سورية: التفاوض من قلب المعركة

سورية: التفاوض من قلب المعركة

15 فبراير 2016
+ الخط -
صار من المستحيل الحديث عن حل سياسي للأزمة السورية في ظل المعطيات الراهنة، حتى يتأتى الحل بتغيير الوضع الميداني. ولأن هذا هو التسلسل الصحيح للأمور، فإن التدخل العسكري الروسي تم خصيصاً ليغيّر موازين القوى على الأرض، ومن ثم يتيح فرض حل سياسي بشروط موسكو، غير أن الأطراف الأخرى غير متوافقة على هذه الشروط، بين رفض جذري من قوى المعارضة والدول الداعمة لها، وتحفظ أوروبي جزئي، وقبول أميركي بأي حل لا يهدد إسرائيل، ولا يورّط إدارة أوباما أو التالية لها لاحقاً. أمام غياب التوافق على قواعد الحل، بل وقبل ذلك على التفاوت في تقدير ضرورته، واستشعار مدى (وطبيعة) الخطورة على مستقبل سورية، كانت النتيجة المنطقية فشل مباحثات جنيف قبل أن تبدأ. وهو ما حاول ستيفان دي ميستورا إخفاءه، فاستبق انسحاب وفد المعارضة بإعلان تأجيل المباحثات.
بدأت كل الأطراف تتحرك، إما لتغيير الموقف على الأرض عسكرياً، أو استعداداً لمواجهة ذلك التغير ومنعه. والنتيجة، كما توقعنا، الأسبوع الماضي، تصاعد حدة العمليات العسكرية، وتركيز مختلف الأطراف على ميدان القتال، وليس مائدة التفاوض.
في هذا السياق، جاء إعلان المملكة العربية السعودية وتركيا الاستعداد للقيام بعمل عسكري بري في الأراضي السورية، ليتسق مع المقدمات السابقة. حيث وجدت الرياض وأنقرة أنه ما من سبيل إلى إنهاء الأزمة السورية بشكل مناسب، وإن ليس مثالياً، من دون تدخل مباشر، ليتبلور على الأرض مسار موازٍ (وإن كان معاكساً) للتدخل العسكري الروسي.
صحيح أن موسكو بدورها استقرأت بوصلة التحرك السعودي التركي مبكراً، فراحت تكثف هجماتها ضد المعارضة السورية. بينما تنسق مع الأكراد لمواجهة داعش إلى حد ما، ولاستباق التحرك التركي – السعودي إلى حد بعيد. فإذا كانت الخطوة السعودية – التركية تستهدف تقويض قدرات داعش، لكي تبطل حجة موسكو ودمشق، بل وواشنطن، في الإبقاء على نظام بشار، فإن عمليات الأكراد المنسقة روسياً تهدف إلى توسيع مساحة السيطرة الكردية على الأرض، وتقليص العمق الاستراتيجي الذي يمكن أن تمتد إليه العمليات المتوقعة من الرياض وأنقرة. حيث تحجيم الحضور العسكري المحتمل لذلك التحالف الجديد الذي يدخل ميدان القتال، ويضم السعودية وتركيا، وربما بمشاركة الإمارات ودول أخرى، من شأنه تقليص النفوذ والدور السياسي لذلك التحالف في أي مسار سياسي محتمل ما بعد.
الخطير في هذا التسابق نحو رسم خريطة السيطرة العسكرية، ومن ثم النفوذ والدور السياسي، أنه يفتح الباب أمام كل الاحتمالات، بدءاً من انفجار الموقف وتحول المشهد من مشاركة كل طرف (على الأقل ظاهرياً) في محاربة داعش بأدوات محدّدة وخطوات محسوبة ومقبولة من الأطراف الأخرى، إلى حالة انفلاتٍ، تتصادم فيها كل الأطراف مع بعضها بعضاً، ويصبح المشهد حرب الكل ضد الكل. وعندها، سيكون الحديث عن "سورية واحدة" ضرب من خيال.
الكابح الوحيد لهذا الاحتمال المخيف، أن تعدّل موسكو من استراتيجيتها العسكرية والسياسية، بالتوقف عن ضرب المعارضة لصالح قوات نظام بشار، فيما تزعم زوراً أنها تحارب داعش. والكف عن بناء تصورات سياسية، تبدأ وتنتهي ببقاء بشار نظاماً ومؤسسات وآليات عمل ومنطق حكم، وليس فقط بشار الشخص أو نخبة الحكم المحيطة به. وللحق، ليس هذا المنطق روسياً فقط، بل هو منطق دول أخرى - بعضها عربي بكل أسف - لا تمانع في قتل السوريين، مدنيين أو مسلحين معارضين لصالح نظام يقمع ويحكم بالدم، بحجة الحفاظ على الدولة السورية. فيما نتائج هذا المنطق المغلوط واضحة للعيان، تدمير الدولة، وليس الحفاظ عليها.


58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.