سليماني قاتلًا وقتيلًا

12 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
سيّان إن استشهد أو مات.. إن استقبله الحسين والحسن على باب الجنة أو مالك خازن النار على باب جهنم، فذلك كله لا يصلح أن يكون مثار جدل بشأن مصير قاسم سليماني بعد الموت. ما يهمّنا هو ما فعله قاسم سليماني قبل موته، للعراق الذي حوّله إلى وكرٍ للطائفية، ولثورات الربيع العربي في اليمن وسورية التي أسهم في إجهاضها، وللقدس التي قاد فيلقها بعيدًا منها، وللطغاة الذين أحكم قبضتهم على رقاب شعوبهم.
يتعيّن أن نحدّد إلامَ ننظر بالضبط؟ إلى قاسم سليماني القاتل، أم إلى قاسم سليماني القتيل، ومن كان يقف خلفه قاتلًا، ومن أرداه قتيلًا؟ ربما يكمن عمق المعضلة في أن من جعل من سليماني قاتلًا هو نفسُه من أرداه قتيلًا في نهاية المطاف، وأعني بها الولايات المتحدة ذاتها التي جعلته بطلًا وإرهابيًّا في مرحلتين مختلفتين.
كان بطلًا في عيون البيت الأبيض عند غزو العراق واحتلاله؛ فقد كان مطلوبًا منه أولًا أن يكون غازيًا رديفًا للغازي الرئيسي؛ بمعنى أن يهيئ أرض العراق لبساطير المارينز، عبر تأليب المكوّن الشيعي على النظام الحاكم، بذريعة "المظلومية" التاريخية، وتحييده أو مشاركته، إن أمكن، إلى جانب الجندي الأميركي في المعارك الفاصلة، كما كان مخوّلًا بجلب فيالق الشيعة العراقيين المدرّبين في إيران، بعد الغزو، ليُحكموا قبضتهم على العراق وتسلم زمام حكمه، على غرار فيلق بدر وجيش المهدي وحزب الدعوة.
لم يكن أمام أميركا خيار غير توظيف إيران لهذه الغاية، وإلا ما كان لاحتلالها أن يفلح بغير إشعال الفتنة الطائفية، والاستعانة بخدمات قاسم سليماني الذي تمّ فرزه لتحقيق هذا المأرب. ولا حاجة للقول إنه أدّى المهمة المرسومة أميركيًّا بنجاح؛ معتمدًا في ذلك على التلاعب بالعاطفة الشيعية التي كانت عانت فعليًّا من ظلم وجور فادحيْن عقودا وربما قرونا على أرض العراق، فوجدت في الغزو الأميركي فرصة للثأر، ولاستعادة الاعتبار، بل ولتسلّم زمام الحكم، باعتبارها تمثل نصف الشعب العراقي على الأقل.
حاصل القول إن العراق غدا مسرحًا لعمليات قاسم سليماني، يحطّ فيه متى يشاء ليرتّب وضعًا أو يرسم مخططًا أو مؤامرة ما لتوطيد الحكم الطائفي في العراق. ثم جاء دور سورية عقب اندلاع انتفاضتها الشعبية، فراح يتمّم ما بدأه في العراق، لإجهاض ثورة الشعب السوري، وتوطيد أركان الحكم الطائفي السوري الذي يلبس لبوس المقاومة والممانعة، تُسانده في ذلك أميركا، أيضًا، وبعض دول الخليج التي خشيت من استفحال خطر ثورات الربيع العربية، فجعلت خصم قاسم سليماني مجاميع إرهابية، في مقدمها "داعش" بالطبع، وهو ما منح سليماني والأسد، ومن ورائهما أميركا، مبرّرًا لوأد الثورة الشعبية، بذريعة محاربة الإرهاب. وتكرّر الأمر في اليمن، حين استغلت إيران ربيعها الشعبي، فتسللت بقاسمها لتدعم الحوثيين، وتمكّنهم من إحكام قبضتهم على صنعاء ونصف اليمن.
في كل هذا وذاك، كان قاسم سليماني قاتلًا مدعومًا من أميركا، كما أسلفنا. وحين استنفد القاتل دوره، وأدّى اللعبة بنجاح، كان لا بدّ من إعادة توازن القوى إلى المنطقة، والحدّ من النفوذ الشيعي، خصوصًا بعد أن ضجّت عقيرة دول عربية حليفة لأميركا من تفاقم "الخطر الشيعي" وتعاظمه، وترافق ذلك، بالطبع، مع الرغبة الصهيونية بضرورة لجم الطموح النووي الإيراني، وتقليم أظافر طهران التي باتت لاعبًا إقليميًّا في المنطقة، وأصبحت أسلحتها على حدود إسرائيل، بأيدي حزب الله، والحشد الشعبي العراقي الذي لم تزل فلولُه تجوب سورية.
عند هذا الحدّ، كان لا بدّ أن يتحوّل القاتل إلى قتيل، فجاء اغتيال قاسم سليماني لينهي مرحلة التواطؤ الخفيّ بين أميركا وإيران، وليدشّن مرحلة المواجهة المفتوحة بينهما على الاحتمالات كلها، مع التذكير بأن سليماني لم يكن شبحًا غامضًا يصعب الوصول إليه، بل كان يؤدّي أدواره بوضوح، ويتحرّك بعلانية في المنطقة، بمعنى أن اغتياله لا يمثل "إنجازًا" لطائرةٍ مسيرةٍ فائقة الدقة، كما يدّعي "قاتل القاتل".
هي ليست أزيد من لعبة، أدّاها سليماني، قاتلًا وقتيلًا.