سورية والحاجة لتيار ثالث

16 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تواجه سورية اليوم واقعاً معقداً ومؤلماً، لكنه واضح وضوح الشمس، يستحيل حجبه عن أنظار السوريين، مهما حاول النظام وحلفاؤه؛ والمعارضة الرسمية وحلفاؤها. واقع متجسّد في أزمة اقتصادية كبيرة تتبدّى اليوم في انهيار العملة السورية، وأزمة وطنية يمثلها صراع دولي يصل إلى حد الصدام، يدور حول تقاسم مجمل الكعكة السورية، وكعكة الشمال تحديداً، ويتبدّى سياسيا في لجنةٍ دستوريةٍ جوفاء، لا تملك رؤية لمستقبل سورية، كما لا تملك القدرة على فرض رؤيتها إن تبلورت مستقبلاً. وكأن الوضع السوري قد انتقل من حالة الاستعصاء العسكري الذي كان سائدا قبل التدخل العسكري الروسي إلى استعصاء سياسي واقتصادي واجتماعي، تظهر ملامحه في تسارع وتيرة الانهيارات السورية على جميع الصعد. انهيار يوضح فشل النظام والمعارضة الرسمية السياسية والعسكرية في فهم جذر المشكلة السورية، وعجزهم عن بلورة خريطة طريق تخرج سورية من هذا النفق، كما يكشف عن أدوارهم في مفاقمتها، من خلال صفقات النظام المشبوهة مع حلفائه الإيرانيين والروس، والتي باعت وما زالت تبيع الأرض والثروات السورية لهم بأبخس الأثمان، نظير حمايتهم رأس النظام، بالإضافة إلى غياب أي رؤية سياسية واقتصادية مستقبلية وحاضرة. ونهج المعارضة السورية العسكرية والسياسية التي رهنت جميع إمكاناتها ومقدّراتها لخدمة المصالح التركية السياسية والاقتصادية، حتى لو كانت نتيجتها خسارة الوطن، وسفك دماء المدنيين، وترسيخ حكم مافياتٍ استبداديةٍ وإجراميةٍ لا تختلف قيد أنملة عن ممارسات النظام السوري ذاته.
لذا تحتاج سورية اليوم إلى استعارة بعض شعارات الثورة اللبنانية، خصوصاً "كلن يعني كلن"، للتعبير عن تجاوز الشرخ الاجتماعي الذي صنعه النظام منذ اليوم الأول للثورة، وعمّقته قوى المعارضة الرسمية لاحقا، وهو انقسامٌ قائمٌ على تحويل المجتمع السوري إلى كياناتٍ متعدّدة 
منفصلة طائفية أو عرقية أو إثنية، لكل منها رؤيتها وأهدافها وتطلعاتها ومعاناتها وتحالفاتها الخارجية التي لا تقوم من غيرها، ولا يجوز للسوريين الخروج عنها. حتى باتت شكاوى المواطنين من انهيار العملة بمثابة تواطؤٍ واعٍ، أو غير واع، مع المؤامرة الخارجية من وجهة نظر النظام، وتحوّلت إلى مدعاة للسخرية والتشفي من بعض قوى المعارضة الرسمية. كما أضحى رفض الاعتداءات التركية على الأراضي السورية، وعلى جزء مهم من مواطنيها المدنيين، بمثابة خيانة عظمى للثورة لدى المعارضة المرتهنة لتركيا، وذريعة للنظام كي يعيد فرض حكمه الأمني والاستبدادي على تلك المناطق، وإلى ما هنالك من تصريحاتٍ ومواقف رسمية للنظام والمعارضة، تكشف عن إصرارهم على تحويل المجتمع السوري إلى مجموعات وفئات متنازعة ومتصادمة منفصلة عن بعضها بعضاً، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وهو ما يفرض على سوريين كثيرين مزيداً من الهواجس والمخاوف الوطنية التي تحول دون تبلور موقف شعبي حاسم على الأرض، سواء في مناطق النظام أو خارجها، نتيجة خشيتهم من أن تتحول هذه المواقف إلى مطيةٍ يعبر عليها النظام أو المعارضة، وتؤدّي إلى استبدال المجرم بمجرم آخر، والعميل لروسيا أو إيران أو تركيا أو أميركا بعميل آخر ذي ميول دولية مختلفة بالاسم، ومتطابقة في النهج والممارسة والنتيجة في المحصلة. فطريق خلاص سورية، الأرض والشعب، لا يمر عبر أيٍّ منهم، بل
يتطلب مسارا مختلفا تماما، مسارا كانت الثورة السورية الشعبية قد أسّست له بعفويتها ومبدئيتها الأولى، قبل أن تتمكّن قوى النظام والمعارضة من امتطائها وفرض أطراف وشخصيات وقوى تابعة وخاضعة لهم بحكم الأمر الواقع الإنساني والأمني الصعب والقاسي.
بمعنى، يحتاج السوريون اليوم إلى فرض خيارهم الثالث الوطني، بعد تجاوز مسبّبي هذه المأساة جميعاً، بدايةً من النظام وانتهاء بالمعارضة الرسمية السياسية والعسكرية، يؤسّس على وحدة المجتمع، انطلاقاً من وحدة معاناته ومآسيه وأزماته التي سوف تقود نحو إجماع على الأهداف والتطلعات. أما فيما يخص التباينات الاجتماعية والثقافية، فيجب الاعتراف بها أمرا طبيعيا موجودا في أي مجتمع، مهما صغر حجمه، تعكس تنوع وثراء المجتمع، إن كفل القانون والدستور حق الأفراد في ممارسة واعتناق أي توجهٍ فكريٍّ أو دينيٍّ أو عقائديٍّ أو ثقافيٍّ، من دون أي قيود تعيق ذلك أو حتى تؤطره، باستثناء ما قد يهدّد وحدة المجتمع وسلامته، كاملا أو جزءا منه، بدلاً من تحولها إلى حججٍ من أجل تقسيم المجتمع وتفتيته، كي يسهل حكمه وأسره وتسييره بما يخدم مصالح فئات انتهازية محدودة العدد. في حين يتطلب الانقسام القومي اعترافا كاملا بأحقية القضية الكردية وعدالتها، على اعتبارها قضية شعبٍ يبحث عن حريته المستلبة، كان وما زال ضحية مصالح وتحالفات وألاعيب دولية كثيرة وعديدة، كما يجب الإقرار بأنها جزءٌ أصيل من القضية السورية العامة، وعلى السوريين جميعا التكافل والتعاون والنضال من أجل إيجاد أو فرض حل يكفل حقوق الأكراد الثقافية والاجتماعية، ويعبّر عن تطلعاتهم السياسية الكاملة، من دون أي مساسٍ بحقوق باقي السوريين. وهو ما يتطلب مراعاة ثلاث نقاط على درجة كبيرة من الأهمية، الأولى تأخذ في الاعتبار وقائع التمازج والتلاحم والتداخل الكبير بين
السوريين، عرباً وكرداً. والثانية تعبّر عن تطلعات شعوب المنطقة المستقبلية، وحاجتهم لتلاحم وتعاون يصل إلى حد الانصهار المبني على مساواةٍ كاملةٍ، كي يتمكّنوا من تجاوز تعقيدات النظامين، الدولي والإقليمي، وعقباتهما، وتأسيس دولة الحرية والمساواة والرفاه والتطور والعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية المأمولة. وثالثا في حال استعصاء بلورة حل مقبولٍ ومختلف عن إقامة دولة أو حكم ذاتي كردي منفصل، يجب ضمان عدم تحوّل الحقوق التاريخية إلى ذريعة تنتزع حقوق باقي أو جزء من شعوب المنطقة، عبر الاستقواء بقوى إقليمية أو دولية تعمل على إدامة الصراعات بين شعوب المنطقة، لضمان تخلّفها وضعفها.
في الختام، وعلى الرغم من صعوبة تأطير تيار سوري وطني ثالث، منظم حزبيا، أو بأي شكل سياسي واضح المعالم اليوم، نتيجة الأوضاع الاستبدادية والإجرامية السائدة داخل سورية، بغض النظر عن طبيعة الجهة المسيطرة، وبحكم التشتت والتبعثر السوري داخل الوطن وخارجه، إلا أن الحديث عن أهداف هذا التيار وتوجهاته ورؤاه وبرامجه ضرورة ملحّة وخطوة أولى في تجاوز القوى والأطراف المسؤولة عن نهب الثروات وتقسيم الوطن والمجتمع، ورهن مستقبل سورية بمصالح الدول الخارجية أياً كانت.