سنة من الحرية عرفتها الصحافة المصرية

عهد مرسي: سنة من الحرية عرفتها الصحافة المصرية

19 يونيو 2019
الصورة
خلال تجمع في نيويورك عقب وفاة مرسي (عبدالحميد حصبص/الأناضول)
+ الخط -
"بقعة ضوء ومساحة نور لم تكتمل وسط عتمة امتدت 60 عاماً، أو يزيد"، هكذا يصف كاتب صحافي وعضو سابق في نقابة الصحافيين المصرية، وضع حرية الصحافة والإعلام في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي. ويقول "اختلفت معه طويلاً وكثيراً، ولم أكن يوماً من مؤيديه ولا مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين؛ لكن أمانتي وضميري الإنساني والصحافي تحتم عليّ أن أشهد بما عشت ورأيت". ويضيف الصحافي "لولا أنه مقام موت، لذكرت شيئاً من أشياء كتبتها في حقه، فلم يمنع لي مقالاً، ولا تلقيت تحذيراً ولا تهديداً. أتذكر ذلك الآن، وتمر أمامي رسائل رئيس تحرير صحيفة مستقلة منعت نشر مقالاتي بعد شهور فقط على تولي عبد الفتاح السيسي الحكم رسمياً عام 2014". 

ويشير صحافي زميل إلى أنه كان من أبرز ما اتخذه مرسي من قرارات في فترة حكمه القصيرة، أنه استخدم سلطة التشريع المخولة له فسمح بإلغاء عقوبة الحبس في جرائم النشر التي كانت تنذر بتفاقم ضغوط الناشطين القلقين حيال الحريات الإعلامية في البلاد.

إفراج
في 17 سبتمبر/أيلول 2012، أمر النائب العام في مصر بإخلاء سبيل الصحافي إسلام عفيفي، رئيس تحرير جريدة "الدستور" ورفع اسمه من قوائم الممنوعين من السفر، بعدما أوقف بتهمة "إهانة" الرئيس محمد مرسي، وذلك إثر صدور قرار عن الرئاسة المصرية يلغي الحبس الاحتياطي في الجرائم التي تقع بواسطة الصحف. ونقل التلفزيون المصري عن وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية، حينها، قولها إن مصدراً أمنياً رفيع المستوى أكد ترحيل إسلام عفيفي من محبسه الاحتياطي في سجن الاستقبال بمنطقة سجون طرة إلى نيابة شمال الجيزة تمهيداً للإفراج عنه، موضحاً أن ترحيل عفيفي "جاء في أعقاب قيام مرسي بإصدار قرار بقانون بإلغاء حبس الصحافيين احتياطياً في قضايا النشر".

وقال المستشار عادل السعيد النائب العام المساعد والمتحدث الرسمي باسم النيابة العامة أنه في ضوء قرار مرسي "يكون حبس إسلام عفيفي احتياطياً بغير سند من القانون وهو الأمر الذي قرر على إثره النائب العام إخلاء سبيله على ذمة القضية ورفع اسمه من قوائم الممنوعين من السفر".

وفي 16 يوليو/تموز 2012، عاد مرسي للقاهرة بعد زيارة لدولة أثيوبيا ومشاركته في أعمال القمة الإفريقية وإلقائه كلمة مصر في افتتاح المؤتمر بعد غياب عن القمة لسنوات طويلة. والتقى الرئيس عدداً من القادة والرؤساء الأفارقة وناقش قضية وملف مياه النيل في محاولة لحل الأزمة التي تهم الشعب المصري والسوداني على حد سواء. ونجح مرسي حينها في الإفراج عن الصحافية المصرية المحتجزة في السودان، شيماء عادل، وعاد بها عبر طائرته.

سقف مرتفع
كشف رصد لمنظمات تعنى بحرية الصحافة أن القنوات الفضائية والبرامج التلفزيونية والصحف الورقية والإلكترونية، لم تشهد أي تدخل حكومي، أو أمني بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، خلال حكم مرسي. وقد كان شائعاً أن تهاجمه جهات متعددة، اتضح فيما بعد أن تمويلها السعودي والإماراتي، لم يكن بعيداً عن التمهيد للانقلاب العسكري في 2013. ومازال المصريون يتذكرون برامج باسم يوسف، وإبراهيم عيسى، ويوسف الحسيني، التي كانت تمتلئ بالسخرية من مرسي، وقراراته، وحتى ملابسه؛ بدون أن تتعرض للإيقاف، أو التضييق.

ولعلّ الانتقاد الوحيد الذي بقي يلاحق مرسي من قبل معارضيه في ما يتعلق بحرية الصحافة، هو مقتل الصحافي الشاب الحسيني أبو ضيف إثر الاشتباكات التي اندلعت في 5 ديسمبر/كانون الأول عام 2012، أمام قصر الاتحادية – مقر الرئاسة في مصر- هو وأربعة عشر آخرون. ورغم من أن الاشتباكات تلك الليلة أسفرت عن مقتل تسعة من أنصار مرسي، بنفس طريقة مقتل أبو ضيف، وهو ما طرح علامات استفهام حول الجهة الفعلية التي قامت بقتل كل الضحايا الذين سقطوا في تلك الليلة.

ماذا عن اليوم؟
في ركن صغير منزوٍ ومساحة لا تتعدى 50 كلمة، في صفحة الحوادث بجريدة "الأهرام" المصرية الرسمية، نُشر خبر وفاة الرئيس، محمد مرسي، يوم أمس الثلاثاء. فقد كتبت الصحيفة القومية عنوان "وفاة محمد مرسي بنوبة إغماء خلال محاكمته في قضية التخابر"، وفي المتن "تُوفي أمس محمد مرسي العياط في أثناء حضوره جلسة محاكمته في قضية التخابر".
وعلى غرار "الأهرام"، نشرت صحف قومية وخاصة عدة نبأ وفاته. كما تطابقت عناوين المواقع الإخبارية والقنوات الفضائية المصرية، في نشر الخبر. هكذا، عاد الإعلام المصري لسابق عهده "عاش الملك... مات الملك" بعد سنة يتيمة حلّق فيها الإعلام في فضاءات الحرية والاستقلالية والمعارضة المطلقة.

فقد صدرت التعليمات مبكرًا لوسائل الإعلام المصرية، بتجريد الرئيس محمد مرسي من كافة الصفات العملية والسياسية والوظيفية، والاكتفاء بذكر اسمه كاملًا "محمد مرسي العياط"، وكأن "محمد مرسي" غير كافٍ أو غير وارد في ذاكرة المصريين.
كما عمدت وسائل الإعلام المصرية، إلى عدم تغطية وقائع الجلسة التي مات فيها مرسي، لأنها كانت جلسة لمرافعات المتهمين ودفاعاتهم. وبالطبع لن تكلف أيًا من وسائل الإعلام المصرية نفسها عناء تغطية الجلسة وهي تعلم يقينًا أنها لن تنشر أيًّا من تفاصيلها ووقائعها.

هذا هو حال الإعلام على مر السنين الماضية التي أعقبت الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب في تاريخ جمهورية مصر العربية، حيث يتم توجيهه مباشرة بـ"تليفون من جهة سيادية"، حسبما قالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني مصرية) في تقرير لها صدر في سبتمبر/أيلول 2015، والذي أشار إلى أنه في مصر كانت العادة قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، أن يكون هناك تكامل وثيق بين أجهزة الدولة الأمنية ومؤسسات الصحف القومية، المالك الوحيد للمطابع الملائمة لطباعة الصحف، وكذلك لشركات التوزيع القادرة على توزيع هذه الصحف في أنحاء الجمهورية.

لكن ولفترة قصيرة في أعقاب ثورة 25 يناير/كانون الثاني، افتقدت السلطة وأجهزتها الأمنية لبعض الوقت هذا التكامل الوثيق مع آليات طباعة وتوزيع الصحف برغم أنها ظلت في مجملها مملوكة للدولة فيما عدا استثناء وحيد، وقد استمر هذا الوضع الجديد في ظل حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي حتى تم عزله في 3 يوليو/تموز 2013، حسب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

وأضاف التقرير "ومع النظام الناشئ عن تفاهمات يوليو/تموز في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور ثم في أعقاب انتخاب الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، استعادت السلطة ما تمتعت به سابقا من تكامل وتوافق تام بين أجهزتها الأمنية والمؤسسات الصحفية المملوكة للدولة، وعادت الأوامر الشفاهية بالتليفون من جهة سيادية مجهّلة لتلعب دورها السابق في حجْب الصحف عن الصدور"، حسب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

بعد هذا العام اليتيم من الحرية، عادت سياسات الحجب والمنع والرقابة من جديد، حيث وثّق المرصد العربي لحرية الإعلام والتعبير (منظمة مجتمع مدني مصرية)، في تقرير بعد مرور عام واحد فقط على حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حول أوضاع حرية الإعلام في مصر منذ الثالث من يوليو/تموز 2013 وحتى الثالث من يوليو/تموز 2014، 600 انتهاك ميداني تعرض لها الصحفيون والمراسلون والمصورون، كما رصد وقوع 10 حالات قتل و60 حالة إصابة، وإغلاق 27 قناة مصرية وعربية و3 صحف ومحطتي إذاعة خاصتين و3 مواقع إخبارية. كما وصفت مؤسسة حرية الفكر والتعبير (منظمة مجتمع مدني مصرية) حالة التعبير في مصر لعام 2013، بأنه "كان الأسوأ على مستوى الانتهاكات الواسعة لحرية التعبير خلال السنوات الأخيرة". هذه الممارسات وغيرها أسفرت عن تراجُع مصر إلى المرتبة 163 عالميا بتراجع مركزين عن العام الماضي في تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود الذي يقيِّم سنويًا حالة الصحافة في 180 بلدًا.



قمع السيسي
اختلف المشهد الإعلامي كثيراً بعد الانقلاب العسكري في مصر في الثالث من يوليو/تموز 2013، عما كان عليه بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وتحديدًا في الفترة التي تولى فيها الرئيس المعزول، محمد مرسي، مقاليد الحكم، وقبل الإطاحة به.

فنظام السيسي بادر بتقسيم الإعلام المصري إلى معسكرين، إما معه أو ضده. ولم يكن هناك مساحة وسط المعسكرين تسمح بموالاة النظام مع توجيه بعض الانتقادات، ومَن حاول الاقتراب من تلك المساحة، ناله عقاب فوري، وهو تمامًا ما حدث مع أصوات إعلامية بارزة اشتهرت بمعارضتها الواسعة لفترة حكم الرئيس محمد مرسي، خلال عام حكمه ودون أي مساس بهم، وأبرزهم باسم يوسف وليليان داوود وريم ماجد وإبراهيم عيسى، ودينا عبد الرحمن.
كل تلك الأصوات الإعلامية وغيرها، مُنعت من الظهور الإعلامي مجددًا، بأن أغلقت برامجها وأجبرت على الصمت والخضوع وبعضهم أجبر على الرحيل من مصر، كباسم يوسف وليليان داوود.

هذا كلّه يؤكده تقرير صادر عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني مصرية) في مايو/أيار الماضي، يغوص في حصار المنتقدين وحرمانهم من العمل في مصر بأن أصبحوا مستهدفين بالسجن والملاحقة والمنع من السفر والتشهير، والفصل من العمل أو الحرمان منه، أو التجويع عقابا على الاختلاف.

ويشير التقرير إلى الوصول لمرحلة استخدام سياسات التجويع والتنكيل ضد العديد ممن يتم اتهامهم بدون أي دليل أنهم "ضد البلد" أو "عدو للوطن"، وهو ما حدث ضد الحقوقيين بوصفهم "مموّلين" ومعارضين بالخارج بأنهم "خونة"، والصحافيين العاملين بوسائل إعلام دولية بأنهم "عملاء". لتمتد القائمة وتشمل مئات من المثقفين والسياسيين والحقوقيين والفنانين والكتاب والصحافيين، بالإضافة إلى تعرض أعداد كبيرة من المواطنين للتنكيل والطرد من وظائفهم، بسبب مزاعم لا أدلة عليها عن كونهم "إخوان" و"خونة" أو "إرهابيين" و "أعداء للوطن".

المساهمون