قرب المكتبة الوطنية، أكبر مكتبة في تونس، والمدرسة الخلدونية، وانتشار العديد من المحال التجارية الأخرى للصناعات التقليدية التي يقبل عليها السياح على مدى العام. لهذا، بقي هذا السوق أحد أشهر أسواق بيع العطور التقليدية.

ويشترك العالم العربي في صناعة عطور القرنفل والعود والورد، لكن تشتهر أسواق العطارين في تونس بصناعة عطور الياسمين والفل والنرجس. وتلك تجذب زبائن من نوع خاص، لا سيما أولئك الذين يبحثون عن عطور تقليدية رائحتها ذات رونق مختلف.

سبعة قرون مرت وما زال أولئك التجار يحافظون على العطور نفسها وطريقة الصنع نفسها وحفظها وعرضها في قوارير بلورية عربية تحمل كلّ منها اسم عطر. بعضها موضوع على الرفوف بطريقة منظمة وأخرى عشوائية. وفي المحلات أنواع أخرى من الكريمات ومساحيق التجميل الغريبة عن السوق التونسية. مع ذلك، تبقى غالبية زوار المكان ممن يبحثون عن نوع من العطور التونسية، لا سيما الياسمين والفل التي تغلب رائحتها على معظم الروائح الأخرى.

محمّد ضيف الله (42 عاماً)، من بين أشهر بائعي العطور بالسوق، ويعمل في تلك الحرفة منذ نحو 15 عاماً. يبيع أكثر من خمسين نوعاً من العطور، لا سيما التونسية منها، ويقول لـ"العربي الجديد"، إنّه تعلّم تلك المهنة منذ عشرين عاماً تقريباً، وقد عمل في بيع ومزج العطور منذ فترة طويلة. يضيف أنّ أحد أشهر العطور التي يقبل عليها التونسيون والأجانب هو عطر الياسمين، لأنّ تونس تشتهر بنبتة الياسمين التي يصنع منها المشموم وبعض الزيوت ومواد التجميل. وتصنع عطور من الورود تنتج في عدّة جهات في تونس، خصوصاً منطقة أريانة التي تشتهر بإنتاج الورد.

ولا يُخفي التاجر أنّ البعض باتوا يستوردون العطور من دول عربية عدة أخرى، لا سيما عطور العنبر والعود والقرنفل خصوصاً من أسواق الخليج، أو استيراد بعض الخلطات الأخرى من إسبانيا. وتختلف تلك العطور عن تلك التونسية كثيراً، فلكلّ بلد طريقته في صنعها. وغالبية الزبائن يميزون بين العطور التونسية أو الأخرى المستوردة.

من جهته، يرى المنجي الدريدي الذي يبيع العطور منذ أكثر من عشرين عاماً، أنّه مهما غزت العطور العالمية الشهيرة الأسواق التونسية، أو تلك المقلّدة التي تباع في الأسواق الموازية، يبقى لعطور ذلك السوق رونق خاص "ولأنّها ساكنة في الذاكرة، تشهد إقبالاً كبيراً خصوصاً في فصل الصيف الذي تكثر فيه الأفراح والمناسبات"، مضيفاً أنّ غالبية تلك العطور مصنوعة ومستخرجة بطرق تقليدية، مثل العطرشية والفلّ والياسمين والقرنفل، وهي الروائح التي تميّز السوق التونسية. ويقبل عليها عدد كبير من السياح والعرب من دول مختلفة، حيث يبحثون عن عطور لا توجد في بلدانهم، مضيفا أنّ بعض العطور تصبح أقوى وأفضل بعد مرور مدّة طويلة على صنعها. لذلك، يفضل العديد من زاور السوق تلك القديمة.

على صعيد آخر، يشير إلى أن السوق يحتوي على كل أنواع الأعشاب، لا سيما تلك التي تستخرج منها الزيوت والروائح الطيبة. سابقاً، كان يتمّ تقطير وصنع العطور من تلك الأعشاب وتوزيعها على تجار العطور. لكن اليوم، باتت غالبيّة تلك العطور تصنع في محلات خارج السوق، وتباع في السوق نظراً لازدحامه.

ولم تتميّز المدينة العتيقة في العاصمة وحدها بهذه الحرفة التي تؤمن فرص عمل، فقد انتشرت صناعة وبيع العطور التونسية التقليدية في العديد من المدن التونسية، على غرار سوسة والمهدية والمنستير وصفاقس، بعد انتشار الحرفيين الذين تعلّموا طريقة صنع العطور خصوصاً في هذا السوق، الذي يعدّ أول سوق لبيع وتجارة العطور داخل تونس وخارجها.

وتوفر اليوم تلك المنتجات عشرات فرص العمل، إذ إن البعض يتولى جمع أجود أنواع النباتات والزهور من الأراضي والجبال، فيما يعمد آخرون إلى صناعتها، وتحديداً أولئك الذين خبروا طريقة تقطيرها واستخراج العطور الجيدة منها، وصولاً إلى التجار الذين كانت أعدادهم محدودة، ثم انتشروا في مختلف المدن التونسية لبيع عطور ذات روائح خاصة.