سماحة السيّد

29 أكتوبر 2019
الصورة

رسم حسن نصرالله لزينة خليل في بيروت (2/6/2019/فرانس برس)

+ الخط -
اسمح لي أن أحلم، سماحة السيّد، أنك، بأعجوبةٍ ما، سوف يلين قلبُك، وينفسح ضميرُك، وتتأجّج عاطفتُك، فتقرّر أن هؤلاء الموجودين في الشارع من أقصى شمال لبنان إلى أقصى جنوبه ليسوا أعداءك، بل هم أبناؤك وإخوتك ومواطنوك الذين ما فتئوا يعانون، منذ أكثر من أربعين عاماً، احتلالاتٍ خارجية مدمّرة، واستلابًا سياسيًا، وقهرًا يوميًّا من غيابِ أدنى مقوّمات العيْش الكريم. وأنهم إنما ينتفضون اليوم ويثورون ضدّ هذا كلّه، مطالِبين بإسقاط طغمة سياسيّة فاسدة، تجثم على صدورهم منذ دهور، وتسابق ذاتَها في تحطيم أرقامها القياسيّة في السرقة والهدر وسلب الناس عيشهم وكرامتهم.
لقد خرجتَ علينا، أيها السيّد، بخطابين بليغين شرحتَ لنا عبرهما، بكلّ وضوحٍ وأمانة ودقّة، الواقعَ الذي نحن فيه، بتناقضاته وحيثياته ومعطياته. قلتَ لنا إنّ الحكومة لن تستقيل، وإنّ العهد مستمرّ، مهما فعلنا وتظاهرنا، لأنه ممنوعٌ من السقوط، ولوّحتَ لنا بغيلان الفراغ التي ستأتي على الأخضر واليابس في ما تبقى من بقايا هذي البلاد. هكذا تأكَّد لنا أنك الآمر الناهي، وأنك المُمسك في يدك زمام الأمور كافة، وأن شعرةً في رؤوسنا لا تتحرّك من دون موافقتك أو علمك. وهكذا اقتنعنا مئة بالمئة أنك العقدة ومالك مفاتيح أي حلّ، تُفتي وتقرّر وتمنع وتُبيح. ومع هذا، فقد استمررنا نتظاهر ونهتف ونطالب بإسقاط الحكومة والنظام، ضد إرادتك، ذلك أننا بتنا ما بعد اليأس بكثير، وفي حالة إفلاس تام.
وللأمانة، لا يجب أن تصدّق من يجاهر بعدم خوفنا منك. بلى، نحن نخاف منك، ونخاف سلاحَك وأزلامَك ومناصريك، ونُذعَر حين يهجمون علينا بقمصانهم السود وقبضاتهم المرفوعة ووجوههم المحتقنة التي تهدّدنا بما لا تُحمد عقباه. لكن، لا أخفيك أيضا أننا، حين ننزل الشارع، ونقف فيه كثرًا، مئاتٍ ثم ألوفًا ثم ملايين، متكاتفين ومتّحدين ومتآخين، هاتفين بنبضٍ واحد ضد الظلم والقهر والبؤس، تتمزّق أثوابُ عجزنا وتنقشع رؤيتُنا وتتجلّى أصواتُنا وتدبّ في أوصالنا قوةٌ كالنسغ، نتشاركها في ما بيننا، ونرسل بعضها إلى الآخرين. يومًا إثر يوم، نفاجئ أنفسَنا واقفين في الشارع، غير مصدّقين أننا قد جئنا جميعًا، بهذه الكثرة، بهذا التصميم، مرّة بعد مرة، تلقائيا، عفويا، من دون قائد أو زعيم، متّبعين بوصلة قلوبنا التي تشير إلى الاتجاه نفسه، بوصلة صحوتنا ووعينا ورشدنا الذي قد بلغناه أخيرا شعبًا.
نحن اليوم مساء يوم الأحد، وهو يوم الانتفاضة الحادي عشر. وقد وضح لك، ولا بدّ، أننا لن نعود القهقرى، وأننا مستمرّون ومستعدّون للمخاطرة والمجازفة، ولما هو أكثر من ذلك بكثير، ليقيننا أنها فرصتنا الأخيرة ووسيلتنا الأخيرة للانبعاث من جديد. لذا، كن كريما وافتح قلبَك، يا سماحة السيّد، ودعنا ندخل إليه، دع منظر أولادنا وشبّاننا يعشّش في حناياك، دع قهرنا وبؤسنا يهزّان ضميرَك ويعيدانك إلينا، نحن شعب لبنان. فما الذي تخشاه، أيها السيّد، عقابا إلهيا؟ لا، فالإله كما يُعرف عنه ينحاز دائمًا إلى الضعفاء. عقابًا من عقبان إيران؟ انزل إلينا وسنحميكَ بضلوعنا وأجسادنا من أي اعتداء، وثق أنك، حين ستقف بيننا، لن يطاولك أي مكروه.. واحلمْ أنتَ، هذه المرّة، يا سماحة السيّد، أن تترك غشم السياسة وقسوتها وبطشها، لتقف مع ناسك وأهلك وأخواتك وأبنائك. نحن أهلك وأخواتك وأبناؤك. أجل، نحن جميعا، ودونما تمييز...
سوف تضحك (ربما)، إذا ما بلغتك "سذاجتي" هذه، وقد تنعتني بالبلاهة والغباء، إذ إنّ من خصال الأدباء امتلاك مخيّلةٍ واسعةٍ تطفو أحياناً فوق الواقع، وتنأى عنه. ولكن، اعلمْ، يا سماحة السيّد، أنني، فيما أنا مستغرقة بحُلمي "الجميل" هذا، راجيةً من أعماق قلبي أن يتحقّق، أقفُ مغمضةَ العينين وسط الآلاف، ملوّحةً بعلم لبنان، وهاتفةً معها بصوت هادرٍ رخيم: "كلهم يعني كلهم"، و"هيلا هيلا هيلا هوه"...