سلوك مصري معادٍ للمغرب

20 أكتوبر 2016
الصورة
أثارت مشاركة وفد جبهة بوليساريو الانفصالية، في اجتماع المؤتمر البرلماني العربي الأفريقي، في شرم الشيخ، تساؤلات مراقبين اعتبروها استفزازاً للمغرب، بعد أن منحت لأعضاء الجبهة الانفصالية تأشيرات لدخول الأراضي المصرية، والحُظوة باستقبال رسمي من السلطات المصرية التي نظمت المؤتمر، بمناسبة مرور 150عاماً على البرلمان المصري. وعلى هامش الاجتماع، استقبل رئيس البرلمان المصري، علي عبد العال، وفد "بوليساريو" الذي استقبله أيضاً رؤساء برلمانات إفريقية تعترف بالجبهة، ورئيس البرلمان الإفريقي. واعتبرت صحف جزائرية مقرّبة من النظام الجزائري ما حدث يعد اعترافاً من نظام الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بـ "بوليساريو"، وانقلاباً مفاجئاً في العلاقات بين الرباط والقاهرة. وزعمت أن الموقف المصري الجديد تجاه قضية الصحراء يأتي في سياق تحول سياسي عميق، تعرفه السياسة الخارجية للقاهرة تجاه قضايا عديدة.
سماح السيسي لجبهة بوليساريو للمشاركة في أعمال المؤتمر سلوك معادٍ للوحدة الترابية للمغرب. وخطوة اعتبرها محللون دلالةً على بداية رعاية مصر الكيان الوهمي، تنذر بتوتر العلاقات بين القاهرة والرباط. ويتوقع مراقبون أن يضع هذا السلوك المصري هذه العلاقات في خطر. واعتبر مركز الرباط للدراسات السياسية والإستراتيجية استقبال مصر وفد "بوليساريو" مؤشراً على عودة القاهرة إلى اللعب بهذه الورقة في علاقتها مع المغرب، بسبب التقارب المغربي الخليجي، بعد أن حدث توتر سابق بين البلدين، عقب زيارة وفد مصري مخيمات تندوف. ونبّه المركز البرلمان العربي إلى وقوعه "في خرق واضح وصريح" لبنود في قانونه الأساسي، تعتمد معايير محدّدة للعضوية، لا تتوفر في وفد "بوليساريو". وقد جدّدت وفود دول مجلس التعاون الخليجي رفضها أي مسّ بالمصالح العليا للمغرب أو سيادته، على ما قال السكرتير الأول في الوفد الدائم للسعودية لدى الأمم المتحدة، في كلمةٍ بالنيابة عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وكان المغرب قد تعامل، في السابق مع الانقلابيين في مصر، على خلفية زيارة وفد مصري مخيمات الذل والعار، بمقولة كما تَدين تُدان، حينما بَثَّ التلفزيون الرسمي، في الأول من يناير/ كانون الثاني 2015، على قناتين حكوميتين تقريرا إخباريا عن شؤون مصر، وصف فيه السيسي بأنه "قائد الانقلاب"، ومحمد مرسي"الرئيس المنتخب"، في تطوّر كان مفاجئاً في
خطاب التلفزيون المغربي. وكانت تلك المرّة الأولى التي يصف فيها الإعلام الرسمي في المغرب ما حدث في 3 يوليو 2013 "الانقلاب". وهي رسالةٌ وجهت للانقلابيين، مؤداها أن لصبر المغرب وصمته حدوداً، إزاء سياسات وتصرّفات مصرية تجاه المغرب. كما ذهبت مصادر إلى أن هذا الموقف المغربي، والذي جرى تصريفه عبر وسائل الإعلام الرسمية، كان نوعاً من الرد على العلاقات المصرية الجزائرية المتنامية، خصوصاً أن لدى المغاربة مخاوف من إمكانية حدوث تقارب مصري جزائري شبيه بالذي حدث في حرب الرمال 1963، حين اتّحد فيها النظامان المصري والجزائري ضد المغرب، وتخشى الرباط أن يؤدي هذا التقارب إلى اعترافٍ مصري بما يسمى "بوليساريو". وقد فتح الموقف المصري الجديد المجال أمام شروح وتحليلات لخلفيات التحول المفاجئ للسلوك المصري وأسبابه. وثمّة جملة من الأسباب كانت سبباً في السلوك الذي اتّخذه الانقلابي عبد الفتاح السيسي:
أولاً، لا تعترف مصر بجمهورية الوهم، وهي أقرب إلى الرؤية المغربية في القضية، شأن كل الدول العربية باستثناء الجزائر. ولكن، منذ وصول الانقلابي السيسي إلى الحكم، بادر إلى زيارة الجزائر لتكون أول زيارةٍ خارجيةٍ له، ثم بدأ التقارب المصري الجزائري، وإشادة الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، بالسيسي، وزيارة رئيس الوزراء المصري الجزائر مرتين في أقلّ من ستة أشهر، لتصبح بعدها الطريق مُعبدةً لمسلسل التودّد المصري إلى جبهة بوليساريو الانفصالية، بإرسال وفود إعلامية وثقافية إلى مخيمات تندوف، جنوب الجزائر. وكانت وسائل إعلام "بوليساريو" قد نشرت أخباراً عن زيارة وفد مصري، يقوده وكيل وزارة الثقافة، دامت ثلاثة أيام، لمخيمات تندوف، بين 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2014 و26 منه، ولقائه زعيم جمهورية الوهم السابق، معتبرة أنها الزيارة الأولى من نوعها لوفد مصري رفيع لمخيمات الصحراويين. وعلق الكاتب المصري حمدي شفيق: "لأن العصابة التي استولت على السلطة ليس فيها رجل رشيد، فإنهم يتفننون في توسيع دائرة الأعداء وتقليص عدد الأصدقاء". وأضاف أنه "بعد قطر وتركيا وليبيا وغزة، ومحاربة ثورتي العراق وسورية، وتوتر العلاقات مع دولٍ أخرى كانت صديقة لنا، يأتي المغرب الذي لم تكن له أية مشكلة معنا أبدا". وزاد "أرسلت حكومة الانقلاب وفداً رسمياً إلى منطقة المتمرّدين (بوليساريو) لمجرد النكاية والكيد وإغاظة الحكومة المغربية بدون أي خطأ منها، اللهم إلا أنها حكومة شكلها التيار الإسلامي الفائز في انتخابات البرلمان المغربي. وكأن المجرمين يصرّون على محاربة كل من يشتمون فيه رائحة الإسلام في أي مكان".
ثانياً، كان التوتر السياسي أخيراً بين الرياض والقاهرة مظهراً آخر لإصرار نظام السيسي على
السير في طريق مخالف للحقوق والمصالح العربية، بعد أن صوّتت مصر في مجلس الأمن مع مشروع قرار بشأن سورية اقترحته موسكو، ما أثار غضب الرياض، وأعلنت، بعد يومين، شركة أرامكو النفطية السعودية تعليق تزويد مصر بمنتجاتٍ نفطية. وقد جعل التوتر المصري السعودي نفط الجزائر وأموالها تدخل على الخط، لتعويض الدعم السعودي والرز الخليجي، وتسويد صورة المغرب في أرض الكنانة، في محاولة لمُسايرة الموقف الجزائري في قضية الصحراء. وسبق أن زار إعلاميون مصريون موالون للسيسي مخيمات تندوف في يونيو/ حزيران 2014، التقوا فيها مسؤولين في "بوليساريو". واهتمت الصحف المصرية، فجأة، بما سميت زورا "القضية الصحراوية" و"تاريخها ومستقبلها". وأجرت منابر صحفية مقابلاتٍ مع قياديين في "بوليساريو" و"سفراء" و"دبلوماسيين". وأجرت صحيفة المصري اليوم حواراً مع رئيس جمهورية الوهم، المتوفى لاحقاً، محمد عبد العزيز، ووصفته بأنه "أقدم الرؤساء الأفارقة". وقال فيها إنه متفائل بالتغيرات التي حدثت أخيرا في مصر، ويتمنى بعثاً جديداً للدور المصري، و"أن يساهم في استعادة شعب الصحراء حقوقه"، وقال أيضاً إنه "متفائل خيرا بالسيسي".
ثالثاً، بحسب جريدة الشروق، تسعى الجزائر من خلال هذا التهافت "إلى جرّ مصر نحو الانخراط مع دبلوماسيتها التي قامت على نُصرة الشعوب المُضطهدة، ودعم تلك التي تطالب بحقها في تقرير المصير". وأفاد مراقبون بأن التقارب المصري الجزائري يأتي على خلفية الطبيعة العسكرية للنظامين الاستبداديين، حيث أسفرت المفاوضات عن موافقة الجزائر على تزويد مصر بالغاز الطبيعي، بأقل من نصف الثمن الذي تزوّد به الأسواق الدولية، في مقابل اعتراف الحكومة المصرية ببوليساريو. وذهب الكاتب ماجد برهومي، في تفسير ذلك، إلى أن "المشير عبد الفتاح السيسي، وبعد حالة شبه العزلة التي عاشتها مصر، إثر إطاحته حكم الإخوان، كان بحاجة إلى كسر هذا "القيد"، فكانت الجزائر مَعبره للعودة إلى الساحة الإفريقية، ويتم تداول خبرٍ مفاده بأن الجزائر بذلت جهودا حثيثة لرفع تجميد عضوية مصر، فالجزائر ورثت علاقاتٍ متينة مع الأفارقة من الرئيس هواري بومدين، فهي من أكثر أربع دول تدعم الاتحاد الإفريقي مالياً، ويحتل دبلوماسيوها مواقع متقدمة داخل هذه المنظمة الإقليمية، ولديهم من النفوذ والتأثير المعنوي الشيء الكثير".
لم يعد هناك شيء مُستغرب في مصر منذ انقلاب يوليو/ تموز 2013، فقد أضحت مصر الرسمية بعد الانقلاب تسير عكس المصالح العربية، فيعتبر تقارب القاهرة مع انفصاليي "بوليساريو" سيراً في الاتجاه المعاكس للخط السعودي الخليجي الذي أعلن دعمه المغرب في قضية الوحدة الترابية. ولا يزال حكام مصر والجزائر العساكر يتخوّفون من نجاح التجربة الديمقراطية في المغرب، لأنهم لم يستسيغوا كيف اختار المغاربة حزباً إسلامياً على رأس الحكومة مرتين، ولم يقبلوا أن الشعب وحده من سيبقيه أو يتخلص منه. هذا الإحساس بالدونية والعدوانية اتجاه المغرب يؤثر على الانقلابي السيسي الذي لطخ يديه بدماء آلاف المصريين. ولا غرابة في أن تصطفّ مصر السيسي، أخيراً، إلى جانب عساكر الجزائر.