سورية: "ميثاق الشرف الثوري" والنقلة من الأيديولوجيا إلى السياسة

18 مايو 2014
لغة جديدة يمكن البناء عليها داخلياً وخارجياً (getty)
+ الخط -

يُعتبر "ميثاق الشرف الثوري"، الذي صدر يوم السبت عن مجموعة من أهم الكتائب الإسلامية المقاتلة ضد النظام السوري، نقلة مهمة على صعيد بلورة إطار فكري وسياسي للقوى العاملة على الأرض، والتي ظلّت منذ بداية الثورة السورية تعمل في فضاء سياسي يراوح بين الضبابية، أو انعدام الإطار السياسي والفكري، أو الصبغة المتطرفة الأقرب إلى "الإرهاب"، وفق ما عملت على تصويره دعاية النظام وحلفائه، ووفق ما بات يشكل قناعة راسخة لدى الكثير من دول العالم بالنسبة لبعض القوى على الأقل، مثل تنظيم "داعش"، و"جبهة النصرة" و"أحرار الشام".

وقد حرص الموقعون على هذا الميثاق، وهم "الجبهة الإسلامية"، و"الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام"، و"فيلق الشام"، و"ألوية الفرقان" و"جيش المجاهدين"، على إدراج كل النقاط التي تثير تساؤلات حول هوية الحراك الثوري وتوجهاته المستقبلية ورؤيته لمستقبل سورية، وعلاقته مع قوى الداخل والخارج، في محاولة كما يبدو لتبديد الشكوك المثارة في الداخل والخارج، والتي لا تزال تحول دون حصول الثورة السورية، وخصوصاً في شقها العسكري الميداني، على مباركة دولية عملية. وقد تُرجمت هذه الشكوك خلال زيارة وفد "الائتلاف الوطني" الأخيرة برئاسة أحمد الجربا، إلى الولايات المتحدة، وحالت دون الحصول على الدعم المطلوب.

والنقطة الأساسية التي يركز عليها الميثاق، هي احترام الموقعين لحقوق الإنسان في إطار دولة العدل والقانون والحريات، فضلاً عن التمسك بالنسيج السوري الاجتماعي المتنوع بكافة أطيافه العرقية والطائفية، مع ترك المرجعية لتحديد نمط الحكم بعد سقوط النظام، للشعب السوري، إضافة إلى تحييد المدنيين عن دائرة الصراع، واعتبار وحدة الأراضي السورية خطاً أحمر غير قابل للتفاوض. وجميع هذه الأدبيات لا تختلف عمّا يستخدم في إطار "الائتلاف الوطني"، الذي لم يكن خطابه يلقى استحساناً في أوساط القوى الإسلامية المقاتلة، بمختلف مسمياتها، ووصل ببعضها حد تكفيره أو نعته بـ"العلماني" و"المغترب عن مجتمعه".

وفي سعي من الموقعين للنأي بأنفسهم عن التنظيمات ذات الأجندة الملتبسة، والتي تعتمد بقدر أو آخر على العناصر الوافدة من خارج سورية، يؤكد الميثاق الاعتماد على العنصر السوري في محاربة النظام، وحصر العمل العسكري داخل الأراضي السورية، وهي إشارات لا تخفى مراميها في الابتعاد عن تنظيمي "داعش" و"جبهة النصرة". وفي السياق ذاته، يؤكد الموقعون الابتعاد عن "التنطع والغلوّ" في تفسير أحكام الدين، التي حرصوا في الوقت نفسه على اعتبارها "مصدر ضوابط العمل الثوري"، وهي إشارة للحفاظ على اتّساق مع الذات، وقد تتحول في ظروف أخرى إلى مصدر تقييد لأية محاولة يقوم بها طرف ما لشد هذه القوى مسافات أبعد نحو فصل الدين عن الممارسة السياسية والعسكرية على الأرض.

ويحدّد الموقعون، باللغتين العربية والإنكليزية، هدف الثورة السورية بإسقاط النظام بكل رموزه وركائزه بعيداً عن الثأر والانتقام، وهذا فك ارتباط آخر بأجندات التنظيمات الإيديولوجية الأخرى، والتي تستهدف إقامة نظام حكم إسلامي بعد إسقاط النظام، ويرفع بعضها شعارات طائفية توحي بالانتقام من الأقليات في سورية.

وإذ يؤكد البيان على وحدة التراب السوري ومنع أي مشروع تقسيمي، فهو يرحّب باللقاء والتعاون مع الأطراف الإقليمية والدولية المتضامنة مع محنة الشعب السوري بما يخدم مصالح الثورة، في إشارة انفتاح لهذه القوى على التعاون مع القوى الإقليمية والدولية لتحقيق هدف إسقاط النظام، بما يشمل ربما الانخراط في مفاوضات سياسية على غرار مؤتمر جنيف.

ويصنّف الموقعون، صراحةً، تنظيم "دولة الإسلام في العراق والشام" (داعش) بوصفه ضمن "أعداء الشعب السوري" ممّن تستوجب محاربته على قدم وساق مع النظام وداعميه مثل حزب الله وميليشيات أبي الفضل العباس.

تبدو هذه الوثيقة مهمة من جوانب عديدة، وخصوصاً أنها تقدّم لغة جديدة يرى عدد كبير من المراقبين أنه قد يكون بالإمكان البناء عليها داخلياً وخارجياً في تحسين صورة "عسكر الثورة". كما أنه يمكن التعاطي مع البنود الـ11 لـ"الميثاق" على ضوء زيارة وفد "الائتلاف الوطني" الى كل من الولايات المتحدة وفرنسا ومشاركته في "مؤتمر أصدقاء سورية" الأخير في لندن، إذ وصلت القوى الثورية إلى المفترق الحاسم الذي يتوجب عنده الافتراق نهائياً، وبشكل واضح، عن التنظيمات التي تسيء إلى الثورة بقدر ما يسيء النظام إلى الشعب السوري، والتي حال تصدّرها للمشهد السوري، دون الحصول على دعم واضح للثورة السورية، أو على الأقل اتخذت القوى الكبرى من ذلك حجة وذريعة حتى الآن لتبرير ترددها وإحجامها.

المساهمون