سوريات يشكون واقع عملهن: أجر هزيل لا يوفر العيش الكريم

08 مارس 2019
الصورة
أجور هزيلة وواقع صعب (Getty)
+ الخط -

تبدو الشابة السورية جهان عبد الكافي (32 سنة) منهكة القوى، شاحبة الوجه، متذمرة من طبيعة عملها مُدرِّسة للغة العربية في إحدى مدارس المرحلة الأساسية الحلقة الثانية، بريف دمشق الغربي.

جهان أمّ لطفلين، الصغير لم يكمل شهره التاسع بعدُ، تقول لـ "العربي الجديد": "أسكن بأحد أحياء دمشق العشوائية، ولكي أصل إلى مقر عملي يجب أن أستيقظ باكرا، أجهز الطعام، ثم أخرج من منزلي حوالي الساعة السادسة صباحا، لتبدأ رحلة الجري وراء حافلات النقل الداخلي، في محاولة للوصول والالتحاق بالدوام الذي يبدأ في الساعة الثامنة إلا ربعا".

وتضيف عبد الكافي: "زوجي مهندس زراعي، لم يجد فرصة للعمل باختصاصه، ليشتغل في صيانة أجهزة الهاتف النقال لدى أحد أقربائه، غالبا يصطحب أحد الطفلين معه إلى المحل والآخر نبقيه مع جدته، إلى أن أعود من عملي في السادسة مساء، وبعد المدرسة مباشرة أعمل في مركز متابعة دراسية قريب من الحي الذي أسكن به، وهو ما يؤمن لي دخلا إضافيا جيدا بالنظر لوضعنا المالي".

وتتابع "في طريق العودة أمر على محل زوجي ومنزل جدة طفليّ، لأصحبهما إلى المنزل، ريثما يعود زوجي إلى المنزل".

وتكمل بتذمر واضح: "هكذا يكون يومي صعباً جسديا وحتى نفسيا، بالنظر لأنني أمضي غالبية اليوم بعيدة عن طفليّ، وحتى زوجي لم يعد يستطيع ترك أحد الطفلين معه، في حين لا يمكننا أن نتحمل تكاليف وضع أي منهما في الحضانة، ولا الاستغناء عن الدخل الذي يؤمنه لي عملي".

هيام خرنوب (28 سنة)، أمّ لطفل يبلغ من العمر أربع سنوات وهي تنتظر طفلها الثاني بعد عدة أسابيع، موظفة في ورشة خياطة، وتفتقد زوجها الذي خرج من سورية قبل عدة أشهر بشكل غير قانوني لأنه مطلوب للخدمة العسكرية الاحتياطية في القوات النظامية، وما زال غير قادر على تأمين فرصة عمل.

تشكو عبر حديثها لـ "العربي الجديد"، من هزالة راتبها الشهري الذي لا يشتري لها حتى حذاء شتوياً، بحسب تعبيرها. مضيفة "المرأة في سورية سحلت جراء الحرب والفقر. تصوروا أنه يترتب شهريا عليَّ التزامات مالية ضعف راتبي، من إيجار المنزل وقسط قرض من إحدى مؤسسات التمويل الصغير، فزوجي كان يحاول أن يعمل في مشروع زراعي، لكن أوضاع البلاد السيئة جعلته يخسر كل شيء، إضافة إلى دفعة الجمعية، التي اشتركنا بها لتأمين تكاليف مغادرته البلاد".

وتشير إلى أنها غير مسجلة بأي نوع من أنواع الضمان الصحي أو الاجتماعي، وليس لديها حق في إجازات سنوية، فإن اضطرت للتغيب عن العمل، كما حدث معها قبل نحو شهر بسبب مرض ابنها الشديد، يخصم من راتبها نهاية الشهر، مضيفة "لولا أني أمضي غالبية وقتي ببيت أهلي فأنا عاجزة عن تأمين الطعام لي ولابني".

وتوضح أن "أي عمل لا يكفل العيش الكريم للشخص وأسرته، هو ليس أكثر من استعباد للإنسان"، معربة عن اعتقادها بأن "العمل في سورية وخاصة للمرأة يجردها من إنسانيتها وكرامتها، لأنه مقابل دخل بخس، وغالبا تعمل المرأة عملين أو لساعات طويلة ما يحرم عائلتها منها".

وقالت دائرة الإعلام والاتصال في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في بيان اليوم: "واجبنا أن نقف إلى جانب أخواتنا في جميع الميادين، وأن ندرك جميعا أننا شركاء في هذه الثورة، وسنخوض معتركاتها جنبا إلى جنب حتى النهاية. نحن على ثقة بأن شراكة المرأة في الثورة وفي العمل السياسي جاءت كحق انتزعته بقدرتها وإمكاناتها، وما زالت أخواتنا وأمهاتنا السوريات يدفعن ثمن الحرية، ويضحين بأنفسهن وبفلذات أكبادهن من أجل وطن حر كريم".

تحمل نور (27 سنة) إجازة جامعية في الأدب الإنكليزي، وجاءت إلى دمشق قبل 8 سنوات طالبة في الجامعة، ولم تعد إلى محافظتها، إذ لا فرص عمل هناك، وهي تعمل منذ أن كانت في الجامعة في أحد محلات بيع الملابس، وتعطي بعض الدروس الخصوصية لأبناء جيرانها.

وتقول لـ"العربي الجديد": "المرأة كالرجل في سورية، كلاهما يعاني من ظروف العمل السيئة، وإن كانت الفتيات يزدن عليهم في مسألة التحرش والابتزاز الجنسي. أسكن في شقة مع خمس فتيات أنا أصغرهن سناً، جميعهن يحملن إجازات جامعية، ولا يعملن في اختصاصاتهن، وبالطبع على الأقل كل منا لديها عملان عوض واحد، وبالرغم من ذلك لا يكفينا دخلنا لتأمين احتياجاتنا الأساسية، وفي كثير من الأشهر نستدين من أماكن عملنا".

وتكمل "إحدى زميلاتي في السكن تتمنى أن يأتي يوم تستطيع به شراء قطعة ملابس من خارج محال الملابس المستعملة، وقاسمتها أيضا هذه الأمنية، فأنا منذ خمس سنوات لم أستطع شراء قطعة ملابس جديدة، حتى أن أصحاب محال وبسطات الملابس المستعملة أصبحوا يعرفوننا جيدا، وأحدهم قال لي مرة وأنا أفاصله في السعر: أنت زبونة. أعتقد أنه كان يعتبر تلك الجملة نوعا من المدح، لكني شعرت أنها إهانة كبيرة، فلم أستطع منع نفسي من البكاء".

 

وتضيف "غالبا أحلم ككثير من الفتيات أن أتزوج، لكن بشرط أن يكون خارج البلد، وحتى إن كان لاجئا في أي دولة، أو أن يكون مقتدرا ماليا، فإن تزوجت بشاب يعاني ما أعانيه، قمة ما قد ننجزه هو طفل نشركه في حياة الألم والفقر والعوز".

يشار إلى أن سورية تفتقد إلى الأرقام الإحصائية الدقيقة بشكل عام، بما فيها الأرقام الخاصة بالمرأة العاملة، في حين يفيد "المكتب المركزي للإحصاء" التابع للنظام بأن عدد النساء العاملات في مؤسسات الدولة، باستثناء رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ووزارة الدفاع، يبلغ نحو 376 ألف امرأة من أصل نحو 922 ألف موظف، ويبين أن 2.2 من النساء العاملات في القطاع الخاص يعملن دون أجر، في حين نسبة العاملات ما بين سن 15-19 عام تبلغ 14.9 بالمائة من العاملين، والنسبة الأكبر منهن في الريف.

وبين المكتب أن عدد النساء بداية عام 2016 بلغ 6.624 ملايين، من أصل 13.325 مليون نسمة، بحسب السجلات المدنية، ولم تشمل هذه الإحصائية أرقام المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

وحسب أحدث تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد قتل في سورية منذ مارس/آذار 2011 وحتى مطلع مارس 2019، على الأقل 27464 امرأة وأنثى، من بينهن 21609 قضوا على يد قوات النظام، و1237 على يد القوات الروسية، و959 على يد التحالف الدولي ضد "داعش".

المساهمون