سورية: أزمة دواء تُقلق المواطنين مع انخفاض سعر صرف الليرة

03 يونيو 2020
الصورة
تراجع تصنيع الأدوية بحدود 75%(مات كاردي/Getty)

أصبح مروان سلمان، مسكوناً بقلق دائم، بعد أن استهلكت زوجته دواء الغدة، الذي تتناوله بشكل يومي، بكامله. فراح يجوب الصيدليات بحثاً عن الدواء من دون جدوى، حتى وجد أخيراً علبة واحدة بالصدفة في إحدى الصيدليات، مقابل سعر أعلى من السعر الرسمي؛ إذ أصبح الحصول على بعض الأدوية، في سورية، أمراً صعباً، فهي إمّا غير متوفرة في غالبية الصيدليات، أو أنّ سعرها سجّل ارتفاعاً جديداً. 

وقال سلمان، في حديث لـ"العربي الجديد": "الدواء أهم من الغذاء، فالمسألة مسألة حياة أو موت. ولا يكفي أنّ الدواء أصبح غير متوفر، بل إنّ ارتفاع سعره يزيد من الطين بلة. فمثلاً وصل سعر علبة دواء الغدة إلى 4500 ليرة سورية (حوالي 9 دولارات)، وزوجتي تحتاج إلى علبتين منه في الشهر، أي 9 آلاف ليرة، وراتبي 50 ألف ليرة فقط. طبعاً هذا الراتب لا يكفينا لأيام، ولولا مساعدة ابني اللاجئ لنا، لما كان في مقدورنا شراء الدواء أو حتى الطعام، والمشكلة الأخرى هي في انخفاض فعالية الدواء بشكل عام، إن وجد".

من جانبه، قال عمر الحاج، لـ"العربي الجديد": "في السنوات الماضية، كان الناس يحتاجون إلى مساعدات غذائية، أما اليوم فهم بحاجة أيضاً وبشكل ضروري، إلى مساعدات لتأمين الدواء. إذ لم يعد بالإمكان إيجاد الكثير من الأدوية، حتى تلك الوطنية، مثل قطرات العين أو غيرها". ولفت إلى أنّ "المشكلة هي في توفّر الدواء بشكل متقطّع أحياناً، ما يجعل الأزمة مستمرة، وبالتالي صارت مستودعات بعض الأدوية ترفع من أسعارها، بحجة صعوبة الحصول عليها".

وأضاف: "ليست المشكلة في الأدوية فقط، بل هناك المتمّمات الغذائية والمقوّيات، ومعجون الأسنان والمعقّمات والكريمات، التي تضاعفت أسعارها خلال الأسابيع الماضية". وأشار إلى أنّ "الحصول على الدواء أصبح معاناة فعلية للكثير من العائلات".


من جانبه، أعاد الصيدلي رامز أبو محمود، أسباب نقص بعض أنواع الأدوية، إلى تخفيض غالبية معامل الأدوية المحلية إنتاجها أو إنتاج أصناف محددة، بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي إلى نحو ألفي ليرة، في حين تسعّر وزارة الصحة الأدوية، على أساس سعر صرف الدولار الرسمي، أي 430 ليرة، في وقت طاول ارتفاع الأسعار جميع مناحي الحياة".

ولفت أبو محمود إلى أنّ "الخلل في تسعير الأدوية والمتمّمات وغيرها، خلق فوضى، فأصبح الدواء نفسه يُعرض بأسعار مختلفة. بل حتى أحياناً تجد السعر على الفاتورة مختلفاً عن المبلغ الذي دفعته مقابل الحصول على الدواء". وأضاف أنّ "الضرر أيضاً لحق بالصيادلة، فنِسب الربح من الدواء، بحسب أسعارها اليوم، مقارنة بالارتفاع الجنوني للأسعار، لم تعد تؤمن متطلبات العيش الأساسية".

ويبدو أنّ فقدان بعض الأدوية وارتفاع أسعارها، هما مؤشّران لأزمة أكبر، حذّر منها عضو مجلس الشعب السوري، وضاح مراد، الذي قال تحت قبة مجلس الشعب، مخاطباً مجلس الوزراء، بحسب تقارير إعلامية نشرت يوم أمس الثلاثاء، إنّ "الدواء والغذاء خطّ أحمر، وخطير على الشعب، وأنتم فشلتم حتى الآن في الغذاء، وماضون بطريقكم لغلق مصانع الأدوية السورية التي كانت تغطي احتياجات السوق المحلية، وبأرخص الأسعار، كما تصدّر إنتاجها إلى أكثر من ثمانٍ وخمسين دولة... أسبوع آخر وستُغلق جميع معامل الأدوية، بعد أن تنتهي المواد الأولية الباقية فيها، فكيف تطلب الحكومة من مصانع الأدوية تسعير الأدوية على سعر صرف الدولار بأربعمائة ليرة، وتقول لهم أن يتدبّروا أمورهم بشراء الدولار من السوق، وسعره فوق الألف وسبعمائة؟ وكأنك تقول لهم أغلقوا مصانعكم... أعطهم الدولار بثلاثمائة وطالبهم بتخفيض سعر الدواء للسوق المحلية".

وكانت نقابة الصيادلة في سورية، برّرت منذ شهر إبريل/نيسان الماضي، مسألة نقص وتغيّر أسعار الدواء، على لسان عضو المجلس المركزي لنقابة صيادلة سورية، جهاد وضيحي، الذي قال حينها بحسب تصريحات صحافية، إنّ هناك نقصاً في بعض الأدوية، نتيجة صعوبة الشحن والعقوبات الجائرة المفروضة على سورية. ولفت إلى ارتفاع أسعار بعض الأدوية، من خلال تعديل لأسعار في محاضر سابقة، مثلاً بعض الأدوية التي كان سعرها 100 ليرة، أصبحت اليوم بـ300 ليرة. هذا يُعتبر تعديلاً لسعر الدواء القديم، ليتناسب سعره الجديد مع سعر صرف الدولار، وفقاً لنشرة مصرف سورية المركزي. وأضاف أنّ الأدوية التي تعدّل سعرها قليلة جداً، إلا أنّ الواقع يواصل تدهوره بشكل متسارع، دون حلول ملموسة.

يُذكر أنّ صناعة الأدوية بدأت في سورية عبر تأسيس الشركة العربية لصناعة الأدوية عام 1968، ومن ثم شركتي الديماس وتاميكو، اللتين جرى تأميمهما عام 1970، ثم تأسيس شركة بركات للصناعات الدوائية عام 1972. وعقب السماح في الاستثمار بالصناعات الدوائية عام 1987، شهدت سورية قفزات في عدد المنشآت والأصناف المصنّعة، حيث وصل عدد المعامل إلى 70 معملاً عام 2011، تنتج أكثر من 8 آلاف صنف دواء، وتغطي 93 في المائة من الاحتياجات العلاجية في السوق المحلي، وبفائض كمّي يتمّ تصديره لعشرات الدول. إلا أنّه عقب عام 2011، ونتيجة حالة الصراع المسلّح توقف عن العمل العديد من معامل الأدوية، وتراجع الإنتاج بحدود 75 في المائة.