سنةٌ أُخرى على الضاد

31 ديسمبر 2019
الصورة
رشيد قريشي/ الجزائر

رغم ما تمتلكه الدول العربية من إمكاناتٍ، على الصعيدَيْن البشري والمالي، فإنَّ ما تُخصّصه من مواردَ لخدمة الضاد لا يرقى إلى حَجم الأخطار المحدقة بالناطقين بها ولا إلى المسؤوليات الملقاة على عواتِقهم. وقد شَهدت هذه السنة، مثل سابقاتها، ترسيخ التشظي الذي يصم مَرجعيات الإشراف على العربية الفُصحى، مع أنها القاسم المشترك والرابط الرئيس الذي يجمع كلّ شعوبنا بِأقطارها الاثنَيْن والعشرين. إذ لم تُسجّل أيةُ بادرة جادة في التعاون بينها وفي تضافر جهود هياكلها للنهوض بها. فكلُّ مَجمعٍ يعمل على حِدة، في الوطن العربي شرقيّه وغربيّه، دون تكامل إلا في ما ندر، وذلك بقطع النظر عن الاسم الذي يلتحف به (أكاديميّة، مَجمع، مركز دراسات...). وتمضي كلُّ مُؤسسة تنجز أنشطتها، تبدأها من الصفر في عود أبديٍّ، لا يستفيد مما قد تَحقق في السابق ولا يرتكز إليه. ويمكن حصر الأنشطة التي حُققت طيلة السنة المنصرمة في التوجهات التالية:

فمن ناحية أولى، نشطت عمليات الترجمة للأعمال الغربية والمؤلفات الحديثة واستمرّ نقل ما يظهر في أوروبا وأميركا من بَنات الفِكر. ويحسنُ التنويه هنا إلى ما يقوم به "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، و"معهد تونس للترجمة" من نقل للعلوم الإنسانية وترجمة لنصوصها المتجددة. على أنَّ هذا الواقع، بالرغم من ضرورته المرحليّة، يؤكّد استمرارية اعتماد الفكر العربي على ما ينتجه الغرب في مضمار الإنسانيات، وعدم المبادرة لابتكار سردية جديدة تشرح نُظُم المعرفة وسِيرةَ العالَم.

ومن ناحية ثانية، ثمةَ جنوح كبير إلى إدماج الضاد ضمن التقنيات الرقمية الحديثة ومحاولاتٌ متعددة لإلحاقها بما يطفو على الشبكات العالمية من برمجيات ولوغريتمات حتى يكون للسان العربي حضورٌ أقوى في مُحرّكات البحث وآلاته وأدواته وتعالقاته. ولا شك أن ما ينجز، في هذا المضمار، إيجابي ولكنه يظل دون المأمول مقارنةً بما تحققه اللغات الأخرى. ومن الأخبار الطريفة، الدالة على وضع العرب عمومًا ولغتهم خصوصًا، عَقدُ مراسلات مُطوّلة ومناقشات معقدة، ضمن أنشطة مَجمعٍ عربي، خلال الأشهر المنصرمة، من أجل اعتماد كلمة "سِنَّاب" تعريبًا لــ"سناب شات"، وهو ما يؤكِّد أنَّ العربَ، كما كان شأنُهم في القرن التاسع عشرَ، لا يزالون يكتفون باستخدام ما يُنتجه أقرانُهم في الدول المتقدمة، وتقتصر مشاركتهم على اقتراح تسمية للشيء المختَرَع، ثم استخدامه لأغراض تناقض، غالبًا، العقلانية التي أنتجته.

ومن جهة أخرى، تنافست هذه المراكز والمجاميع في إصدار "شهادة لغوية" لإتقان اللغة العربية، مثل "التوفل"، ومن أهم هذه المبادرات، وهي مفارقة أليمة، ما أنجزه معهد العالم العربي، ومقرّه في باريس، في شهر إبريل/ نيسان الماضي، شهادة أطلقَ عليها الاسم المختصر "سيما"، تثبت مستوى المترشح لاكتساب العربية، سواء تَعلَّمها لغَرض أكاديمي، احترافيّ أو شخصي. وهو مجهود يتلاءم مع تطويرٍ مستدام للمناهج التعليمية ولا سيما في أوروبا، ومحاولاتٍ لتكييف تدريسها مع مقتضيات "المرجع الأوروبي في تدريس اللغات" بمستوياته الستة.

كما نلاحظ عودة الاهتمام، وربما بشيءٍ من الاحتفائية، بالخط العربي وبعث الكثير من الفعاليات لتعليمه والنهوض به في مختلف الأقطار العربية، حتى اقتَرحت دولة عربية تخصيص السنة القادمة له، في إشارةٍ واضحة إلى الاعتناء بالشكل أكثر من التعمق في مَضامين الثقافة العربية، وفي تسييس مفضوحٍ لدعوى حماية الضاد.

وفي إطار هذه التحركات المشتتة، نلاحظ أنَّ الإشكالات التي كانت تواجه الضاد، منذ عقودٍ، ظلت تراوح مكانَها ولم تتحقق أية حلحلة واضحة لها. فمن ذلك استمرار هيمنة اللهجات المحليّة واكتساحها لجل ساحات التواصل اللغوي اليومي، حتى تلك التي كانت، لقرون عديدة، حكرًا على الفُصحى. ويكفي آية على ذلك متابعة الخطابات السياسية والدينية والأدبية لنرى مدى طغيان العاميّة عليها، حتى شكّل إتقان الرئيس التونسي، قيس سعيّد، للسجل الفصيح ظاهرةً فذة أثارت من التعليقات الكثير، وجلها سارٌ. وهو حدثٌ يُرسّخ القاعدة ولا يُضعفها.

ومن ذلك أيضًا، هيمنة اللغات الأجنبية، وخاصة الإنكليزية، واعتمادُها في العلوم والتقنيات، هذا فضلاً عن التدني العام لنسبة القراءة في الوطن العربي، حيث ذَكرت بعض التقارير، والتي نَستشهد بها في حَذرٍ شديد، أنَّ المعدل العربي لساعات القراءة السنوي هو 35 ساعة، أي ثلاث ساعاتٍ في الشهر. فيما بلغ المتوسط العربي لعدد الكُتُب المقروءة سنويًا أكثر من 16 كتابًا في السنة، مع طغيان للمضامين اللاعقلانية بمختلف أنواعها، تلك التي تروّج للقوى المخفيّة وتضعف الحسَّ النقدي. ألم تقترن وفاة الفتاة الفلسطينية إسراء غريب، بحسب بعض الروايات السائدة، بسُكنى الجنّ لجسدها وممارسة الرقية لاستخراجه؟ ألا يُخفي هذا المثال الحزين استمرار حضور كُتب الجانّ وطرائق طرده في المشهد العربي؟

أما القاسم المشترَك لهذه الجوانب، التي ميزت الضاد طيلة هذه السنة، فهي التسييس المتنامي لها، حتى صار الاهتمام بها مصدرًا من مصادر الشرعية التي يعتمدها الحكام العرب، ربما لتغطية تهاوي شرعياتهم وتهالكها، كما صار هذا الاهتمام موضع تنافس داخلي بين الدولة والأحزاب والمجتمع المدني، ثمّ بين الدول العربية ذاتها عوض أن يكون موضع توحّد وتكاتف، ضمن استراتيجية بعيدة المدى، تنهض بالضاد التي لا تزال تُراوح مكانها. وهل أدل على ذلك من وجود مشروعين لمُعجمَيْن تاريخَيين للعربية في بلدَيْن متجاوريْن؟

النضال من أجل العربية عقيدة ثقافية منفتحة ورهان وجوديّ لملايين المواطنين. هي لهم مفتاحٌ يَلجون به كنوز الماضي وينفذون من خلاله إلى مستقبلٍ، تَسارعُه مدهش. ومما يؤسف له أنَّ حصاد السنة التي ستغادرنا لا يتناسب مع ما في تُربتها من إمكانات خَصيبة ولا مع ما تحمله دَوحَتُها من الأثمار. وإنَّ الباحث في شان الضاد لَيُؤلمه أنَّ يقلّب صفحات عدة عَساه يعثر على لحظة فارقة خلال السنة أو حدث فيها لافتٍ بعمقه وثوريته، فلا يكاد يجد إلا تظاهراتٍ مكرورة وأنشطة مجترَّة، بعضها يزيد من غربة الفصحى في عَصرها الرّاهن.