سورية ما بعد الأسد

01 يونيو 2020
الصورة
يمثل حكم الأسد الأب والابن في المعادلة السورية حقبة واحدة للنظام الحاكم الحالي في عقوده الخمسة منذ 1970، ثلاثون عاماً لحافظ الأسد وعشرون لوريثه بشار، وهو ما جعل تداخلات المعارضين والمناهضين للرئيسين الأسديين تتماهى مع بعضها، وترصّ صفوفها تحت عباءة الثورة، سواء كانوا من السوريين المنادين بالحرية والديمقراطية والمواطنة، أو من أيديولوجيات متعدّدة، ما وضع الثورة في متاهات الأجندات المختلفة، والمتخالفة فيما بينها، ولاحقاً وضعها في مواجهة بعضها بعضاً، فبعد أن أدركت بعض التنظيمات المسلحة (فصائل "إسلامية" إلى جانب تنظيمي جبهة النصرة وداعش) أن العمل المسلح الذي رافق الثورة مع أعوامها الأولى (الجيش الحر) قد يأخذها إلى مكان آخر، أو يحافظ على الأقل في استمرار شعاراتها الأساسية في الحرية والمواطنة الكاملة، وهو ما من شأنه أن يدعم التعاطف الدولي للعمل على تغيير شكل حكم الأسد وبنيته الحاليين، ويحقق مطالب السوريين، بما لا يتوافق وإرادة هذه التنظيمات في أن يكون كل طرف دخيل منهم هو البديل المحتمل لعائلة الأسد وأدواتها الأمنية، على الأقل في "المناطق المحررة"، بعد ذلك أعلنت هذه التنظيمات المسلحة الحرب على الجيش الحر، واستحوذت على مناطق وجوده، وهو ما كشف أجنداتها، وأجبرها على خلع قناع الثورة، والإعلان عن حقيقتها ومسمياتها وأجنداتها وإماراتها ودولة خلافتها، ما حرّر ثورة 2011 من الارتباط بهم.
ومن ذلك كله نتج المشهد السوري في شكله الداخلي المعقد، والذي هو ظلال أجندات خارجية 
غذّت مطامع الحالمين بسلطةٍ بديلة، وتوظيفهم في مد أمد الصراع وتشعيب انعكاساته، لإنتاج ما يمكن تسميتها فوضى المنطقة برمتها، وتجلّى المشهد عموماً في سورية ولبنان وفلسطين وليبيا واليمن، وصولاً إلى تركيا، مع فرق في تمظهراته التي بدأت بانقلاب فاشل، واستمرت بأشكالها الاقتصادية.
وبعد تسع سنوات من الصراع الدائر في سورية وعليها، وعديد التشكيلات المعارضة السياسية، من هيئة التنسيق الوطنية إلى المجلس الوطني إلى هيئة تفاوض "الرياض" مرورا بالائتلاف ومنصات المعارضة، القاهرة وموسكو وغيرهما، من التي طفت على السطح، وقدّمت نفسها ممثلة للمعارضة السورية أمام المجتمع الدولي، يجد السوريون أنفسهم أمام سيناريوهات تغذّيها أمنيات أكثر مما يدعمها الواقع، وترتب تفاصيلها مصالح الدول واتفاقاتهم المشتركة غير عابئين بإرادة السوريين. وتتساوى، في ذلك، كل الأطراف السورية من نظام ومعارضة ودخلاء، مع اختلاف في تحديد المنتصر على الركام السوري، فحيث يعلن النظام انتصاره تتسابق المعارضة في إعلان هزيمته، ما يجعل النقاش في العودة إلى تحديد سمات الواقع الحالي ضرورة لاستعادة واقعيتنا في ثورة تحط رحالها على مواجعها، ونظام يزفّ نبأ موته القريب.
على المعارضة، أي الكيانات التي تتأهب للفوز بما سينتج من فتات قرار مجلس الأمن 2254 أن تدرك أنها لم تنجح في مقاصدها، وأن الثورة في مسارها السياسي هزمت على يد معارضتها قبل هزيمتها على يد النظام، وهذا لا يعني أن الثورة بمعنييها، التاريخي القيمي والمستقبلي، قد انتهت.
والنظام لم ينتصر في هذا الصراع الذي اختاره منذ ما قبل الثورة، وحتى تحول الصراع من داخلي، أي نظام ضد معارضيه، إلى صراع مسلح متعدّد الأجندات، تحول فيه كل السوريين، بما فيهم النظام بجيشه، إلى مجرد أداة تنفيذية لقوى دولية ساندته بطلب منه (إيران وروسيا ومليشيات طائفية عديدة)، ما ينزع عنه صفة المنتصر القادر على فرض شروطه على طرف خاسر.
ومن هنا، نحن إزاء بلد مدمر في بنيته التحتية، ومنزوع السلطة الشرعية، أو على الأقل 
"ناقص السلطة الشرعية"، اعتماداً على وجود قرار يساوي بينه وبين كيان المعارضة الموفد إلى مباحثات جنيف دوليا. وتشوب البلد المشتت سياسياً منازعات مجتمعية وهوياتية، وحتى وجودية، وتحت وصايات دولية عسكرية عديدة من إيران وروسيا والولايات المتحدة الأميركية وتركيا، وقبلهم جميعا الاحتلال الإسرائيلي.
إذاً في أي سيناريو واقعي يمكن استشرافه لا يمكن تجاهل ما سبق، أو القفز عنه، بمعنى أنه في إيماننا لا يمكن دوام الحال على ما هو عليه، فثمة نهاية لكل شيء، بمعنى أننا قد نكون على مشارف الفصل الأخير من الصراع المسلح الذي يدفع باتجاه البحث عن حل، ليس لإنهاء المأساة السورية الضاغطة، ولا لأن أطراف الصراع انحازوا إلى السلم المتبادل بينهم، بل لأن أدوات الصراع الدولية ترغب في وضع خاتمةٍ تناسبها، لما حمله هذا الصراع من عبء عليها، وحان أوان التخفف منه، وفي ضمنها أو في سياق رغبتها، يأتي الأمر في مصلحة عموم السوريين الذين أنهكتهم الحرب، أي حل يساير مصالح الدول الفاعلة من جهة، ويعيد بناء دولة جديدة بأجندة ووجه ووظيفة إقليمية مغايرة لما كانت عليه في عهدي الأب والأبن الأسديين.
بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة رغبة روسيا (اللاعب الأكبر في سورية) إزاحة الأسد بين ليلة وضحاها، كما يراهن بعض المحللين لقراءات قرار تعيين مبعوث خاص رئاسي للرئيس الروسي في دمشق، وسبقتها مقالات النقد في الإعلام الروسي للأسد وزوجته وفساد النخبة 
الحاكمة في سورية، وتحميلها روايات عن خلاف رئاسي بين فلاديمير بوتين وبشار الأسد، فموسكو تدرك معنى منح الإدارة الأميركية لها كامل الحرية في لعب دور منفرد في سورية، ما يلقي عليها أعباء تنفيذ الحل المتفق عليه دولياً (القرار 2254)، ومن متطلباته الحالية توحيد جبهة النظام الداخلية المهترئة، والتي اتضحت معالمها في الخلافات العائلية بين رامي مخلوف أداة عائلة الأسد الاقتصادية وزوجة بشار الأسد الوجه الأنثوي لحكمه. وعلى ذلك، فإن مرجعية موسكو الحاضرة الآن في دمشق (المبعوث الرئاسي) بشكل دائم هي الأداة في صناعة موقف واحد في سورية من الاتفاقات التي تعقدها روسيا بشأن الملف السوري، والتي تسارع في تنفيذها للتقليل من حجم المنعكسات الكبيرة لقانون قيصر الأميركي. وهذا يعني بالضرورة إعادة الحياة للجنة صياغة الدستور، ومهمتها الانخراط بشكل فعلي ودائم في العملية السياسية في جنيف، وإلغاء المرجعيات الأمنية المتعدّدة التي أعاقت عملها في الجولة السابقة، فالحاجة إلى صياغة دستور جديد يهيئ سورية لمرحلة ما بعد الأسد، لا تعني بالضرورة فقدانه فرصه في المشهد المستقبلي، ولكن المشهد المرسوم لسورية ليس فيه سورية ما قبل 2011، وهي لن تكون سورية التي تحكم تفاصيلها دمشق العاصمة، أي أننا أمام خيارات التسويات الجراحية التي ستحز عميقاً في خريطة سورية الجغرافية والديمغرافية في آن معاً، مما قد يمهد للأسد أن يكون حاضراً في إحدى الزوايا ضمن السيناريو الروسي الذي يوضح معالمه ما سبق وقدموه في مسودة الدستور المطروحة للنقاش. وواقع الحال يوحي بانعدام فرص سورية المركزية، ليس فقط لجهة تعدّد الوصايات الدولية في المناطق الحدودية، ولكن بسبب البنية المجتمعية الممزّقة التي تحتاج أيضاً لإعادة صناعة مادتها الوطنية اللاصقة، وهي قد تمر بمراحل عديدة، قبل أن نتحدث عن مجتمع سوري واحد، وهو ما عمل عليه نظام الأسد من جهة الذي انتهج تأجيج الخلاف الطائفي منذ بدء الثورة، لتمزيق وحدة ضحايا سياساته الأمنية والاقتصادية، والانفراد بها مذهبياً وقومياً ومناطقياً، وفي سياقٍ هو ما اشتغلت عليه فصائل السلاح المشبوهة في مناطق حكمها من جهة ثانية، ما يستدعي وجود لجنة نظام دستورية تحت وصاية روسية، وتقابلها لجنة معارضة دستورية تحت وصاية أممية، تدخل في التفاصيل القانونية والإدارية والمؤسساتية بعيداً عن خطابات الوطنية الزائفة التي نفذت فرصها، وحان أوان سورية ما بعد نظام الأسد شكلاً وبنيةً.
تعليق: