سنوات الأزمة في يوميات أكرم زعيتر

22 يوليو 2019
الصورة
يندر أن تجد سياسيًا يثابر على كتابة يومياته مدة تزيد على 60 عامًا، وينقل أوراقه معه من مكان إلى آخر، أو يخبئها في ظروف الاعتقال والملاحقة. يفقد بعضها إثر قصف صهيوني لمنزله في اجتياح لبنان عام 1982، وينجو ببعضها الآخر وينقله معه إلى مدينة أخرى، بعد أن تنقّل عبر حياته ما بين نابلس وبغداد ودمشق والقاهرة وعمّان وطهران وبيروت.
هي يوميات كتبت في وقتها، وليست مذكرات كتبها صاحبها بعد أن استقر به المقام، وتبدّلت الأحوال والآراء والمواقف، فاسترجع تاريخه عبر قراءته لحاضره وخشيته على مستقبله، فهي كلماتٌ بنت لحظتها. ومن هنا صدقها في التعبير عن كاتبها ومواقفه في حينها، التي قد تعبّر أو لا تعبّر عن مواقفه اللاحقة.
صاحب هذه اليوميات هو أكرم زعيتر (1909 - 1996)، الكاتب والسياسي والأديب والمناضل في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، والسفير والوزير في الحكومات الأردنية. من روّاد "الفكرة العربية" الأوائل، والعاملين على وحدة الأقطار العربية، ومن المختلفين بشدة مع تياراتها القومية التي أُنشئت لاحقًا. حافظ على خصومته للملك عبدالله الأول، لكنه أصبح سفيرًا للملك حسين، ووزيرًا لخارجيته وبلاطه الملكي. أحب الملك حسين، لكنه انتقد حكوماته وسياساتها، والفساد فيها. كما انتقد الحاشية والبطانة، وحمّل أوزارها لمن اختارها وقرّبها. رفض جميع الحلول السلمية، وأيّد الحركة الفدائية الفلسطينية بلا تحفظ، فيما انتقد ما وصفه بانحرافاتها من دون هوادة.
نشر أكرم زعيتر مجموعة من أوراقه ويومياته ومذكّراته التي ضمت وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية حتى عام 1948. وفي المرحلة الأخيرة من حياته، عكف على تحرير يومياته الممتدة من عام 1949 وحتى 1984، والمدوّنة على أجندات سنوية حملت تواريخ تلك 
الأعوام، وهي محفوظة الآن في أرشيف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن مشروع ذاكرة فلسطين، ويعمل عليها باحثون في المركز، إضافة إلى حفظها، وأوراقه الأخرى، ضمن الأرشيف الرقمي المتاح للباحثين الجادّين.
قُسّمت هذه المجموعة إلى ثلاث حُقب زمنية؛ الأولى بين 1949 و1966، وهي تلخص مرحلة ما بعد النكبة، وتقيّم نتائجها، وتصف حال العرب والفلسطينيين بعدها، وتوثّق جهد زعيتر ورفاقه لتحقيق الوحدة السورية - العراقية، ردًا على النكبة. ويمكن وصف هذه الفترة بالمرحلة السورية من حياة أكرم زعيتر، حيث أقام في سورية لصيقًا بشكري القوّتلي، وبقي محتفظًا بجنسيته السورية حتى 1957، وسجّل حوادثها. وما إن غادرها حتى عاد إليها سفيرًا في عهد الانفصال والانقلابات المتكرّرة التي تلته، مسجلًا بكل دقة المشاهد، السوري والفلسطيني والعربي، في تلك الحقبة. الحقبة الثالثة بين 1971 و1984، تمثّل المرحلة اللبنانية من حياة زعيتر، عندما توجه إلى لبنان سفيرًا للأردن، واستقر فيه بعد تقاعده، محاطًا برفاقه القدامى، ومنخرطًا في فعالياتها الثقافية، ومدوّنًا حربها الأهلية، وشاهدًا على الاجتياحات الصهيونية لها، ضمن وجهة نظر لا تخلو من خلاف وتباين مع الاتجاهات التي كانت سائدة في حينه.
أعد يوميات الحقبة الثانية نافذ أبو حسنة، وهبة أمارة، وكاتب هذه المقالة، واختاروا لها عنوان يوميات أكرم زعيتر سنوات الأزمة 1967-1970، وقد صدرت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (بيروت، إبريل/ نيسان 2019)، في نحو 672 صفحة، بينها 58 صفحة وثائق وصور وفهارس، انتُخبت من بين أكثر من ثلاثة آلاف ورقة، دوّنها زعيتر عن تلك المرحلة التي تستحق بحق وصف "سنوات الأزمة".
يبدأ زعيتر يومياته بوصف الأجواء التي واكبت الاستعدادات لحرب يونيو/ حزيران 1967، ويبحر عكس التيار الحماسي الجارف الذي ساد، مؤكدًا أن "الحرب قادمة لا محالة. اللهم انصر العرب، آه من قلبي الذي لا يبدو عليه الارتياح مما نحن مقبلون عليه". في أيام الحرب، كان سلاح زعيتر راديو الترانزستور، مثل جميع العرب الذين ظلوا يستمعون إلى الإذاعات العربية التي تبثّ أنباء تساقط الطائرات الصهيونية كالذباب، وعن تقدّم الجحافل باتجاه تل أبيب، وعن دعوة الإذاعات المواطنين العرب إلى قضاء إجازاتهم الصيفية في ربوع يافا وحيفا. ولكن زعيتر تعامل مع الراديو بذكاء، وتنقل بين موجات أثيره، ليصل مبكرًا إلى الاستنتاج الذي توقعه منذ ما قبل الحرب/ الهزيمة. وبعد الحرب بأيام، يُعيّن زعيتر وزيرًا للبلاط الهاشمي، 
ويقبل المنصب باعتباره جنديًا في معركة، ومن خلاله يصبح مطلًا، ومشاركًا أحيانًا، في صنع القرار؛ يسجل اللقاءات والاجتماعات التي تُعقد في القصر الملكي، ويطلع على البرقيات التي جرى تداولها خلال أيام الحرب ما بين الرؤساء والملوك العرب والقيادات العسكرية المعنية، ويدوّنها في يومياته.
وإذا كان أكرم زعيتر قد اعتبر نفسه، ومن خلال موقعه في الديوان الملكي، مستشارًا للملك حسين، فإنه لا يلبث أن يُصدم بأنه يُعلم بقرارات عديدة بعد صدورها، وأنه مستشار لا يُستشار، رافضًا الإذعان لهذا الواقع ومتمرّدًا عليه. ولعل أبلغ مثال على ذلك اعتراضه الشديد على قرار الملك تأليف حكومةٍ من العسكريين تخلف حكومة سعد جمعة، نُصّب فيها أكرم ليكون وزيرًا للتعليم. احتجّ بشدة، ودخل إلى مكتب الملك مرات، منبهًا لخطورة تأليف مثل تلك الحكومة العسكرية، وإقحام العسكر في شؤون السياسة، حتى قال له الملك: "لقد أتعبتني يا أكرم"، فيردّ قائلًا: "أنا هنا لأُتعبك، وسأُتعبك وأُتعبك". وكان أن تمّ العدول عن هذه الفكرة، بعد أن طُبعت مراسمها.
يغادر أكرم زعيتر الديوان، وفي النفس غضاضة، ويُعيّن عضوًا في مجلس الأعيان (إحدى غرفتي البرلمان)، لكنه يبقى وثيق الصلة بالملك وبدوائر الحكم، متابعًا تطوّر الحركة الفدائية، ومؤيدًا لها. وفي الوقت نفسه، منتقدًا بعض تصرفاتها، مثل عدم الانضباط، وتدخلها في شؤون الدولة، وإطلاق بعض فصائلها شعارات أيديولوجية حزبية تنادي بصراع الطبقات، ودعوة بعضها إلى إسقاط النظام، و"أن لا سلطة إلا سلطة المقاومة". يسجل ذلك كله بالوثائق والبيانات، وفي الوقت نفسه، يسعى بكل جهده إلى التوسط ورأب الصدع القائم، ويفتح النار على الفساد المستشري في أوساط الحكومة، وينتقد ميوعتها، وتصرّفات بعض النافذين في الدولة الأردنية، ويعتبرها مسؤولةً عن تدهور الأوضاع، ولا يتردّد في حجب الثقة عنها.
تفتح هذه اليوميات ملفًا مسكوتًا عنه يتعلق بالصدامات التي حدثت بين السلطات الأردنية وفصائل المقاومة الفلسطينية، يسجل فيها أكرم زعيتر الحوادث اليومية على لسان أطرافها، متألمًا لوقوعها، ومبديًا ملاحظاتٍ هنا وهناك، وموثقًا شهادات من عاصروها، مثل وزير الدفاع الكويتي في حينه الشيخ سعد الصباح والسياسي التونسي الباهي الأدغم. ومن ذلك تقييم زعيتر الحوادث (ص 570-575)، مبتدئًا ذلك بقوله: "لقد اعتدنا أن نشير إلى الأجنبي كلما وقعت واقعة، نزعم أن ما جرى هو وليد مؤامرة أجنبية أو دسيسة إمبريالية، ذلك أن إلقاء التبعات 
على الغير أهون على نفوسنا من محاسبة ضمائرنا والاعتراف بأخطائنا"، فهو يتحدث عن مسؤولية الحركة الفدائية، فبعض عناصرها "ألزمت أنفسها بشعاراتٍ لا تمتّ إلى التحرير بصلة"، ويورد أمثلة على ذلك "بالدعوة إلى إسقاط الأنظمة، وأن تحرير فلسطين يمرّ بتحرير عمّان، مرددة شعارات الخيانة والرجعية والعمالة دون حساب". وينتقد "تدخل الفدائيين في كل أمر، وكأنما هم الدولة، وعجز قيادتهم العليا عن ضبط الكثير منهم"، و"باسم حماية الثورة، مكّنوا بعض السياسيين الطامحين من الاتجار بالحركة الفدائية.. وأصبح تأليف الحكومات منوطًا بإرادتهم ورضاهم، فإذا ترشّح عبد الوهاب المجالي لرئاسة الوزارة قالوا: "فيتو"، فعُدل عن تكليفه. وإذا كُلّف أنطون عطا الله، وعبد الحميد السائح وداود الحسيني دخول وزارة، قالوا: إذا وافق أبو عمار دخلنا"، فدخلوا. و"علة العلل هي تدخلهم في الشؤون الداخلية تدخلًا لم تبقَ معه للدولة سيادة"، متسائلًا عن معنى السلطة الوطنية التي طالبوا بها، مع أن الوزارة أُلفت برضاهم، والحكم يسايرهم". ويؤكد زعيتر أنه أيقن "أن الواقعة ستقع"، منذ تحدّد موعد للإضراب والعصيان المدني.
مسؤولية السلطة
في تقييمه الحوادث، يركّز أكرم زعيتر على ضخامة مسؤولية السلطة "فالحكم في الأردن قد تولاه مدة طويلة أناسٌ لا يهمهم إلا تحقيق منافعهم الخاصة، وقد تفشّت الرشوة، وانتشر الفساد.. إن البلد لم تكن فيه حكومة، إنها غائبة، إنها والحزم على عداوة شديدة". الحكومة ومن كان معها "يوهمون الملك بأنهم يسيطرون على الفدائيين، وأنه لولا وجودهم في الحكم لتصرّف الفدائيون تصرّفًا يهدّد الملك نفسه، وهم في الحين ذاته، يوهمون الفدائيين أنه لولاهم لنكّل الملك بهم ولحاربهم". وهو لا يُخلي الملك حسين من المسؤولية، "فالملك هو الذي يختار رئيس الوزارة، وهو الذي يقيله!... وطالما نُبّه إلى الفساد، فوعد بالإصلاح... ولا ريب أن اختيار الملك لحاشيته من أهم العوامل... وبعض أفراد الحاشية كانوا لا يترددون في الحملة على الحركة الفدائية والتشهير بها، ما كان يصل إلى قيادة المقاومة، فتزلزل الثقة بالملك نفسه".
ويُحمّل زعيتر مسؤولية كبرى للدول العربية، ولا سيما التي تصف نفسها تقدمية ثورية "تبنّت منظمة فدائية خاصة بها، تستمد منها العون، وتتلقى منها الأوامر"، "وهي لا تفتأ تحمل على النظام وتتهمه بالعمالة". ويخلص إلى القول إن بعض هذه الدول "لم تحرص على إطفاء جذوة 
الفتنة، ولم تكن واسطة خير، بل كانت عامل شرّ مع الأسف الشديد".
وربما يشكل ما يقدّمه زعيتر هنا دافعًا لإعادة قراءة سردياتٍ معروفة وسائدة كثيرة عن مواقف وقوى وشخصيات أردنية وفلسطينية وعربية، أدّت دورًا كبيرًا في تلك الحوادث. وذلك فضلًا عن الصورة السلبية التي يرسمها للمقاومة وللأداء الحكومي الأردني، موجهًا نقدًا لاذعًا لممارسات المقاومة، ولعمل الحكومة والنوّاب والأعيان الذين كانوا من دون فاعلية تُذكر، وساهموا بسياساتهم في دفع الأمور نحو تلك الهاوية.
يختم أكرم زعيتر يومياته لعام 1970 بتدوين أعمال فدائية جرت في يافا، وسقوط قذائف صاروخية على القدس، بالقرب من مقر رئيس الدولة، حامدًا الله على مثل تلك الأعمال، ومبتهجًا أن صحيفة حركة فتح قد صدرت للمرة الأولى خالية من اللهجة الاستفزازية، وطافحة بأنباء المقاومة في فلسطين، متسائلًا إن كنّا على أبواب عهد جديد. وذلك من حق تاريخنا علينا، كما هو حق لهذا الجيل ومن يليه، وبعد مضي نصف قرن على تلك الحوادث، أن يراجعها الباحثون العرب في دراسات علمية جادّة. ولعل زعيتر في سنوات الأزمة يبدأ هذا المشروع، من خلال نفض الغبار الذي تراكم عليه عبر تلك الأعوام كلها. وعمليًا، ندرت محاولات التقييم الجادة لتجربة الثورة الفلسطينية في الأردن بين 1967 و1971، ولظروف التصادم مع النظام الأردني، واستُبدل ذلك بالاختباء خلف الشعارات ذات الطابع الأيديولوجي، عن النظام الرجعي واليميني والعميل، والمؤامرة الكبرى التي تعرّضت لها الثورة. لم يتحدث أحد بعمق كافٍ عن فشل الثورة الفلسطينية في النفاذ إلى البنية الاجتماعية والسياسية في الأردن، والتحالف معها وجعلها درعًا حامية للثورة. بل ثمّة من يشير إلى أن طبيبًا يساريًا مصريًا، عمل مديرًا لمدرسة الكادر في أحد التنظيمات اليسارية، أجرى دراسة ميدانية عن واقع الريف في الضفة الشرقية لنهر الأردن، وعلاقته العضوية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع بنية النظام، من خلال التحاق أغلب أبنائه بالوظائف الحكومية وبالجيش، وخلص إلى استحالة أي تغيير، ما لم يتم التعامل مع هذا الواقع انطلاقًا منه، فما كان من المكتب السياسي لهذا الفصيل إلا أن خرج علينا بشعاره الطفولي "كل السلطة للمقاومة". كما استغلت تلك الحوادث، والمبالغة في وقائعها، لترسيخ فكرة الكيان الفلسطيني لاحقًا.
فوّتت المقاومة الفلسطينية والنظام الأردني فرصة إقامة جبهة وطنية متحدة بينهما، وإن كان بسقفها الأدنى، على الرغم من وجود تقاطعات عدة، أهمها احتلال الضفة الغربية والقدس، وواجب النظام الأردني في استعادتها، وإسناد الجيش الأردني وتغطيته العمليات الفدائية عبر نهر الأردن، ومعركة الكرامة الخالدة. وعلى الرغم من أن الظرف العربي بعد حرب يونيو/ حزيران كان بإمكانه أن يشكّل غطاءً وضمانة قد تُنجح ذلك، في ظل رعاية مصرية كانت 
حريصةً على وحدة الموقف العربي، وارتباط السياسة الأردنية والموقف الأردني بالسياسة المصرية، ووجود التفاف شعبي، وعدوّ مشترك، ومرابطة قوات الجيش العراقي في الأردن. ولكن يبدو أن قوى في النظام الأردني خشيت من هذا المدّ الشعبي المتصاعد، ومن التنازع على النفوذ في داخل الضفة الغربية، وفقدان السلطة هيبتها في الشارع، وسيطرتها على مناطق واسعة، واللعب على التناقضات الإقليمية، في ظل تركيز الفصائل على المخيمات والمناطق ذات الأغلبية الفلسطينية، واستغلال السلطات ذلك. أضف إليها فوضى السلاح، واختلاط هدف التحرير بهدف تغيير النظام والانقلاب عليه، وممارسات غير مسؤولة قد يكون بعضها من افتعال قوى الثورة المضادة، وهو ما ترافق مع ممارساتٍ واضحةٍ على الأرض لفرض سلطة ثورية أخرى غير السلطات الحاكمة. أما الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فكانت في موقف الفصائل من الموافقة المصرية على مشروع روجرز، وهو الموقف الذي أدّى على المستوى السياسي إلى رفع الغطاء المصري، ولو موقتًا، عن المقاومة الفلسطينية، في ظل رغبة لإعادتها إلى حظيرة الموقف العربي.
لاحقًا، ومنذ نهاية السبعينيات، عادت العلاقات الفلسطينية الأردنية إلى جوّ من الوئام، ونشطت المباحثات بين الطرفين، وشُكّل وفد أردني - فلسطيني مشترك، وحظيت منظمة التحرير بتسهيلات جمة في الساحة الأردنية، بعد خروجها من بيروت. ولكن ألم يكن ممكنًا التوصل إلى مثل ذلك عام 1970؟ أسئلة كثيرة تُطرح، وما زال معظمها ينتظر إجابات من السياسيين، وبحوثًا جادّة من الباحثين، لعل ما كان في الماضي يشكّل عبرة للمستقبل، ولعل نشر "سنوات الأزمة" بداية جهد في هذا الطريق.
تعليق: