سنّ اليأس

18 أكتوبر 2019
الصورة
نميل إلى مفردات "لا تخدش الحياء" (Getty)
+ الخط -

"سنّ اليأس". لم يستسغ البعض هذا المصطلح، فاستُبدِل بـ"سنّ الأمل". أرادوا تكحيلها، فإذ بهم يعمونها. لم نوفَّق بمعرفة تاريخ استخدام "سنّ اليأس" للمرّة الأولى، ولا من ارتأى الاستعاضة عن تلك التسمية بأخرى يمكن تصنيفها في إطار "التمييز الإيجابيّ" الذي يبقى تمييزاً رغم كلّ شيء، غير أنّ ذلك يحيلنا إلى سؤال أكثر شمولاً... سؤال حول حاجتنا إلى تسميات ومصطلحات بديلة عندما يرتبط الأمر بشؤون علميّة، وتحديداً صحيّة. كان يكفي، ببساطة، اعتماد المصطلح العلميّ "انقطاع الطمث"، كما هي الحال في اللغات الأخرى، بدلاً من "شاعريّة" لا طائل منها. لكن، يبدو أنّنا نميل دائماً إلى محاولة "تجميل" أيّ صورة وأيّ واقع، وإن لم يستدعيا ذلك. باختصار، اعتدنا، كثيرون منّا، عدم تسمية الأمور بأسمائها، من دون أن يكون التبرير جاهزاً على الدوام.

ربّما كان "سنّ اليأس" أكثر "لطافة" على مسامعنا من "انقطاع الطمث"، إذ إنّه يصف واقعاً قائماً بطريقة غير فجّة وبمفردات لا تخدش الحياء. هل الحياء، فعلاً، ما يجعلنا نتردّد عن تسمية الأمور بأسمائها، أم هي ثقافة منتشرة في مجتمعاتنا؟ قد ينتفض البعض مشيراً إلى أنّ الأمر غير دقيق، ويدعو إلى عدم التعميم. حسناً، بعيداً عن التعميم، ما زال كثيرون منّا يختارون كلماتهم بعناية كبرى عندما يرغبون في الحديث عن شؤون صحيّة أو يجدون أنفسهم مضطرّين إلى ذلك. وكيف إذا كانت ذات صلة بصحّة المرأة وجسدها تحديداً؟ يُذكر أنّ مصطلح "سنّ اليأس" يُستخدَم كذلك عند الإشارة إلى واحدة من مراحل عمر الرجل، وإن اختلف الواقعان الصحيّان إلى حدّ ما.




المصطلح الشائع الذي أريدَ منه الدلالة على اليأس الذي قد تشعر به المرأة، بوعي أو بغير وعي، عند بلوغها تلك المرحلة من عمرها، يمكن وصفه بالدقيق، لا سيّما أنّها تفقد قدرتها على وهب الحياة فيصير اليأس بالتالي رفيقاً لها. هو أمر بديهيّ، والمراجع العلميّة الأجنبيّة تقرّ بذلك اليأس وتسمّيه باسمه، غير أنّها لا تختصر به تلك "العمليّة الحيويّة الطبيعيّة"، بحسب تعريف خبراء مجموعة "مايو كلينك" الطبيّة البحثيّة. تبعات انقطاع الطمث وأعراضه تتعدّد وتتجاوز الشعور باليأس مهما كان جارفاً، فتطاول كلّ جوانب حياة المرأة. ولأنّ المرأة وصحّتها البدنيّة كما صحّتها النفسيّة وعلاقاتها بمحيطها تتأثّر سلباً بتلك المرحلة الدقيقة، كان يوم عالميّ خاص في الثامن عشر من أكتوبر/ تشرين الأوّل. التوعية واجبة للجميع، مع اضطرار المرأة إلى معايشة انقطاع الطمث والمشكلات ذات الصلة، علماً أنّ بعضها قد يكون خطيراً. وتبقى المصطلحات مجرّد تفصيل وسط واقع تحاول النساء في مجتمعاتنا "تجميله"، إمّا حياءً وإمّا على خلفيّة ثقافة متوارَثة اجتماعيّاً.

دلالات

المساهمون