سوف يأتي الطُّوفانُ ويجدني

22 مارس 2014
الصورة
"الطوفان"، جون مارتين


 

موسوعة الألم


(1)

سوف يأتي الطُّوفانُ

ويجدني

في لذَّةِ الكسل

بلا

زوجين

بلا خشبٍ

وبلا حرفةٍ أيضًا.

 

(2)

سوف يأتي الطُّوفانُ

ويجدني

في ضيافةِ الألمِ

أعُدُّ ضحايا الفقد

وأقول:

غايةُ الألم أن يمتحنَ

شراسته المخبأة.

غايةُ الألمِ

أن يبتسمَ بدلالٍ

ويتمايلَ ويجرّبَ فأسَهُ في غابةِ النَّاس

وفي اخضرارها.

 

غايةُ الألم

أن ينضوي في الحقد

ويحتفي بزفّة الرَّوح إلى الطَّلسم.

 

غايةُ الألم

أن يكون كافيًا

ومن شأنه اللافت كلّ ليلةٍ

أن يتحدَّى ثمارَ العلوم

ويسخرَ من سمَّاعةِ الطبيب

ثمَّ

يبصقُ في زجاجِ المُختبر.

 

(3)

الألمُ

مخلوقٌ أبديّ

يُحبّذ الهذيان.

أعصابٌ تتعرَّى تحت الجلدِ وأخرى في الدِّماغ

أو قوَّةٌ تُناوِئُ قوَّةً

في الأرضِ وفي زجاجةِ السماء.

 

(4)

الألمُ

لعنةٌ تعاشُرنا

ولئلَّا

نعاشرَ زوجاتِنا

نقول تعاشرُنا

حتَّى في قطنِ الإغماء.

 

(5)

الألم

ليس سُكَّرًا دامعًا على فخذ امرأةٍ تتزيّن، وليس طعنةَ

لحمٍ في اللحم، أو فضَّ بكارةٍ تتبعُها الآهات، أو خلعَ

ضرسٍ ملتهبٍ يتمُّ ضمنَ كفاءة الطِّبِّ المتواضعة.

 

الألم

هو أن تصرخَ حتى تنشقَّ إلى نصفين

هو أن ترى البؤسَ كما لو كان وجهَكْ

وترى بيتَك في كفِّ الزِّلزال

وترى أصغرَ أولادِك في الجبِّ

وترى دمَك وهو يُباع على بسطات العو... لَمَة

وترى الجوعَ وهو يتلمظُّ مثلَك

وترى الغابةَ في المدفأةِ

وترى الدَّولةُ وهي تلعبُ بمصيرِك

إن نسيتَ ولم تذكُرْ أسنانَ المشط بخيرٍ

وترى الوطنَ...

لا وجه له سوى وجهِ الشُّرطي.

 

(6)

ميِّزةُ الألم

أنَّهُ باقٍ

حتَّى لو جرَّبتَ

الإطاحةَ برأسك في حقلِ الأفيون.

 

ميِّزةُ الألم أنَّهُ ينحلُّ مثل كثافةٍ خفيِّةٍ

ثم يدخلُ على رؤوس أصابعِهِ

ربّما عبر لونِك

وربّما عبر جنسِك

وربّما عبر أمِّك

وربّما عبر امرأةٍ

تحبُّها

ولا تحبُّ ناقتُها بعيرَك.

 

ميزة الألم

أنّه يدخلُ عبر ساقين خشبيَّتيْن

وربَّما عبر خيمةِ لاجئٍ تتلوَّى على رملِ الحدود

أو عبر الاختلاءِ بسمعتِكَ الكريمة

أو عبر ضلعٍ فارغٍ

أو عبر تعصُّبٍ مُضرٍّ وضريرٍ أو عبر سماسرةِ الشُّقوق

أو عبر سيَّارةِ إسعافٍ بلا طريقٍ أو رسالةٍ بلا بريد

أو عبر وليمةٍ بلا يتيم

أو عبر عروسٍ بلا عريس

أو عبر أرملةٍ تحظى بمعونةٍ لا تشملُ الجسد

أو عبر مبرَّةٍ من أجل الاستعراض

أو عبر مُسدَّسٍ أعمى

ومحقّقٍ أعور

أو عبر غازٍ يتسرُّب في بيتٍ نائم

أو عبر فتاةٍ نتقوّى عليها بالشَّرف

أو عبر حانةٍ مُخصَّصةٍ لقوَّةِ البُكاء

وربَّما عبر عقليةِ قتلٍ تخلعُ ملابسَ النَّاس لكي تتأكَّد أنَّ الإصابةَ بليغةٌ ومحدَّدة.

وربّما عبر لغةٍ مدوَّنةٍ في هزَّةِ الرأس وكلُّها نعم.

 

ميِّزةُ الألم

أنَّه ليس لسعةً أو قرصةً أو فركةَ أذنٍ تدلُّ على الخطأ، بل سوءُ فهمٍ في شرقِ الإنسان، أو شرقِ المجرورِ إلى حتفِه، أو شرقِ النَّاسِ المُنهكين تمامًا في معنى الغول، أو الغولةِ في معنى الخبز، أو اللاخبزِ في معنى النومِ أو اللانومِ في معنى الشكِّ، أو اللاشكِّ في معنى أنَّ لا شيءَ يخصُّك بالمطلق، أنَّ لا شيء يعضُّ على ذيلِك، فالكلُّ في السَّليم ما دامت مساميرُ البيتِ ملأى بصورةِ الآغا، وبسمتِهِ الخفيفةِ المُّعبرة، والأكفُّ من حولك تصفُّق وتصفُّق وأنتَ في الجنَّةِ لك قصرٌ أو قصران.

 

وكلُّ يومٍ تتحلَّى بجائزةٍ لا تُدعَى الظُّلم أو الفاقة.

 

(7)

الألمُ

هو أن تفقدَ

ولكي لا تفقدَ

تخيّلْ أنَّك لم تفقدْ

وصدّقْ أنَّك لم تفقدْ

وأنَّكَ لست ضرورةً

وتعلّمْ محوَ الرَّأسِ ومحوَ الجسمِ ومحوَ الظِّل

وتصوّرْ أنَّك مجرَّدُ مريضٍ وطنيّ

يمارسُ هوايةَ المشيِ إلى المنفى.

 

(8)

في الألمِ لا تبدو البلادُ واسعةً

وما عليك

سوى أن تصمتَ مثل قبرٍ وتكسَّرَ مثل قشَّة

وتبكي حقًّا ضاع تمامًا في ثُقبٍ ضيّق

وتقرنَ اسمَك بالإهانة

وتنطفئَ مثل شهوةٍ خفيضةٍ تتمطَّى في ماء الستين.

 

(9)

الألمُ

الألمُ

هو أن تسألَ عن حياتِك في كلِّ عزاء

وكأنَّكَ لستَ أنت

هو أن تطبخَ لحمَك للغزاةِ أو القساة

هو أن تحلبَ ثورًا، أو تنكحَ منحلةً

أو تصبحَ صاحبَ ضغينةٍ وأنت لا تُريد،

هو أن تعوي وما أنت بذئبٍ

وتصلِّي للخبزِ وتقدّسَ ذيلَ الفأر، وتمدحَ بطنَ الحوت، وتكذبَ مثل البحّار

وتزوّرَ الكمالَ مثل موظّفٍ فاسدٍ في بلادٍ لم تكتمل أجزاؤها.

 

(10)

سوف يأتي الطُّوفان

ولا فُلك عندي

لا طير

ولا بذرةَ من شيءٍ

ويجرُّ بياضَه فوقَ الأرضِ

فعلامَ تجلسُ مع نفسِكَ وتدلُّ الناس على سواك

يا عدم.

 


الشعراء

 
(1)

جاؤوا

من جهةٍ

لا بأس بعُريها.

 

(2)

ولأنّهم

لم يهبطوا بعد الغوايةِ

بل قبلها

لعبوا بمتعةٍ

في ذيلِ الشيطان

وقالوا:

ابْقَ

بحسرتك الكبيرة

لا حول

ولا قصائد لك.

ابْقَ

لدورِك الضعيفِ في ملء الجحيم

يا سوء السّيئات

ودع لنا

ما يجعل المسراتِ تسري

في ذهنِ الكائنِ

ودع لنا الدنيا جميلةً

مُفتّرةً ودائخة.

ولأنهم

مضوا في المُسْكِر من نبيذها

قالوا إلينا

يا شراب

وأنت يا رأس الجميع

قل: وداعًا لمجرّةِ الصّحو

ولا تنظر

في عينها

وجبهتها المشوهة.

ولأنهم

شبّوا في غوايات التّسكُّع

لم يشأ

أحدٌ منهم أن يقبّل شفةَ الأرض

المثلومة

وقالوا:

هي الثقة التي لا تثق بنفسها

وبدّلوا الأسود من وجهها

بفجواتٍ ربما تكون حزينةً أو مُحزنةً

ولكنها

خفيفة الظلّ

ولها مذنّباتٌ تشعُّ

ولا تختبئ في جرّة المنع المحرّمة.

ولأنّهم هاموا

طُردوا

بحجّة الجنون

والتّوهان

من كلِّ مدينةٍ فاضلة

تُريد النّاس بفمٍ مرتخٍ

ولعابٍ يسيل.

فهمسوا

وغمزوا

وتمرّدوا

على

ما وراء القصد من ذئبٍ

يأكلُ الظّلام

والأنعام

ويلتهمُ كمال الوعد

بساعةٍ مضت القرون

وهي

تضيع بين عقاربها المتناثرة.

 

(3)

صحيحٌ أنّ عرباتِهم

من ريشٍ

وأياديهم من عشبٍ

ولكنّهم

في دمِ النّساء

وفي كل بحيرةٍ

ومِحبرة.

صحيحٌ أنّهم قادوا الأرضَ

مُذ كانت صغيرةً في السّن

وفضحوا بهاءَ المُستحمِّات

بلغةٍ يحمرُّ لها الوجهُ

ولكنهم

ما سلّموا ببلاهةِ الكون

الـمُدمى

وما رحّبوا بحيلةِ من عطّلوا الخلق

بأمراضهم

وحين

طيّروا صباح الأبيض من طيورهم

أغلقوا البابَ على أصابعِ القبحِ

وخلّفوا

الضغائن نائمة.

 

(4)

فضاؤهم طيرٌ

أو وردةٌ

أو هواءٌ حرٌّ قُرنت

جهاته بالمداعبة.

أما الوطن فهو حُجرةٌ دافئةٌ

وربّما امرأةٌ

أو لوحةٌ

أو أغنيةٌ

أو شجرةٌ ترتعشُ

تحت بلاغةِ المطر.

 

(5)

لطالما توقّفوا

عند سماحةِ الأخضر

واستغربوا

كيف ظلّتِ الأشجارُ المتنازعةُ على الضّوء

طويلةَ البال

لم تدخلْ في فجوة السّلاح

ولم تقتلْ ولم تمارسْ غيظَها.

لطالما توقفوا

وقالوا:

ما من شجرةٍ خانت

أو قامت بقتلِ شُجيرة أخرى.

ما من سروةٍ استأثرتْ بالنّهر كلّه.

ما من زيتونةٍ تآمرت مع الحطّاب وفأسه.

ما من رُمّانة مالت بثمارها نحو أناسٍ دون غيرهم.

أبدًا

أبدًا

ما من سنديانةٍ

وقفت في السّوق

وباعت نفسَها.

 

(6)

لو كان الأمر لهم

لتقوّض الشر

قبل أن ينتحرَ بركانٌ

أو يقطع المدى رسغَهُ.

لو كان الأمر لهم

ما لاذ ينبوعٌ بلعنة الرّمل

أو استوحشت غابةٌ

أو صار التاريخ كما الحلوى

أو سقطت نجمةٌ من تلقاء ذاتها

على كتف قاتلٍ

كهديّةٍ من سماءٍ

تأثّرت بجهوده

وحماسته

في جعلِ

الابن بلا أب

والبيت بلا امرأة

والحقل بلا سنبلة.

 

(7)

على الأقلّ

لم يُنهكوا أنفسَهم

في سجن عصفورٍ

أو قتل طفلٍ أو شيخٍ مُسنٍّ أو امرأة

ولأنّهم رأوا البياض كلَّه

كان على جهاتِ الخوفِ أن تفقأَ كلَّ عيونِهم

قبل اختفائِها

وكان على الحجارةِ أن تُمنّي النّفس بنطقهِم

وكان على المكرِ أن يستعين

بثعالبهِم

وكان عليهم أن يذهبوا

إلى جمال الله

من غير جنّة مُحاطةٍ بالطّمع

ومن غير نفسٍ معطوبةٍ بالقصدِ

تُجامل شيخوخة الصدأ

وتأخذُ الناتئَ من حجارةِ القبحِ القديمِ

ثمّ ترجمُ نفسَها.

 

(8)

لم يمُت أحدٌ منهم

وحين يغيبُ النّأي بسكراتِهم

يتنفّسُ المغزى

ثم يقول: مسّهم الطيرُ من علٍ

من بعد ما عاشوا

كي

يخمشوا وجه الكون

بمخلبِ النّطق

حتى

يسيلَ دُمهم قطرةً قطرةً على مكمنِ الّضجر

فيصرخ الأخير:

لِمَ يا أنتَ كلَّ هذا العذاب

لِمَ لَمْ تجعلِ الأرضَ حديقةً كما وعدتَ

لماذا

لماذا تركتنا نُربّي حيواتِنا الحزينةِ لغبطةِ العدم

لماذا اختفيتَ وراء اللغز

لماذا تدفّأتَ بما يحترقُ من أغصانِنا

لماذا أدرتَ وجهَكَ

عن رغباتنا

لماذا

لم تسرْ بنا إلى جهةِ المودّة والجمالْ

لماذا صرتَ علّةً في السقفِ

وعلّةً في الخلاصِ، وعلّةً

في مصائرنا

التي نراها الآن

مثل دمعةٍ في الهواء

تومئ من بعيد

ولا تستقرُّ في عيوننا

المُعذِّبة

لماذا أردت الفوزَ

علينا

قبل أن تبدأ اللعبة.

لماذا تركت الصراعَ

يأخذُ حجمَه المؤلم

وغاياتِه المموّهة

لماذا لم تكتفِ بظلّنا

لماذا لم تكتفِ بنقصنِا

بضعفنِا

لماذا جعلتَ الجسم تُهمة

لماذا

لماذا

خلطتَ بيننا وبين الطُّغاة

في طاجنٍ واحد

لماذا رسمت متعتَهم

في ذُلِّنا

لماذا

لماذا

لماذا

تركتَ حُداة الشرِّ

يجرُّون

قافلةَ

العويلِ

إلى

الهاوية.

 


أنوثةُ الفاكهة

 

(1)

نحّتْ يدي

عن كلِّ ثمارِها

وقالت: دعِ الصّفصاف

ينمو بيننا.

 

(2)

للجنّةِ إغراؤها

فتنتُها

بلوّرها

جواهرُها الثّمينة

شَعرُها

تَكويرتها

جؤجؤ طائرها

وبرتقالُها

ولي أن أعرجَ صوب حنوّها

الطريّ

ولي أن أضمَّها في بيتِ مخيالي

ولي أن أذوقَها

وأجعلها أجاصةً في فمي.

ولي أن أتركَ كلَّ شيءٍ

على الرفِّ

وأنسى

كلَّ نساءِ الكون

وأتذكّرها

وأسألَ كلّما غابت

بياضَ المسافة

عن سرابِها

وأسألَ

أين هي الآن يا ترابَ الأرض

ومَن غير

سروِكَ العالي

سوف يداعبُ

ويتلذُّذ منتشيًا

بفردوسِها

الطّاعن في رسمِ السعادة والصور.

 

(3)

أخرجتُ زجاجةً

ورميتُ بالأخرى

لي الآن

أن أنحني على شرشفٍ يتوجّعُ

مثلي

حين نشمُّ روائحها.

لي الآن مرآتها

والمخرّمُ من قمصانِها

والنائمُ مثل مثلَّثٍ صغيرٍ

في ظلِّ كيدها.

لي الآن

أن أشربَ

وأخرجَ من مصحَّةِ الكتبِ المزوّقة.

وأتركَ القصائدَ

التي تُنشئ رغبةً

وتعيشُ في رغبةٍ أخرى

تتساقط من يدي شاحبة، تاركةً هذا الفضاء

بلا نعومةٍ وبلا دمٍ ولا حرارةِ روح

من بعد أن سقطت

كينونةَ الجمال في سلعِ المغيّب

وخلَّفتني

فوق حوافٍ

تثرثر ثم تقول:

أنت الوحيد كلّ ما تبقّى الآن من سمائها.

 

(4)

بكلِّ ما أملك من عصيان

سأعبدُ رسمَها

وأمتثل لما يريده جسدي إذا اعتلى

كي يفكّ الأسرَ عن ضفّتيها

بلا ألمٍ

في الخفضِ مرةًّ

وفي العُلُوِّ مرةًّ

ليس باللمس فقط

وإنما بكلِّ الحواس التي تجعلُ من دمي

الشَّرهَ يركضُ في مدار الليلِ وهو ينبحُ

في هضابها.

 

(5)

هي

مجرَّةٌ من الخدر

تحدُّها فاكهةُ النضوجِ

وتعلوها برازخُ العسل.

 

(6)

آمنتُ

آمنتُ

أنَّنا لم نُجبل من ترابٍ

وإنّما من حزنٍ طويلٍ

ربما جاء من اعوجاجِ ضلعها.

 

(7)

كي يمتلئَ المرءُ

لا بدَّ من حبيبةٍ يلامس

عنقها الدافئ

وحينها

سوف يدركُ أنَّ النعيمَ

ليس في الذِّهنِ

وإنما في غرفةِ الدفءِ

حين يغط بالماجنِ

من غير أن يأبه

إذا توقفت الأرضُ

أو رأى

السماء التي تفنّنت

في طيِّ سبع سوءاتٍ

تهبط

عاريةً

بين يديه

أو قرب المدفأة.

 

(8)

كي يمتلئ المرء

لا بد أن يعرفَ

أن روحَه بلا أقدامٍ

وبلا أجنحةٍ وبلا ملمسٍ

أو حتى هالةٍ من بياضٍ

كما يدَّعي بعضُ من شاهدوا ضوء

صدفتها

وهي تخرج من جسد الميت

في سكراته الأخيرة

ولم ينتبهوا إلى من رأى فداحة

العرق المقيئ في سكراتهم.

كي يمتلئ المرء

لا بد أن يغتسل من لغط الأوّلين

ويقول إن الروح امرأةٌ

وإذا راوده شكٌّ

فما عليه سوى أن ينظر إلى أنثاه

وهي تمرُّ

وينصتَ إلى مجرّة الأوتارِ

والأشجارِ

ويسمع آهة المعزوف

وهي

تحنُّ

وتئنُّ

ويسمعَ في حقول الحسِّ كلَّ حفيفها.

 

(9)

كي يمتلئ المرء

ولا يرى الطبيعةَ ناقصةً

لا بد أن يجسَّ عريَه

المقرون مع عريها

وكبته المرهون بكبتها.

 

(10)

من دون امرأة

تطلُّ ربابةُ الحزنِ

بوترٍ

واحدٍ

هو كلُّ ما تملك

وتحزُّ الروحَ بدمع وحيدها

تاركةً لك أن تصيغ نحيبًا

يُحرِّكُ الغابات كلها

ويُعلمُ الطّير أن التوجَّعَ

ليس حكرًا على المساجين أو الجرحى

وأنَّ الفقدَ هو أن تختفي امرأةٌ

كنتَ

تشمّها

وتضمّها

فتعود بلا جهةٍ

وبلا ثقةٍ مفرطةٍ بجمال الحياةِ التي سطت

على ثغرِكَ وهو يبتسم

وعلى دمِكَ وهو يتوهّج

وعلى رأسِك وهو يتمايل

وعلى فمِك الذي كان يذوب في فم الحلوى

وعلى يدك التي كانت مسرورةً جدًّا

وهي تتسلّقُ الشاهقَ وتحرَّكَ الماء

في حوض مسرّتِها

وعلى عيوبِك التي كانت تتغطَّى بخفّة الدّم

وعلى رجيمِ طهوِك الذي يتلامعُ مثل رأس قطٍّ

بعينٍ واحدةٍ بعد أن قُدِّرَ له أن يسقي ظمأ العُجَيّن دائمًا

ويخلطَ فضة

الحيِّ مع الحيِّ

حتى تفترَ أشجارُ

المحرَّم

وترتجفَ أغصانُها.

 

(11)

من دون امرأةٍ

لن تكتملَ

ولن ترى الخلق مكتملًا

ولكي ترى

لا بد من امرأةٍ

تحب مساءَها

وحينها

ستضحكُ الدنيا

إذا ضحك انفراجُها

وتشعر بالرضا وأنت تملأ دمها

بشيوخِ جيناتٍ يودُّ الناشطُ منهم

أن يعود

نطفةً

علقةً

طفلًا

تدلّلُ براءته بالدّمى

وتعلِّمَه

كما لو أنَّه أنت من جديدٍ

لم ينل منك شرٌ

ولم

تُكسر قبل أن تصير غصنًا

في متاهةٍ الشّجرة.

 

(12)

لا حكمة في أن تفقدَ

لا حكمة حتّى في الكلماتِ

التي تتثاءبُ في جرحك

مثل تعزيةٍ

من رخامٍ يطيشُ قصدها

ولكي تنسى

لا بدَّ من خمرٍ

مضاعَفٍ وقويّ

يأخذُ بيديك

إلى رأسٍ آخر

يشبه رؤوسَ الغارقين

في فتنةِ السُّلطة

دون غيرها

لا بدَّ من قلبٍ لا يكترثُ

إلا بدمِهِ

لا بدَّ من عينٍ

مُقفلةٍ بحجّةِ العمى

لا بدَّ من يدٍ لم تجرِّبِ

المكتنزَ

ولم تقطفِ التفاح

من حقولها

وحينها فقط

سوف تنسى

سوف تنسى

ويمكن أن يمرَّ الناسُ عليك

وأنت تُغني

أو تصفّرُ

بمصحّةٍ بيضاء

لها خبرتها الطويلة

في تقطير المخدر

ويمكن أن تحوّلَ

كلّ حيواتك

إلى تماثيل

مُنهكةٍ

وصامتة.

دلالات