سمر إسطنبولي في العيد

25 مايو 2020
تحطمت الآمال التي بناها أبو الجود على إعادة مياه سهرة الإمتاع والمؤانسة لمجاريها في العيد، وخاب رجاؤه، وفشل سعيه.

قال إن الجهات التي تكاثرت عليه في الآونة الأخيرة ثلاث: رمضان، والحَجر الصحي الذي سببه فيروس كورونا، وأم الجود! وبالنسبة لرمضان، ينعاد عليكم، انتهى، وكنا نظن أن الحَجر الصحي سوف ينتهي أو يُخفف، وإذا بالحكومة التركية تعلن حظر التجوال في أيام العيد على 81 ولاية تأتي إسطنبول في مقدمتها، وأما أم الجود فوجودها معه على هذا النحو المستدام يذكّره بالعبارات التي تقال للعريس يوم عقد القران: (.. وعلى مهرٍ مؤجل مقداره كذا ليرة سورية يبقى في ذمتك للزوجة إلى حين الأجلين، فراق أو موت).. وبما أن امرأة كهذه يستحيل أن تفارق، فهذا يعني أنها ستبقى ملتصقة به حتى آخر نَفَس!

أم الجود: لو إنك بتفكر صح يا أبو الجود بتحمد ربك على وجودي معك من خمس وأربعين سنة لهلق. يوم إنته كنت شاب وعم تركض عالبيادر متل الغزال ما رضيت بنت وحدة بكل قريتنا تاخدك، وأنا وحدي اللي قبلت فيك. هلق بهالعمر إذا أنا بفارقك ما بتلاقي مَرَا تقول لك: مرحبا.

أبو الجود: هاي النغمة بعرفها منيح يا مرتي، وأنا هلق ما عم بشتكي منك، وبصراحة إنتي مصيبة تعودت عليها، والمشكلة إنه عم توقع على راسي مصايب تانية، يعني ما كفانا الغربة والفقر والنحس وإنتي، حتى أجتنا كورونا وفوقها منع تجول؟

أبو ماهر: بصراحة. كلام أبو الجود كله صحيح، ما عدا موضوع الأخت أم الجود. هادا شي عائلي. لكن ما عرفنا أيش هيي المصايب التانية.


أبو الجود: المهم، أنا قلت لحالي منجتمع خلال العيد مع شلة اسطنبول، وبيعزمنا كبيرنا أبو محمد على طبخة شاكرية ورز، يا إما فريكة على وجَّا كراديش لحم، وفراريج، وصنوبر، ولوز، وكاجو محمص، ومنشرب عيران، يعني شنينة، ومناكل ورا هالبلاوي الزرقا شي قطعتين كنافة، ومنعبي جيوبنا كرميلا وراحة وشوكولاطة ونوكة، ومنشرب قهوة مرة.. ولما أنا بشرب فنجان القهوة بيكسر عمي أبو محمد الفنجان وبيحلف لي يمين إنه (من بعدك يا أبو الجود ما حدا يشرب فيه)، ومنرتكي بعدها على قوالب (أرائك) القطن، ومنسمع أحاديث من اللي عم يكتبها أبو المراديس للجريدة.

أبو جهاد: في بداية الحجر الصحي حكى لنا كيف إنه حط ديوانة جنب الباب الخارجي، وصار يقعد عليها في النهار، وينام عليها في الليل، وخلاها قريبة من الباب حتى إذا خطر لأم الجود تطحش عليه بيفتح الباب وبيهرب!

أبو الجود: إنته يا أبو جهاد عم تمزح، لكن هاي الشغلة صارت بالفعل.

كمال: أشو هالحكي؟ يعني طحشت عليك (السيدة أم الجود) وهربت بالفعل؟

أبو الجود: أي نعم، حصل. يا سيدي، في يوم 14 رمضان، وأنا قاعد عالصوفاية تبعي وعم فكر بالحالة التعبانة اللي وصلنا لها، وإذ بتجي (السيدة أم الجود). قعدت جنبي، وشغلت الأسطوانة المعروفة، قالت لي إنته مفلس، وعونطجي، وما بتحب الشغل، وما حدا بيستفيد منك شي، وبتاخد خرجيتك من الولاد اللي عم يدوقوا المر بشغلهم في بلاد الغربة، و و و.. هيك لوقت ما أنا عصبت، وفتحت الباب وركضت.. وأنا راكض يا شباب، وعم إتلفت لورا من خوفي ما تكون (السيدة أم الجود) لاحقتني، وإذ طلعت قدامي سيارة مكتوب عليها (Polis)، وتنين عناصر شرطة وقفوني. وعلقنا مع بعضنا أنا ودورية الشرطة علقة مشحرة. هني يحكوا معي بالتركي، وأنا أقول لهم (أم جود، ماما تبع جود، يعني مرتي)، وهني يقولوا لي (سوز.. كيمليك) يعني اسكوت وهات هويتك، وأنا كنت لابس بيجاما ما معي هوية ولا بطيخ.. وفتحوا يا خاي الدفتر بدهم يكتبوني مخالفة، هون أنا طاش صوابي، لأنه اللي بعرفه إنه قيمة المخالفة 3200 ليرة تركية، وأنا إذا بنزّل عليتي كلها عالمزاد العلني ما بتجيب هالمبلغ. صرت إحكي معهم متل الخرسان، وكل كلمتين أقول لهم: (جود، أم الجود، مرتي، جود ماما، يعني ماما جود، ضربتني بالعصاية وبالكرباج).. ولما شفت إنه الشرطي مستقتل بده يكتب ضبط مخالفة بحقي مسكت إيده وقلت له:

- وحد الله حجي، لا تكتب.

وشوصت عيوني متل المجانين وصرت أقول له (أنا.. أرابجا، يعني بحكي عربجا، تركجا يوق.. جيبوا لي ترجمان). قال لي واحد منهم:

- سوز. ترجمان يوق.

قلت له: بدك تكتبني مخالفة يعني أنا بدي إدفع مصاري، وأنا ما معي، يعني أنا (بارا يوق). ودخلت إيدي التنتين في جيوب البيجاما، وسحبتهن لبره، واحد منهن فهم علي. وشدني من إيدي وطالعني ع السيارة وما عاد سمحوا لي إحكي ولا كلمة. أنا قلت لحالي خلص، بدهم ياخدوني ع القسم، وتذكرت لما كنت في سورية وكمشوني بالليل وأخدوني ع الجنائية وحطوني في الدولاب وضربوني شي مية عصاية. المهم، سيارة البوليس مشيت السيارة باتجاه بيتنا. ونزلني. الظاهر إنهم كانوا شايفيني وقت طلعت. قمت أنا قلت له:
- يوق. هون ما بدي. بروح معكن عالحبس. في الحبس أم جود يوق، لاكن هون أم جود وار.

ضحك الحاضرون، وقالت السيدة حنان: قصة ممتازة. مو هيك يا أم الجود؟

أم الجود: اي والله كتير كويسة، صدقوني طول ما هوي عم يحكي وأنا فارطة من الضحك.

حنان: فارطة من الضحك؟ يعني هاي أول مرة بتسمعي القصة؟

أم الجود: أي والله. بس فينا نقول مو حلوة؟ والله العظيم حلوة.

أبو محمد: بصراحة هاي القصة خلتني إشتاق لقعداتنا اللي كنا نقعدها قبل الحظر. خيو، اللي سمعته إنه الحكومة التركية عطت فرصة للمسنين من أمثالنا يطلعوا خلال يوم العيد لمدة ست ساعات. إذا طلع هالحكي صحيح خلي أبو الجود وأم الجود وأبو جهاد وأبو المراديس وأم مرداس، بما إنه أعمارهم فوق 65 يتفضلوا لعندي بكره ع الغدا، وكل شي طلبه أبو الجود بيكون جاهز.

أبو جهاد: منتشرف يا أبو محمد. بس أنا عندي فكرة بدي أقولها قبلما تنتهي هاي الجلسة.

أبو محمد: تفضل.

أبو جهاد: حفيدي مصطفى، ما شالله عليه، عمل دورة وتعلم لغة تركية، وصار يحكي تركي متل البلابل، بس تفتح الدوائر الحكومية بدي إطلب منه يكتب شكوى بحق أبو الجود لوزارة الداخلية التركية، ويجبروه إنه يستحي على حاله ويقعد مع أختنا أم الجود بغرفة وحدة. مو عيب عليه يقعد جنب الباب ويهرب متل الولاد الزغار؟

كمال: أنا بعترض بشدة. لأنه هالفكرة فيها ظلم كبير لـ (السيدة أم الجود)!

وكل عام وأنت بخير.
تعليق: