سوق الطيب... حيث الطعام يوحّد اللبنانيّين

30 اغسطس 2019
الصورة
الكثير من المنتجات الغذائية (حسين بيضون)
لا بدّ أن يدلّ "الطيّب" على شيء تذوّقناه أو سنتذوّقه. وهذا الشيء لا بدّ أن يكون طعاماً. و"الطيّب" أقنع الناس أنّهم أمام خيار وحيد هو تذوّق لقمة طيّبة. سوق الطيّب اللبناني على صفحته على "فيسبوك"، يتحدّث عن احتفال بالغذاء والتقاليد التي توحّد المجتمعات وتدعم صغار المزارعين والمنتجين.
والأماكن التي تعرض المنتجات الغذائيّة من مختلف المناطق اللبنانية، سواء في العاصمة بيروت أو غيرها، لا تهدف فقط إلى تأمين الغذاء للناس، فهو متوفّر أصلاً، بل له أهداف أكبر كالمساهمة في تنمية المجتمع المحلي، والتثقيف حول العادات والتقاليد المتعلقة بالأغذية وأنماط الحياة الصحية، وخلق "منصّة" تجمع الناس من مختلف المناطق والأصول والمعتقدات حول هدف مشترك. والمشترك هنا هو ما لذّ وطاب.
والأكل بالنسبة لمؤسّس السوق كمال مزوّق، "شيء حقيقي وأصيل وقريب من الناس ويؤثّر في مشاعرهم". انطلق السوق في يونيو/ حزيران عام 2004، أي قبل 15 عاماً. ثمّ كانت "طاولة". وعلى الموقع الإلكتروني لـ"طاولة" حكايتها؛ فمن سوق المزارعين الأول في لبنان (2004) الذي يروج للمنتجات الريفية في البيئة الحضرية، إلى المهرجانات الغذائية الإقليمية 2007 التي سلّطت الضوء على التقاليد المحلية من خلال المنتجات والمأكولات، تطور سوق الطيب إلى طاولة في عام 2009، حيث يمكن للناس تناول طعام يعكس تقاليد مناطق مختلفة. وفي لبنان حالياً طاولات عدة: طاولة مار مخايل في بيروت، وعمّيق (البقاع الغربي) وبيت القمر وصيدا (جنوب لبنان).
وفي لبنان، الصغير جغرافياً، يعيش كثيرون على الأرض نفسها ولا يعرف بعضهم مأكولات البعض الآخر. ويوضح مزوّق أن كلّ منطقة تتميّز بطعامها التقليدي. "هناك كبّة الراهب، والكبّة النيئة، والكبة الأرنبية، والكبة الأقراص. وهذه الكباب كفيلة بإخبار من يتذوقها عن تاريخ وحضارة لبنان".
والسوق عبارة عن منتجات زراعية وغذائية ومؤونة لبنانية وأطعمة جاهزة وحلويات. يتابع مزوّق: "لا شيء يعبّر عن هويّتنا أكثر من أكلنا. والأكل يُتيح لنا التشارك مع الآخر. مثلاً، طريقة طهي الصيادية (الأرز مع السمك) في مدينة صيدا مختلفة عن بقية المناطق. يُحرق البصل كثيراً، ويُطهى الأرز مع المياه المتبقية من غلي السمك، يضاف إليه العقدة الصفراء أو الكركم، وتقدّم مع الطرطور. قبل ذلك، لم أكن أعلم أنه يمكن للصيادية أن تُقدّم مع الطرطور"، مضيفاً أن "الغنى في هذه الوجبة قد يُخبرنا عن طبيعة صيدا أكثر من أي شيء آخر".
وحتّى الآن، تعامل السوق وطاولاته مع نحو 500 مزارع وأكثر من 150 امرأة يطهين الأطعمة المختلفة. طاولة بيروت تُعرّف أهل المدينة على وجبات من مختلف المناطق، على عكس بقية الطاولات التي تقدّم مأكولات المناطق الموجودة فيها. أما طاولتي عميق وصيدا، فتقدمان أكلات المنطقة.




لكنّ الأسعار تُظهر وكأنّ السوق أو الطاولة موجّهة إلى طبقة دون غيرها. فالغداء، وإن كان مفتوحاً وليس بحسب الطلب، إلا أن كلفته هي 45 ألف ليرة لبنانية، أي نحو 30 دولاراً. إلا أن مزوّق يقول إنّ الزبون يدفع كلفة ما يحصل عليه. وحتى لو لم يكن من ذنب لمزوّق في ذلك، إلا أن الفقراء لا ينعمون بفرصة الحصول على غذاء عضوي في لبنان، كما الطبقة الميسورة.
من جهة أخرى، فإنّ السوق والطاولات ساهمت في فتح فرص عمل للكثير من النساء، إذ يمكن للزبائن إنشاء علاقات مباشرة معهن، والاتفاق معهن على إعداد ولائم خاصة. ويقول مزوّق إنه في الماضي، لم يكن يعرف الفريكة الجنوبية، هو ابن منطقة كسروان (شمال بيروت)، مضيفاً: "كنا نخجل بتقاليدنا وتراثنا. منطقة بشرّي مثلاً تعكس انفتاحاً كون أكلاتها غنية بالتوابل".
في سوق الطيب الذي يقام يومي الأربعاء والسبت في بيروت، كانت ميرنا داغر تعرض على أحد الزبائن تذوّق الدبس. تتحدّر ميرنا من منطقة ضهر المغارة في إقليم الخروب (قضاء الشوف، جنوب بيروت). تقول إنه لدى عائلة زوجها معصرة دبس صغيرة تعيل عائلتها المؤلفة من أربعة أولاد إضافة إلى والدي زوجها. لكن مع الوقت، صار تأمين لقمة العيش أكثر صعوبة، وبدأت تفكر في الاستفادة من الدبس لصناعة منتجات أخرى، منها البسكويت بالدبس، إضافة إلى السمسية والفستقية وغيرها. ثمّ بدأت تبيع منتجاتها في عدد من المهرجانات التي تُقام في المناطق. ومنذ نحو عامين، باتت منتجاتها جزءاً من سوق الطيب. ولدى سؤالها عمّا يميّز منتجاتها، خصوصاً إن كثيرين يستخدمون الدبس لصناعة الحلويات في الوقت الحالي، تجيب أن "الدبس صافٍ"، وهو عبارة عن خروب ومياه مغلية لمدة تسع ساعات. داغر التي كرّست حياتها كزوجة وسيدة منزل، وجدت نفسها فجأة عاملة في مجال تتقنه وتحبه. تقول: "عشت حياتي مع أولادي. في النهاية، استطعت القيام بشيء ما".
ليس بعيداً عن داغر، كانت هدى حمزة تُساعد زوجها في بيع الخضر والفاكهة للزبائن. طلبت امرأة أجنبية تزور لبنان للمرة الأولى تذوّق التين، وكانت تتلذّذ بطعمه حتى أنّ صديقاً لها راح يصوّرها. تقول حمزة التي مضى على تواجدها في السوق نحو 15 عاماً، إنّ مزروعاتها تُسقى من نبع الباروك (جبل لبنان). وإن كان زوجها لا يضيف أية مواد كيميائية إلى مزروعاته، ترفض القول إن منتجاتها عضوية مائة في المائة بل "بلدية".

دلالات

تعليق: