سورية: تصعيد روسي عشية أستانة والجنوب يستعر

31 يوليو 2019
الصورة
القصف السوري اشتدّ عشية اجتماع أستانة (محمد سعيد/الأناضول)


صعّد النظام السوري والجانب الروسي من عمليات القصف الجوي ومحاولات اختراق الجبهات ضد فصائل المعارضة السورية، في محاولة لإضعاف موقف الجانب التركي عشية انطلاق الجولة الجديدة من مفاوضات أستانة، اليوم الخميس، وذلك في وقت يتجه فيه الموقف العسكري والأمني في جنوب البلاد إلى مزيد من التوتر في ظل فلتان أمني وعمليات عسكرية من قبل لجان المقاومة الشعبية التابعة لقوات النظام. وشنّت طائرات النظام السوري، أمس الأربعاء، غارات على أطراف مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، بعد ساعات من استهداف المدينة بغارات عدة شنّتها طائرات حربية روسية فجراً، طاولت أيضاً بلدة كفرزيتا بريف حماة الشمالي. كما ألقى الطيران المروحي براميل متفجرة على بلدتي اللطامنة وكفرزيتا وقرية الزكاة في ريف حماة الشمالي، بينما قصفت قوات النظام بالمدفعية بلدات كفرزيتا واللطامنة وحصرايا والأربعين والزكاة والقاهرة والمنصورة وتل واسط وزيزون والحميدية في الريف ذاته. وقد تسبّب القصف على مدينة أريحا بريف إدلب في انهيار مبنى من خمسة طوابق. وقال الدفاع المدني إن "فرقه انتشلت بعد عمل لساعات، شابين من تحت الأنقاض"، مشيراً إلى أن "البناء تعرّض للقصف منذ يومين، ما أدى إلى زعزعته وانهياره بشكل شبه كامل".

من جهتها، استهدفت فصائل المعارضة السورية بالقذائف والصواريخ مواقع قوات النظام في حيالين وتل ملح والجبين ومعسكر بريديج وتل صلبا والحاكورة وشيزر بريف حماة الشمالي الغربي. وحاولت قوات النظام إحداث اختراق في ريف حماة الشمالي الغربي باتجاه منطقة الزكاة، انطلاقاً من المواقع التي استعادت السيطرة عليها يوم الجمعة الماضي، في تل ملح والجبين. وذكرت مصادر في فصائل المعارضة السورية المسلّحة أن "مقاتلي الأخيرة تصدوا للهجوم وقتلوا وأصابوا عدداً من العناصر المهاجمة"، لافتة إلى أن "فصائل المعارضة حصّنت المنطقة بشكل مكّنها من إفشال الهجوم".

إلى ذلك، تجددت الاشتباكات على محاور في ريف اللاذقية الشمالي بين قوات النظام ومقاتلي الفصائل. وتحاول قوات النظام التقدم في المنطقة بغطاء جوي وهجمات متكررة خلال الأيام الأخيرة. وقالت مصادر محلية إن "قوات النظام أخفقت مجدداً بالتقدم في محور الكبانة التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي، إذ قالت وكالة "إباء" التابعة لـ"هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة) إن "المقاتلين تصدّوا لمحاولة تقدم لقوات النظام على محور الكبانة، بعد استهدافها بأكثر من 100 غارة جوية، بالإضافة إلى قصف مدفعي وصاروخي، ما أسفر عن مقتل مجموعتين كاملتين من القوات المهاجمة إضافة إلى إصابة آخرين" بحسب الوكالة.

وتقع قرية الكبانة التي تحاول قوات الأسد السيطرة عليها على أهم التلال الاستراتيجية في ريف اللاذقية، وتعتبر أبرز مواقع المعارضة في جبل الأكراد. وتحظى القرية بأهمية استراتيجية، تتيح للطرف الذي يسيطر عليها رصد مساحات كبيرة من ريف حماة وإدلب الغربي إلى جانب قرى ريف اللاذقية الشمالي. ويسعى الروس للسيطرة عليها من أجل تأمين قاعدة حميميم العسكرية على الساحل السوري، ولكنهم ما زالوا يفشلون رغم دعمهم الكبير لعشرات محاولات الاقتحام، بسبب تحصينات الفصائل المقاتلة في المنطقة. ومن الواضح أن الجانب الروسي سعى لإحداث اختراق مهم في محوري ريف حماة وريف اللاذقية قبل انطلاق الجولة 13 من مفاوضات أستانة بهدف إضعاف موقف الجانب التركي الضامن لفصائل المعارضة السورية.

على صعيد آخر، دفع الجيش التركي، أمس، بتعزيزات عسكرية جديدة لوحداته المرابطة على الحدود مع سورية، حسبما ذكرت وكالة "الأناضول" التركية. وأضافت الوكالة أنه "وصلت دفعة جديدة من الآليات العسكرية إلى ولاية شانلي أورفا المتاخمة للأراضي السورية المقابلة لمدن رأس العين وتل أبيض في شمال شرقي سورية، بهدف تعزيز قدرات الوحدات العسكرية التركية العاملة قرب الحدود".

وكشفت أن "التعزيزات الجديدة وصلت إلى منطقة جيلان بينار التابعة لشانلي أورفا. وتشمل هذه التعزيزات فوجاً مكوّناً من 12 مركبة، عبارة عن حاملات جنود مدرّعة، وسط إجراءات أمنية مشددة"، مشيرة إلى أنه "تمّ تسليم هذه التعزيزات لقيادة الفوج الأول حدود بمنطقة جيلان بينار. ومن المنتظر القيام بنشرها بعدد من المواقع على خط الجبهة المتاخم للحدود السورية". وحشد الجيش التركي قوات كبيرة في ولاية شانلي أورفا وسط أنباء عن استعداده لشن هجوم على منطقة شرقي نهر الفرات، بهدف إنشاء منطقة آمنة بعمق يصل في بعض المناطق إلى 40 كيلومتراً من الحدود التركية داخل الأراضي السورية، وعلى طول الحدود السورية التركية، شرقي نهر الفرات.



بموازاة ذلك كله، ما زال الجنوب السوري يشهد تطورات عسكرية وأمنية من شأنها في حال اتساعها تغيير معادلة الصراع، وإعادته إلى مربعاته الأولى، إذ تتواصل العمليات النوعية التي تشنّها مجموعات المقاومة الشعبية على حواجز قوات النظام. وتستهدف هذه المجموعات شخصيات متهمة بالارتباط المباشر مع النظام، إضافة إلى أخرى متهمة بتسليم جنوب سورية للنظام والروس والإيرانيين.

وأفاد "تجمّع أحرار حوران" بأن "ثوار مدينة الصنمين في ريف درعا شنّوا هجوماً على حاجز السوق التابع لقوات الأسد، وسط المدينة، وحاجز مفرق قيطة، فجر أمس"، مضيفاً أن "الثوار استخدموا في الهجوم الأسلحة الخفيفة وقذائف أر بي جي". وأكد "وقوع قتلى وجرحى في صفوف قوات الأسد". وأشار التجمع إلى أن "الهجوم جاء رداً على قيام قوات الأسد المتمركزة في حاجز السوق بقنص طفلين من أبناء المدينة قبل أسبوعين"، كاشفاً أن "مجهولين استهدفوا، الاثنين، بالأسلحة الخفيفة وبقنبلة يدوية مبنى الأمن الجنائي وحاجز السوق، وسط الصنمين".

وأوضح التجمّع أن "عمليات اغتيال شخصيات مرتبطة بالنظام ازدادت في الآونة الأخيرة"، مشيراً إلى أن "مجهولين قتلوا، يوم الثلاثاء الماضي، سائقاً يعمل في فرع حزب البعث التابع لنظام الأسد بإطلاق النار عليه في حي السبيل بمدينة درعا". كما اغتال مجهولون، الثلاثاء أيضاً، القيادي السابق في "ألوية سيف الشام"، التي كانت تابعة للمعارضة السورية، عاصم فؤاد الصبيحي، قرب بلدة تل شهاب، غربي درعا. وذكر التجمّع أن "القتيل كان قد انضم للفرقة الرابعة التابعة لنظام الأسد عقب سيطرة الأخير على محافظة درعا قبل عام".

وقُتل خلال الأسبوع الحالي أكثر من متعاون مع أجهزة النظام الأمنية في محافظة درعا، ما يؤكد أن الأوضاع الأمنية تتدهور بشكل ملحوظ في المحافظة وتأخذ منحىً خطيراً بعد موجة واسعة من الاغتيالات الغامضة.
وكانت قوات النظام قد استعادت السيطرة على جنوب سورية منتصف العام الماضي عقب عملية عسكرية، تحت غطاء ناري روسي. وتبيّن لاحقاً أن قياديين في الجيش السوري الحر مرتبطين بالإمارات، سهّلوا عمليات تسليم جنوب سورية من دون مقاومة كبيرة للنظام والجانب الروسي. وعلى الرغم من مرور عام على سيطرته على محافظة درعا، جنوبي البلاد، إلا أن النظام السوري لم يتمكن حتى الآن من إحكام قبضته على المحافظة، التي ما زالت تشهد بشكل يومي تقريباً نوعاً من مظاهر الاحتجاج والتذمر والرفض لوجود قوات النظام، التي تتّبع الأساليب الأمنية القديمة في التعامل مع المحافظة التي انطلقت منها الثورة السورية عام 2011. وتنقسم مناطق المحافظة أمنياً إلى قسمين، الأولى تلك التي سيطرت عليها قوات النظام بالقتال في ريف درعا الشرقي في بداية الحملة العسكرية في يونيو/ حزيران 2018. وهذه المناطق جردتها قوات النظام من جميع أنواع الأسلحة. أما القسم الثاني فهي المناطق التي عقدت اتفاقيات تسوية مع النظام برعاية روسية. وهي المناطق التي احتفظ مقاتلوها بسلاحهم الخفيف وبعض السلاح المتوسط، ولم تدخل قوات النظام إلى معظمها، مكتفية بنصب حواجز خارج القرى والبلدات، حيث تقوم باعتقال الأشخاص المطلوبين لديها على الحواجز خلال تنقّلهم بين بلدات المحافظة، أو باتجاه العاصمة دمشق.


تعليق: