سورية: "داعش" يسعى إلى إقامة "منطقة آمنة" من الأكراد

29 اغسطس 2015
الصورة
صادر التنظيم 45 منزلاً في قرية تل جرجي(فرانس برس)
+ الخط -
تصاعدت في الأيام الأخيرة انتهاكات تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) ضد الأكراد الذين تقع قراهم في ضواحي مدينة الباب في ريف حلب الشرقي، كما تقع ضمن المنطقة التي تعتزم تركيا إنشاء "منطقة آمنة" فيها. وصلت الانتهاكات إلى حدّ اعتقال المئات من سكان هذه القرى، ومصادرة عشرات البيوت وعرضها للإيجار لصالح التنظيم. تسبّبت الانتهاكات بموجات نزوح جديدة نحو القرى ذات الغالبية الكردية في مناطق سيطرة المعارضة السورية في ريف حلب الشمالي، ومنطقتي عفرين وعين العرب في ريف حلب اللتين تتمتعان بغالبية كردية وتسيطر عليهما قوات "حماية الشعب" الكردية.

ويؤكد الناشط مراد السوسياني لـ"العربي الجديد"، أنّ "داعش شنّ منذ مطلع الأسبوع الماضي، حملات اعتقال عدة ضد السكان في قرى شدود وقبّة شيح والشيخ جراح وتل بطال وقعركلبين وبليخة وتل جرجي وشاوى والكعيبة وغيرها من القرى التي يسكنها الأكراد في ريف حلب الشرقي. وشملت حملات الاعتقال، بحسب السوسياني، عشرات السكان من قرية شدود الواقعة شمال مدينة الباب. وتمكّن ناشطون محليون من توثيق أسماء 70 معتقلاً من سكان قرية شدود، قام عناصر "داعش" بإلقاء القبض عليهم قبل نقلهم إلى سجون التنظيم في مدينة الباب. كما وثّق ناشطون أسماء 12 شخصاً، قام التنظيم باعتقالهم من قرية الشيخ جراح و5 آخرين من قرية تل بطال و3 من قرى الكعيبة وقعركلبين وبليخة، و6 من قرية شاوى و10 من قرية قبة شيح.

وينقل السوسياني عن عائلات المعتقلين، أنّهم راجعوا سجون "داعش" في مدينة الباب للسؤال عن أولادهم، وطُلب منهم المغادرة، مشيراً إلى أنّ عناصر التنظيم أخبروا العائلات أنّه يجري التحقيق مع المعتقلين وسيتم إطلاق سراح من لا يثبت أنّه تعاون مع التحالف الدولي أو قوات المعارضة السورية فوراً. ويوضح السوسياني أنّ التنظيم تعهّد أيضاً بإطلاق سراح المعتقلين إذا ثبت أنهم لا ينتمون إلى تنظيم مرتبط بالمعارضة السورية وليسوا أعضاء سابقين في حزب "العمال الكردستاني" أو حزب "الاتحاد الديمقراطي".

يتحدّث شهود عيان في مدينة الباب، لـ"العربي الجديد" عن انتهاكات "داعش" بحق سكان القرى الكردية في المنطقة التي وصلت إلى مصادرة البيوت التي نزح منها سكانها وعرضها للإيجار بأسعار زهيدة. ويلفت شهود عيان إلى أنّ التنظيم قام بمصادرة أكثر من 45 منزلاً في قرية تل جرجي وحدها، و8 منازل في قرية أشدود و6 منازل في قرية الشيخ جراح. وبعد نهب عناصر التنظيم لمحتويات المنازل، قاموا بعرضها للإيجار مقابل خمسة آلاف ليرة سورية في الشهر، ما يعادل 16 دولاراً أميركياً.

ترافقت هذه التطورات مع حالة فوضى أمنية في مناطق سيطرة "داعش" في ريف حلب الشرقي، يعتقد السكان الذين تحدثت "العربي الجديد" إليهم، أنّ "داعش" تعمّد بثّها في الفترة الأخيرة، بهدف زيادة الضغط على سكان المنطقة.

اقرأ أيضاً "منطقة آمنة" بسورية: توافق أميركي تركي على المبدأ

ويوثّق ناشطون محليون من مدينة الباب، حالات سرقة السيارات والدراجات النارية في المدينة وانتشار عصابات سرقة على الطرقات وفي محيطها، إذ تقوم بإيقاف المارة لتسلب ما يحملون من أموال وأجهزة إلكترونية. ويعتبر شهود عيان (طلبوا عدم ذكر أسمائهم) أنّ "داعش" يسعى إلى دفع السكان للنزوح من هذه المناطق بمختلف الوسائل، ومنها إنهاء حالة الأمن التي فرضها التنظيم منذ سيطرته على المنطقة في شهر فبراير/شباط العام الماضي.

وقد دفعت انتهاكات داعش الأخيرة ضد الأكراد في ريف حلب الشرقي إلى مزيد من النزوح بشكل جماعي نحو مناطق سيطرة قوات "حماية الشعب" الكردية في منطقة عين العرب في ريف حلب الشرقي ومنطقة عفرين شمال غرب حلب. كما نزح آخرون نحو القرى الكردية في مناطق ريف حلب الشمالي التي تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية.

ويشير ناشطون محليون إلى أنّ استمرار النزوح الكردي من هذه المنطقة سيتسبّب بإخلائها مستقبلاً من الأكراد، الأمر الذي سيصعّب من مهمة قوات "حماية الشعب" الكردية في حال قرّرت التقدم نحوها، لتصل مناطق سيطرتها شرق سورية في منطقة عفرين شمال غرب حلب، وهو الأمر الذي بات مستبعداً منذ إعلان تركيا اعتزامها إنشاء "منطقة آمنة" في هذه المنطقة، بحيث تكون "المنطقة الآمنة" بين جرابلس ومارع خالية من داعش ومن قوات "حماية الشعب" الكردية.

ويوضح ناشطون أنّ نزوح الأكراد عن هذه المنطقة، سيلغي في النهاية وجود الأكراد في المنطقة، وبالتالي لن يكون هناك مبرر لقوات "حماية الشعب" للدخول إليها.

ويلفت ناشطون إلى أن زيادة ضغط "داعش" على الأكراد في مناطق سيطرته في ريف حلب الشرقي يهدف إلى تهجيرهم، في إطار سعيه إلى إخلاء مناطق سيطرته من أي وجود شعبي معارض له بالكامل، وذلك خوفاً من حصول اختراقات أمنية كبيرة في هذه المناطق، في حال بدأ هجوم كبير على التنظيم من قبل فصائل المعارضة بغطاء جوي من الطيران التركي.

وتقع مدينة الباب التي ازدادت وتيرة انتهاكات "داعش" فيها أخيراً، في ريف حلب الشرقي وسط المنطقة الممتدة من مدينة جرابلس حتى مدينة مارع والتي تعتزم تركيا إنشاء منطقة آمنة فيها، خالية من تنظيم "داعش"، وتديرها فصائل المعارضة القريبة من تركيا ومحميّة من الطيران الحربي التركي، لتستقبل النازحين السوريين من مختلف مناطق سورية.

تشمل المدينة نحو أربعين قرية ذات غالبية كردية. ويشكّل الأكراد فيها أكبر الأقليات، إذ يتجاوز عددهم عدد التركمان. ويتمتّع الأكراد بثقل ديمغرافي على الرغم من عدم تشكيلهم لأي تنظيم مسلح أو هيئة سياسية خاصة بهم حتى الآن، وذلك لكون القرى الكردية تقع في مناطق واسعة تتخلّلها عشرات القرى والبلدات والمدن ذات الغالبية العربية، التي تشكل فيها عدد كبير من فصائل المعارضة السورية سابقاً، وسيطر عليها "داعش" بشكل كامل منذ أكثر من عام.

اقرأ أيضاً: إخلاء "النصرة" ريف حلب يسمح بتمدّد "داعش"

المساهمون