سورية "المحرّرة" أرضاً والمشتتة شعباً

سورية "المحرّرة" أرضاً والمشتتة شعباً

27 مارس 2018
الصورة
+ الخط -
ترفرف فوق الأراضي السورية أعلام الدول المتصارعة عليها، في إعلان صريح عن فشل المنظومة الدولية في حماية السلم والأمن الدوليين، واحترام استقلال الدول وسيادتها. وفي حربه على الشعب السوري، كان النظام هو المبادر إلى فتح البلاد أمام التدخلات الإيرانية ومليشياتها متعددة الجنسيات، منذ بداية انطلاق الثورة عام 2011، ثم التدخلات الروسية، وقواتها الجوية، بشكل معلن عام 2015، ما فتح المجال لتدخلاتٍ عديدة، منها أميركية مع قوات التحالف أو بغطائها، ثم تركية بقواتها العسكرية النظامية، وهو ما حول أصحاب هذه التدخلات من قوى داعمة لأطراف الصراع المحلي إلى قوى مهيمنة أيضاً، بفعل الصراع على النفوذ داخل الحدود السورية، وهو ما تسبب في ذوبان الخط الفاصل بين الحرب بالوكالة، عبر الفصائل المدعومة من هذه الجهات، والحرب المباشرة بين الأطراف الدولية المتصارعة على سورية، مع الإبقاء على العنصر المحلي السوري بشقيه (معارضة ونظام) طرفا ضامنا لجنسية ضحايا الحروب ذات الأهداف المتنوعة والمتضاربة.
وبينما تنقسم سورية جغرافياً إلى مناطق نفوذ للقوى الدولية، ينقسم الشعب السوري أيضاً، بين مؤيد لاحتلال ومناهض للآخر، وفق الأعلام المرافقة للعلم الذي ينتمي إليه السوريون، بين الأحمر الذي حافظ عليه النظام رمزا له، ولمؤيديه، وهو العلم المعترف به في المحافل الدولية، وعلم الاستقلال الأخضر الذي ارتأت المعارضة الوقوف خلفه رمزا لكفاحها ضد النظام. وما بين العلمين ولدت رايات كثيرة من الأسود إلى تدرجاته المختلفة، ضمن ما تسمى رايات الفصائل الإسلامية التي اختارت، منذ بداية تشكيلها، الافتراق عن علم الثورة شكلاً، كما كان ذلك أيضاً في مضمون رسائلها وسعيها إلى سورية مختلفة، عن سورية التي انطلقت تحت شعاراتها ثورة الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية.

ومن هنا، بدأت بوادر "الانقسام" قبل "التقسيم" بين مؤيد هذه الراية ومخالف لها، وبين الرايات المتنوعة في مواجهة علم الثورة وشعاراتها، ما أنتج بيئةً مؤهلةً لإنتاج الخلافات المؤدلجة، وتحميل المدنيين في مناطق نفوذ هذه الفصائل منعكسات خلافاتهم البينية تارة، (ولعل ما حدث في الغوطة بين فيلق الرحمن وجيش الإسلام والخسائر الكبيرة التي نتجت عن صراعهم البيني خير دليل على ذلك). وتارة أخرى، تحمّلت البيئة المدنية في مناطق المعارضة المواجهات الفصائلية مع النظام، التي نتج عنها في مناطق كثيرة حملات تهجير للأهالي، في نهاية صراعات دامية دفع النظام كل قواه لكسبها، بالتعاون مع حليفتيه، إيران وروسيا، ثم وفي ثالثةٍ ما نتج عن تفاهماتٍ منفصلةٍ وفرديةٍ وبعيدةٍ عن مسار التفاوض السياسي، مع القوى الدولية، ومنها روسيا، ما سهل على الأخيرة طريقها لشق الصف بين الفصائل المؤدلجة المسلحة المحسوبة على المعارضة وفصائل الجيش الحر من ناحية، وبين المعارضة السياسية التي كانت تتبنّى العمل المسلح واحدا من أدواتها، وبين تلك الفصائل التي اختارت مساراً تفاوضياً منفصلاً تحت مسمى "أستانة".
على الرغم من أن ابتداع روسيا مسار أستانة الذي خصص لاتفاقات وقف إطلاق النار ومحاربة الإرهاب، كان هدفه، منذ البداية، تقويض عملية التفاوض في جنيف، وسحب البساط من تحت المجتمع الدولي الراعي لها، لتتولى الدول الراعية أستانة (روسيا، إيران، تركيا) إدارة الصراع في سورية، وليس تقويضه، أو إنهاءه، من دون أن يعني ذلك تحرّر هذه الدول من إعطاء الولايات المتحدة الأميركية ما تريده من نفوذ في المناطق التي حددتها، مكانا لوجود قواتها أو الفصائل المدعومة منها في شرق سورية وجنوبها. ومنذ البداية، رسمت موسكو، راعية المسار، ملامح "سيناريوهات" للحل المستقبلي للصراع، ليس بين تفاصيلها ما يفضي إلى إسقاط الأسد، ما يعني أن المتوافقين من الدول، ومن هو ضمن منظومتهم التمويلية من الفصائل المسلحة، سيكونون خارج مواجهات المعارضة مع النظام، المتعلقة بهذا البند الذي تراه موسكو غير منطقي، بينما ترفضه إيران كلياً، وكانت تعتبره تركيا قبل أستانة وما جرى في ظلها أساس عملية الانتقال في سورية.
أي أن السوريين اليوم يواجهون تحديات التقسيم أرضاً والانقسام شعباً، حيث تفرض عليهم قوى التصارع واقعاً جغرافياً جديداً، إذ تحتل إيران قرار عاصمتهم ووسط بلادهم، وتقيم روسيا قواعدها في شريطهم الساحلي، والولايات المتحدة الأميركية في شرق البلاد (جنوب الرّقة حتى حدود العراق) وجنوبها (درعا وريفها الموازي للحدود الفلسطينية)، ويمتد نفوذ تركيا على الحدود الشمالية (غرب الفرات) بعمق يتجاوز عشرين كيلومترا في بعض المناطق إلى مئة كيلو متر في ريف حلب، لتشكل كياناً متصلا على طول الحدود السورية التركية، من غرب الفرات حتى إدلب شرق سكة القطار، وريف حماة من سهل الفرات حتى القوس الممتد من جبل التركمان قلعة المضيق حتى سلحب صوران سراقب، وصولا حتى تلة العيس في ريف حلب الغربي، ما يعنيه ذلك من فرض هذه الوقائع التي يمكن تسميتها "تملك بوضع اليد"، أي بانتشار القوات العسكرية لهذا البلد أو ذاك، أو حسب ما سميت اتفاقات "مناطق خفض التصعيد"، على الواقع السكاني وانقساماته البينية، ليصبح العامل الأساسي التقوقع خلف انتماءاتهم القومية (عرب، كرد، تركمان وغيرهم ) والإيديولوجية والتبعية الفصائلية، ما يفيد بقدرة هذا الصراع على تتويج آخر مراحله بتقسيم السوريين، وإعادة تموضعهم في جبهاتٍ متضادة مع بعضها، تزيد من خسائرهم وتعمق الحدود الفاصلة بينهم على أساس مذهبي من جهة، وتبعي لحزبي (البعث كنظام، وأحزاب أخوة المنهج وما هو في سياقها ممن يمتلك القدرات المسلحة كمعارضة) من جهة ثانية، وقومي من جهة ثالثة.
طرحت المعارك التي خاضتها الدول الثلاث الضامنة خفض التصعيد في سورية مفاهيم جديدة للولاء والتقوقع خلف شعارات الحرب ضد الإرهاب، بحيث اعتبرها النظام فرصة للانقضاض على المعارضة، بشقيها المدني والمسلح، واستجمع قواه من خلال الاتفاقات التي عقدت تحت مظلة أستانة مع فصائل المعارضة التي التزمت وقف القتال، لتوفير بيئة صالحة للتفاوض
السياسي، بينما أطلقت يد الدول، الراعية لوقف إطلاق النار، لخوض حروبها ضد من تعتبرهم "إرهابيين". ووفقاً لمنطق النظام وحلفائه، فإن كل من يرفع الصوت والسلاح بوجه النظام يمكن ملاحقته تحت التسمية نفسها، ما أفقد المعارضة قدرتها على الدفاع، ومنح النظام رخصة متابعة حربه لاسترداد ما خسره من نفوذٍ على مناطق عديدة، منها الغوطة.
ولم تتأخر تركيا عن قراءة مضامين اتفاقات أستانة، وفقاً لتصنيفاتها للقوات الكردية التي تهيمن على عفرين ومنبج، لتحذو حذو روسيا وإيران، وتباشر حربها ضد من تصنفهم على قوائمها إرهابيين. وبينما اتخذت إيران وروسيا شرعية حربهما من وجود النظام طرفا في الحرب على الغوطة، كذلك فعلت تركيا، بمشاركة فصائل محسوبة على المعارضة، ما هيأ الفرصة لتبادل أدوار الصمت بين شركاء أستانة وإنجاز ما سميت استعادة تحرير الأراضي بالنسبة للشركاء جميعهم.
ومن هنا، يمكن أن يكون السؤال إذا استطاعت الدول "تحرير" الأراضي من "أعداء الدول"، فكيف يمكنها جمع ما تشتت من أهالي تلك "المحرّرة"، ضمن ما تسمى الدولة الواحدة، في ظل تعدّد المحرّرين (بكسر الراء)، واختلاف مصالحهم مع بعضهم، ومع أصحاب الأراضي المحرّرة أنفسهم؟