سورية.. سياسة تبادل السيطرة

17 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 22 يوليو 2020 - 05:54 (توقيت القدس)
+ الخط -

ما بين استعادة وسيطرةٍ، لا تزال الحرب الدموية في سورية مستمرة، في مسلسل لا تبدو له نهاية قريبة في الأفق المنظور. فبعد أن سيطر الثوار على مدينة كسب، ذات الأهمية الاستراتيجية في ريف اللاذقية، في مارس/آذار الماضي، وصدهم عشرات محاولات استعادة المدينة الأرمنية، والتي تتمتع بأهميتها الاستراتيجية، لوقوعها قرب المعبر الوحيد مع تركيا في محافظة اللاذقية، سقطت المدينة بعد إصرار النظام وضغطه بشكل كبير على الفصائل المرابطة في المدينة، وتمكنت قواته، المدعومة بمليشيات لبنانية وعراقية وإيرانية، إضافة إلى وحدات الدفاع الوطني، المعروفين باسم الشبيحة، من استرجاع المدينة.
تحدث ناشطون من المنطقة عن انسحاب فصائل المعارضة المسلحة من مدينة كسب إلى جبل الأكراد، من دون إبداء أسباب هذا الانسحاب المفاجئ، غير أن مصادر في المعارضة، كانت في مدينة كسب، تحدثت عن قطع الإمداد والسلاح عن الفصائل المرابطة هناك، منذ حوالي شهرين. وهذا هو الاحتمال الأرجح، كون أغلب المناطق التي سقطت بيد قوات النظام، وانسحاب كتائب المعارضة منها تعود إلى قطع الجهات الممولة التمويل بالمال والسلاح.
في هذا التوقيت، تعتبر استعادة قوات النظام السيطرة على مدينة كسب، بعد أن كانت قد سيطرت عليها كتائب المعارضة المسلحة، ضربة قوية للمعارضة، وخسارة استراتيجية جديدة لها، إذ إن سيطرة الثوار على مدينة كسب في مارس/آذار الماضي، جاءت رداً على انسحاب كتائب الثوار من مدينة يبرود، بعد معارك عنيفة استمرت نحو شهرين، حيث استطاع النظام، حينئذ، السيطرة على مدينة يبرود في منطقة القلمون، وتم بذلك بتر طرق إمداد الأسلحة، القادمة من الحدود الغربية مع لبنان، والدعم اللوجستي عن قوات المعارضة السورية.
لكن، وكما جرت عليه العادة في سورية، ما أن يسطير النظام على مواقع لقوات المعارضة، حتى تبادر الأخيرة إلى مهاجمة مواقع أخرى له، وتسيطر عليها. فقد أعلنت غرفة عمليات أهل الشام في حلب السيطرة على ثلاث قرى، تقع على طريق السفيرة في ريف حلب الجنوبي. وهي العدنانية والزراعة الفوقانية والتحتانية في منطقة جبل الحص في الريف الجنوبي لمدينة السفيرة.
تتمتع المواقع التي سيطر عليها الثوار بأهمية استراتيجية كبيرة، لقربها من منطقة معامل الدفاع، وإشرافها على طريق إمداد قوات النظام إلى داخل المعامل، ما يقلب كفة الموازين من جديد لصالح الثوار، بعد أن اختلت، أخيراً، لجهة النظام، والذي كاد أن يفرض حصاراً شبه كامل على مدينة حلب، بعد سيطرته على دوار البريج، القريب من المنطقة الصناعية في الشيخ نجار شرقي حلب. كان الثوار قد سيطروا في الشهر العاشر الماضي على مدينة السفيرة، وعلى طريق الإمداد الوحيد القادم من مدينة حماة إلى مدينتي حلب والرقة، لكن النظام الذي جلب، لمساندته في عملية فتح الطريق، كتائب من حزب الله اللبناني، ولواء أبي الفضل العباس العراقي، نجح بعد اتباع سياسة الأرض المحروقة في فتح الطريق وتأمين طريق الإمداد إلى معامل الدفاع.
الآن، تحاول كتائب الثوار من جديد السيطرة على مدينة السفيرة، وعلى طرق الإمداد، في تكرار سيناريو العام الماضي، بيد أن النظام يتبع سياسة، لم يستطع الثوار إدراكها، هي أنه لن يستطيع التخلي عن أي موقع يعتبر شريان حياة لقواته، مهما كلف الثمن، لكن الثوار، وبعد أن يتمكنوا من السيطرة على مواقع، تعتبر ذات أهمية حيوية بالنسبة للنظام، تضعف شوكتهم نتيجة عدة أسباب. أهمها أن الثوار عندما يقومون بعملية عسكرية للسيطرة على مواقع مهمة واستراتيجية لقوات النظام، يكون الدعم العسكري والمالي، في بداية الهجوم إلى حين السيطرة، مفتوحاً على مصراعيه. لكن، ما إن يتمركز الثوار في الموقع، حتى تبدأ مشكلة النقص في الإمداد والتمويل تطفو على السطح، وتبدأ أغلب الكتائب في الانسحاب من الموقع تدريجياً. وهناك الخلافات الحادة التي تنشأ بين قادة الفصائل المشاركة في العمليات، على خلفية تقاسم الغنائم ونطاق السيطرة على الأرض، وهو ما تحدث عنه ناشطون من أسباب الانسحاب المفاجئ من مدينة كسب.
أما السبب الآخر، وهو الأهم، فيتمثل في ضعف التنسيق والتنظيم العالي الذي تفتقر له معظم كتائب الثوار في سورية، حيث يمكن ملاحظة ذلك على مستوى الكتائب المرابطة في إحدى الجبهات، أو حتى على مستوى الكتيبة الواحدة.
من ناحية قوات النظام، الدرس الكبير الذي لم يتقنه الثوار، هو أن النظام في حال خروج أحد المواقع الاستراتيجية بالنسبة له من تحت سيطرته، فإنه سيضع جل قواته، ويصب كامل تركيزه على استعادة الموقع، وهو ما حصل في مواقع عديدة، آخرها كانت مدينة كسب في ريف اللاذقية. لذلك؛ ينبغي على واضعي خطط العمليات العسكرية في فصائل المعارضة وغرف عملياتها، التركيز بشكل أكبر على تأمين ذخيرة ودعم لوجستي لقواتها، بما يضمن حاجة القوات لأشهر، وخصوصاً في حال قطع تلك المساعدات الممولون الخارجيون، وهذا ما حصل ويحصل في معظم المعارك التي خاضها ويخوضها الثوار في سورية. وما الاستقالة الجماعية التي تقدم بها أربعة من قادة جبهات القتال، ورؤساء مجالس عسكرية تابعين لهيئة أركان الجيش السوري الحر، يوم السبت الماضي، إلا تأكيد على الأسباب الآنفة الذكر، لجهة قلة الدعم والتنسيق بين كتائب المعارضة المسلحة على الأرض السورية.
هكذا، يتبادل الثوار والنظام السيطرة على المناطق في سورية، من دون أن يكون هناك حسم من أي طرف، أو القدرة على التشبث في المكان فترة طويلة. لكن حالة تبادل الأدوار تبقى العامل المستمر منذ نحو عامين، والذي لا يصب في مصلحة أحد، سوى أنه سيطيل من عمر الصراع الدموي في البلاد، لا سيما مع غياب أي حل سياسي، واندلاع مواجهات دموية في الجوار العراقي، الأمر الذي سيغير من حسابات الأطراف المؤثرة في الأزمة السورية، والتي كانت، وما زالت، تحاول الحفاظ على ميزان القوى على الأرض بين النظام والمعارضة.

avata
avata
جابر عبد الفتاح الصيادي (سورية)
جابر عبد الفتاح الصيادي (سورية)
The website encountered an unexpected error. Please try again later.