سمكة خارج الماء: شهادة في الرواية وحواسها

سمكة خارج الماء: شهادة في الرواية وحواسها

25 فبراير 2017
الصورة
("فردوس أزرق"، سعاد العطار/ العراق)
+ الخط -

كطفلةٍ ترعرعتْ في أواخر ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي في جنوبي إنكلترا، يتملكني نوعٌ من إحساس ضئيل إلى حدّ ما بالمكان الذي عشتُ فيه، ولماذا كنتُ مسكونةً بمشاعر انعدام الانتماء. في العشرينيات من عمري فقط تهيّأ لي اكتشاف أن أمي وأبي كانا من مواليد غايانا وجامايكا. لهذا السبب انغرستْ في كتاباتي بقوة موضوعات الاقتلاع والحرمان والاختلاف والمكان.

بالنسبة إلى الكثيرين من المهم أهميةً عظمى امتلاك إحساس بالمكان، بالانتماء، ويمكن أن يتعزّز هذا الانتماء إلى مكان حين ينتقل المرءُ، بإرادته أو مكرهاً، إلى موقع جديد مختلف. حين كنتُ في الحادية والعشرين من عمري أمضيتُ سنة تقريباً في الخارج، وترحلتُ في مصر والسودان ونيبال. وكانت إقامة علاقة مع أمثال هذه المناطق المتباعدة على كوكب الأرض طريقة للحياة مرهقة عاطفياً، إلا أن كوني بعيدة كل هذا البعد عن الوطن ساعدني على النظر إلى الماضي من منظور مختلف نوعاً ما، وكذلك إلى المكان الذي اعتبرته "وطناً" لي.

انطباعاتي الأولى عن الأماكن الجديدة، سواء كانت دقيقة أم لا، كانت على بصيرة في غالب الأحيان؛ لكل شيء حافة، نضارة وصفاء. وكونك غريباً، أجنبياً، يمكن أن يوفر لك بصائر لا يمتلكها المحلّيون.

ووجدتُ أنني نظرتُ إلى "الوطن"، أو إلى المكان الذي ارتحلتُ عنه، تحت ضوء جديد، لأنني كنتُ أراه من بعيد، من منظور مختلف. ومع ذلك، وبعد زمن، أصبحتُ أرى وطني الأصلي، الذي لم أفكر به فعلياً كوطن بل كمكان عشتُ فيه، بمنظار وردي، وبدا منزلاً عائلياً أكثر دفئاً.

وعلى نحو مماثل، يمكن بمرور الوقت النظر إلى الأحداث من زاوية أكثر تركيزاً، ويمكن أن تصبح، أحداثٌ مضت ومتاهة طفولة مشوشة، أوضحَ أو أشدّ مضاءً أو أجمل أو أكثر قبحاً أيضاً.

انطباعاتنا الأولى عن مكان جديد تلوّنها عادة رغبة في الوقوع على مراعٍ أكثر خضرة من تلك التي غادرناها. وهذا هو ما ورد بإيجاز بارع في القصة القصيرة "الأرض الموعودة" للكاتب السنغالي عثمان سمبين، التي قرأتها منذ وقت قريب. تصل دايوانا، بطلة القصة إلى فرنسا قادمة من "داكار" لأول مرة: "احتضنت عيناها كل شيء، ونظرت إلى ما حولها نظرة إعجاب ودهشة. وامتلأ ذهنها بهذه الانطباعات الأولى. كم كانت جميلة! وبدت أفريقيا الآن في نظرها ليست أكثر من حيّ قذر".

ولكن بعد قضاء فترة في فرنسا، اختلف شعور "دايوانا"، وشعرت بالحنين إلى الوطن، وأصبحت ".. مغمورة بالذكريات. وقارنت بين غابة موطنها وهذه الأجمة الميتة حولها. كم هو شاسع الاختلاف بين هذه الأشجار وغابة كازاموس المقدسة البعيدة. وجعلتها ذكرياتها عن القرية والحياة الجماعية هناك تشعر بأنها مقطوعة من شجرة بشكل لم تشعر به من قبل. وعضّت على شفتها، وأسفت أسفاً بالغاً على مجيئها. والتمع في ذهنها ألف تفصيل وتفصيل وهي تنظر إلى الماضي. ومرة أخرى استيقظ ذهنها على حاضرها، وواقع حياتها في فرنسا حيث هي أجنبية مرتين، وتيبّس تفكيرها".

إن الرغبة في استحضار مزاج وجوهر "وطن" المرء الأصلي والإمساك بهما، أو استحضار مكان بداية، تصبح أقوى في أغلب الأحيان طالما نحن بعيدون عنه، وفي نهاية الأمر يمكن أن يصبح العشبُ أكثر خضرة. ومع ذلك حين يعود المرءُ، لا يعود الوطنُ وطناً لأنه تغير بمرور الزمن. الآن، بالنسبة لي، لا يوجد "مكان" اعتبره وطناً. الوطن، بدلاً من ذلك، شيء ما أحمله معي.

كيف أقارب خلق إحساس بالمكان في كتاباتي؟ لم تكن روايتي الثانية نتاج بحث تاريخي فقط، بل كانت أيضاً نتاج زيارة لبلد لم أكن فيه من قبل، ونتاج مواجهتي الأولى لبيت معين؛ هو بيت "غرين وود الكبير"، بيت عائلة إليزابث بيريت براوننج سابقاً في جامايكا حيث يعيش والدي الآن.

دخول بيت "غرين وود الكبير" كان يشبه رحيلاً وعودة في الزمن إلى الوراء. وعرفتُ أنني أريد الكتابة عن المكان. لقد استحضرتْ طريقة ترميم البيت واستعادة أبهته كاملة جواً من أجواء الماضي، ولا تزال ذكريات رؤية تلك الغرف المترفة لأول مرة بالغة الوضوح والحدّة.

هل يمكن أن يحظى الإنسانُ بإحساس وطيد بالمكان بوساطة مواد بصرية أو بحث في شبكة الإنترنت أو مشاهدة أفلام أو صور فوتوغرافية أو لوحات صور شخصية وشرائح عرض؟ نعم.. ولكن لا شيء يضاهي تجربة أن تكون هناك بالفعل بين الناس، وتشاهد الطريقة التي يسقط فيها الضوء، أو عمق البؤس أو الغضب والحزن والتوق إلى الحرية في عيونهم.

الرحيل إلى أماكن جديدة، أن تكون هناك "جسدياً" وتتفاعل مع الناس، يمكن أن يأخذ المرء عبر المرآة إلى شيء قريب من تجربة أهل المكان، وفي النهاية، صياغة قضية مشتركة بينك وبينهم. القليل من المواد البصرية يمكن أن ينقل نقلاً صادقاً الإحساس بالضيق من لسعات البعوض، أو رائحة براعم أزهار شجرة الجاراكاندا، أو يدعم إحساس المرء أنه يسير مستخدماً حذاء شخص آخر.

تقول فلنري أوكونور في مجموعة مقالات لها تحمل عنوان "أساليب ولغز": "الحواس هي الوسيلة التي تعمل بها الرواية، وأحد الأسباب التي تجعل الناس يجدون صعوبة في كتابة القصص، هو أنهم ينسون كم يتطلب الإقناع بوساطة الحواس من وقت وصبر..".

إن أول خصائص الرواية وأكثرها وضوحاً هو تعاملها مع ما يمكن رؤيته وسماعه وشمّه ولمسه. الأماكن تتشكل، أو يُعتنى بها، أو يُساء استخدامها، أو يُنقش عليها، أو تُنحت، من قبل سكانها. وروح المكان متجذّرة في التراب وعلى الأرض التي يسيرون ويواصلون الحياة فوقها. إنني أعمل على إبداع شخصيات وأركز على بث الحياة فيها باستحضار أمزجة ومشاعر بوساطة حواس بصرية وسمعية وذوقية ولمسية.. إلخ، لخلق إحساس بالمكان.

إن المؤثرات في الرواية، كما يقول ديفيد لودج في كتابه "فن الرواية": "متعدّدة ومترابطة، وكل واحدة منها تستجلب الأخرى، وتعمل كمجموعة.. الوصف في رواية جديدة ليس مجرد وصف أبداً".


* Laura Fish روائية بريطانية من أصول جامايكية ولدت عام 1964. درست الكتابة الإبداعية وعملت لأكثر من عشر سنوات في وسائط الإعلام المسموعة والمرئية، قبل أن تنتقل إلى الأكاديميا وتدريس الكتابة الإبداعية في "جامعة نيوكاسل" البريطانية.

من مؤلفاتها؛ رواية "تحليق طيور التم السوداء"، عن رحلة إنكليزية سمراء البشرة إلى أستراليا وتفاعلها مع حياة السكان الأصليين.

أما روايتها "موسيقى غريبة" فتدور حول حياة عائلة الشاعرة إليزابث بيريت في إنكلترا وجامايكا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

* ترجمة محمد الأسعد

دلالات

المساهمون